الدورة السبعون للجمعية العامة شهادة ميلاد جديدة للسيسى الرئيس يضع القوى الكبرى أمام مسئولياتها

30/09/2015 - 12:51:01

السفير د.عزمى خليفة

نجح الرئيس عبد الفتاح السيسى فى كتابة شهادة ميلاده ليس كرئيس لمصر وإنما كواحد من أفضل قيادات العالم بحضوره الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة ؛وذلك لعدة أسباب أولها أن هذه الدورة يحضرها مائة رئيس جمهورية وخمسون رئيس حكومة ومديرو الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة والهيئات المختلفة التى انشأتها الامم المتحدة عبر مسيرتها التى استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتي اليوم وموكول إليها بالدرجة الأولى المحافظة على مبادئ وأهداف ميثاق هذه المنظمة العريقة كالوكالة الدولية للطاقة الذرية ،وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ،واليونسكو ،والمجلس الاقتصادي والاجتماعي وهذه الهيئات لعبت بالدرجة الأولى دورا مهما فى تطوير النظام العالمى وبخاصة فى حقبة العشرين عاما الأخيرة من القرن العشرين .


المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية


وثانى هذه الأسباب أن هذه الدورة يحضرها إلى جانب الرؤساء والأمين العام للأمم المتحدة والمسئولين المهمين فى الأمم المتحدة كبار المسئولين فى العالم بهدف التعرف على الاتجاهات العامة التى تحكم العلاقات بين الدول مثل رؤساء البنك الدولى وصندوق النقد الدولى والمنظمة العالمية للتجارة والمنتدى الاقتصادي الدولى والصناديق الاستثمارية بطول العالم وعرضه وهى منظمات تلعب دورا رئيسيا فى تطوير العلاقات الاقتصادية الدولية وفى تطوير الاقتصاد الداخلى لعدد ضخم من الدول وإعادة رسم السياسات الاقتصادية الدولية وتمكين العولمة التى أصبحت أداة رئيسية فى إعادة بناء النظام العالمى الجديد القائم على الشبكية وليس القطبية، وبالتالى فالتحدث أمام هذا الحشد من الخبراء العالميين يصبح ضرورة لإعطاء صورة عن مصر ورئيسها


وثالث هذه الأسباب ينبع من طبيعة المرحلة التى تمر بها المنطقة التى تقع مصر فيها وهى منطقة الشرق الأوسط التى شهدت ميلاد جامعة الدول العربية قبل الأمم المتحده نفسها ، وشهدت نهاية الحرب العالمية الثانية على الأراضى المصرية نفسها ، فالشرق الأوسط يمر بمرحلة تحول تنبع أساسا من داخله ، إلا أن بعض القوى الخارجية استعجلت هذه التحولات وحاولت الإسراع بها واستغلالها تحقيقا لمصالحها وهو ما أدي إلى حالة من الفوضى غير المسبوقة المرتبطة بانتشار نمط جديد من الإرهاب والتشدد ورغم أن كلتا الظاهرتين عالميتان إلا أن هناك اتهاما بأنهما مرتبطتان فى النشأة بالشرق الأوسط وهذا حق يراد به باطل لأنهما وإن كانا موجودتين فى بؤرة الشرق الأوسط جغرافيا فقد أثبتت التطورات أنهما منتشرتان فى العالم أجمع بدليل نجاح داعش فى تجنيد قرابة من ١٥ ألفا إلى ٣٠ ألف مقاتل ومقاتلة من أوربا وأمريكا ،فضلا عن ان روافد مد الإرهاب والتطرف بسبل الحياة العالمية مثل التجنيد والتمويل والدعاية والتسليح ولننظر اليوم لما يحدث فى سوريا فداعش ترتبط بعلاقة قوية بإيران و تركيا ويتم علاج جرحاه فى تركيا ويتم نقل المجندين عبر تركيا وتم تدريب مقاتليه على يد مدربين أمريكيين وهؤلاء المدربون الذين يعبرون تركيا تحت دعاوي أمريكية بتدريب المقاومة ينضمون للنصرة لمحاولة استنزاف القوات الروسية التى هبطت سوريا.


كذلك فإن التطرف مسألة تحظى باهتمام عالمى فجميع مؤتمرات مراكز الفكر والدراسات التى أحضرها وبدون أدنى استثناء تهتم بموضوع التطرف وكيفية التعامل مع المتطرفين ليس لأن التطرف مدخل أساسى للإرهاب ولكن لأن التطرف اتضحت انعكاساته على الحياة الاجتماعية فى الدولة الواحدة ، ولأنه نمط من التفكير يصعب التعامل معه بوصفه متأرجحا بين قطبى الصواب أم الخطأ وليس لأى منهم بديل آخر ،لأنه يتمحور حول الذات بالدرجة الاولى بمعنى الأنا وهو نمط من التفكير يصلح لتدمير المجتمعات وليس لبنائها وقد أدركت واشنطن ذلك أخيرا وتأكدت أنه كما أن هناك نظرية الفوضى التي تطبقها فى الشرق الأوسط ،فهناك نظريات أخرى لتحويل الفوضى إلى نظام يمكن الاستفادة منه والبناء عليه، وهو ما قامت به مصر بالفعل وكان واضحا منذ إعلان خارطة الطريق بعد إسقاط الإخوان المسلمين إلا أن الشكوك ساورت البعض على النجاح فى تطبيق الخارطة ومن ثم النجاح فى القضاء على الفوضى ، ومن ثم كان مهما للغاية بالنسبة لمصر والرئيس السيسى أن يحضر هذه الدورة وأن يطرح فكره لمستقبل مصر


ولقد نجح الرئيس فى وضع الدول الكبرى أمام مسئولياتها ففى كلمته أمام قمة اعتماد أجندة التنمية المستدامة لما بعد ٢٠١٥ أكد على رؤية مصر بأن « أي جهد دولى لتحقيق التنمية المستدامة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار حيز السياسات التنموية للدول النامية وسيادتها فى تبنى برامج اقتصادية واجتماعية وطنية مناسبة تحدد أولويات التنمية بما يراعى خصوصية كل منطقة واحتياجاتها «


نفس المفهوم ذكره خلال ترأسه اللجنة الإفريقية المعنية بالتغييرات المناخية حينما أكد أن المسئولية عن حدوث مثل هذه التغييرات هي الدول الصناعية بما تطلقه مصانعها من غازات تخل بالتوازن البيئي ومن ثم حمل هذه الدول المسئولية الأكبر فى علاج ما أحدثته من تشوهات فى البيئة التى تتشارك فيها الإنسانية تمهيدا لبحث وفهم الموقف الإفريقى من الاتفاقية المقرر التوافق عليها فى مؤتمر المعاهدة الدولية لتغيير المناخ المقرر انعقاده فى باريس نهاية العام الحالى.


هذا الموقف من المسئولية الجماعية للدول الكبرى هو ايضا الذى دفعه إلى ضرورة مواصلة الجهود لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وإخضاع المنشآت النووية لكل دول المنطقة لنظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ،فهذا الموقف لا يمكن تجاهله لأن إسرائيل لن توافق علي ذلك فى ظل سياسة الغموض البناء التي أرسى دعائمها بن جوريون مع الولايات المتحدة منذ عقود مضت.


كذلك أوضح الرئيس السيسى فى رسالته الثانية أن مصر جزء لا يتجزأ من المجتمع الدولى وأنها عازمة بكل قوة وإصرار على استثمار دورها لصالح البشرية فبعد أن أشار المتحدث الرسمى باسم الرئاسة إلى اعتزام مصر بناء محطة نووية فى الضبعة لتوليد الكهرباء فى إطار توجه الدولة نحو تنويع مصادر الطاقة فإذا بالرئيس يؤكد لمدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية اهتمام مصر بالتعاون مع الوكالة والاستفادة من خبراتها وبرامجها ،أدراكا منه بأهمية الطاقة النووية وتطبيقاتها السلمية فى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وهو ما دفع مدير الوكالة إلى إبداء حرصه على تقديم كافة أشكال الدعم الفنى لمصر والمشاركة فى جهودها نحو استخدام الطاقة النووية لتوليد الكهرباء مستقبلا


ولعل اللافت للنظر هنا أن دور الوكالة لا يقتصر على منع الانتشار النووى وضبطه فقط وإنما يمتد عملها على الاستخدام السلمى للطاقة الذرية ولذا فليس غريبا أن تشارك فى الإشراف على تنفيذ قرابة ٣٠٪من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر المدرجة على أجندة البرنامج لما بعد ٢٠١٥.


وكانت الرسالة الثالثة للسيسى إلى المجتمع الدولى تتعلق بضرورة تحقيق التوازن بين الأدوات المتاحة لتنفيذ الأجندة مع مستوى الطموح المأمول وحجم التحديات القائمة فطالب المجتمع الدولى أن يتعامل بفاعلية مع التحديات الأخري التى تعرقل تحقيق التنمية المستدامة ، وفي مقدمتها الإرهاب الذى أصبح ظاهرة عالمية وفقا لتصريحات الرئيس ، لا تعانى منها منطقتنا العربية فحسب وإنما العديد من دول العالم ، مؤكدا أن الشعب المصري فى مسيرته من أجل البناء والتعمير يواجه اخطر فكر إرهابى واكثره تطرفا ويتصدي بقوة وعزم لمن يريد تدمير التنمية أو يعبث بتطلعاته نحو حياة افضل ومستقبل أكثر إشراقا.


وبالرغم من هذا النجاح للرئيس السيسى إلا أنه يقلقنى أن من يكتب خطاباته ليس على المستوى المطلوب ، فكتابة خطب رؤساء الجمهورية له أسس علمية واضحة ،اذ أن الخطبة ينبغى أن تشمل على رسائل واضحة وهو ما تم ، وإقناعا بهذه الرسالة من خلال طرح معلومات لتأكيد مصداقية الدولة فيما تتحدث عنه أى معلومات حول ماتقوم به الدولة لتحقيق وتنفيذ هذه الرسائل وهو أمر افتقدته جميع خطابات الرئيس فى نيويورك بمعنى أن الحديث عن التنمية المستدامة كان يتوجب على كاتب الخطاب أن يشير إلى جهود الإصلاح الاقتصادى التى يتحملها الشعب المصري فى هذه الظروف ومنها رفع الدعم عن الخبز وعن جميع المنتجات البترولية وهى خطوة أحجم عنها رئيسان لمصر أحدهما كان حاملا لنوبل فى السلام والثانى تربع على قمة السلطة ثلاثين عاما رغم أهمية رفع الدعم للإصلاح الاقتصادى.


كذلك ينبغى أن تتوجه هذه الرسائل إلى المستقبل لا إلى الماضي وبخاصة أن الخطاب فى الأمم المتحدة بهذا الحشد من كبار المسئولين والسياسيين، وهو ما افتقدته ايضا مجمل الخطابات فقد كانت الإشارة مصر فعلت كذا ولم نشر إلى ما يتوجب عمله حتى عام ٢٠٣٠ رغم أن الرئيس أوكل إلى بعض الوزراء وضع استراتيجية مستقبلية لعام ٢٠٣٠ فما كان منهم إلا أن لجأوا إلى دراسة سبق إعدادها فى أحد مراكز الفكر وهى دراسة تتسم بالسطحية والقصور وتحتاج لإعادة نظر ،كما أن ما ورد بها من مشروعات لم تدرس الجدوي الاقتصادية له مما يفقده بعدا هاما من أبعاد الدراسات الاقتصادية وقد كان ذلك سببا فيما أصاب تنفيذ بعض المشروعات بعد المؤتمر الاقتصادى بشرم الشيخ ،تماما كما طلب الرئيس تطوير البيروقراطية فما كان من الوزير المسئول إلا أن أحضر من درج البيروقراطية مشروع قانون قديما كان قد تم تجميده لعدم صلاحيته وأعاد عرضه على الرئيس مما أثار جميع موظفى الدولة .


أعتقد أننا في مرحلة هامة تحمل فيها الشعب الكثير ولا تتحمل التجربة والخطأ وخطب الرئيس تحتاج لعناية أكبر تؤكد أن مصر تسير بخطي ثابتة نحو المستقبل ، ولنتذكر أن ثلاثة ممن تولوا منصب مدير مكتب الرئيس للمعلومات فى عهد الرئيس الأسبق مبارك كانوا من افضل الدبلوماسيين بوزارة الخارجية على الاطلاق فى كتابة الخطب السياسية للرئيس، وبالرغم من ذلك فهنيئا للرئيس وهنيئا لشعب مصر كل ما أمكن تحقيقه خلال الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة،وهو إنجاز متميز بكل المعايير خاصة إذا قورن بما حققته مصر خلال العقدين الماضيين.