حتى تكون لقرارات العفو قيمة

30/09/2015 - 12:34:37

  بعض الشباب المفرج عنهم.. فرحتهم تكتمل بالإفراج عن بقية زملائهم الذين مازالوا فى السجون بعض الشباب المفرج عنهم.. فرحتهم تكتمل بالإفراج عن بقية زملائهم الذين مازالوا فى السجون

د. محمد سعيد محفوظ إعلامى ومدير معهد الأهرام الإقليمى للصحافة

الآن وقد بدأ موسم العفو الرئاسى عن المئات من شباب مصر، الذين سلبت منهم حريتهم شهوراً طويلة بسبب ما اعتبره البعض لحظة غضب وطيش دفعهم إليها حبهم وإخلاصهم للبلد، على الدولة أن تفكر فى كيفية تعزيز هذه السياسة التصالحية، من أجل احتواء هؤلاء الشباب، الذين ظلمهم الإعلام، ونبذهم المجتمع، وشوهتهم البيانات الأمنية، بدلاً من توجيه النصح إليهم، وإرشادهم إلى الطرق البديلة والقانونية للتعبير عن الرأى..


قرار العفو الرئاسى لن تكون له أى قيمة، إذا لم تصحبه إجراءات لترميم الشروخ التى أصابت قلب كل شاب وفتاة من المفرج عنهم، ومحو سلبيات هذه التجربة المريرة من ذاكرتهم.. رأيت شباباً دخلوا السجن بروح يملؤها العزم والفداء وحب الوطن، وخرجوا منه بروح ضائعة، ناقمة، ومستسلمة.. عدد هؤلاء كبير، وهم يشكلون الآن جيشاً يفوق فى قدراته الهدّامة وتأثيراته السلبية كتائب داعش وبيت المقدس والقاعدة.. إن داء اليأس سرطانى، وإذا تأخر استئصاله من قلوب الشباب، فقل على مستقبلنا السلام!


مطلوب الإسراع فى تشكيل هيئة لإعادة تأهيل الشباب المفرج عنهم، ودمجهم فى المجتمع، وتعويضهم معنوياً عن الإساءة لوطنيتهم وسمعتهم فى كل وسائل الإعلام، خاصة من سعت لتهييج الرأى العام والقضاء ضدهم قبل أن تصدر بحقهم أحكام الإدانة.. ينبغى أن تكون هذه الهيئة مستقلة عن الحكومة، وتضم أشخاصاً يتمتعون باحترام جميع الأطراف، ولديهم خبرة فى التعامل مع الشباب بمختلف تياراتهم وميولهم، ويملكون رؤية فى استيعاب هذه الفئة فكرياً وحركياً، على المستويين الفردى والجماعى..


ليس المقصود عقد مناظرات، أو تنظيم مؤتمرات، فهذه حلول سهلة وتقليدية تأكدنا من فشلها عبر العديد من التجارب.. يحتاج الشباب لعمل حقيقى، لفرص واقعية، لنشاط على الأرض.. يحتاجون لمن يدعوهم لمشروع وطنى جاد يترجم أحلامهم، بخصوصيتها وبساطتها، لا أن يفرض عليهم حلماً دخيلاً ومستعاراً، مهما كان نبيلاً وأخلاقياً.. الكيانات والروابط المدنية ليست خطراً إذا ما عملت فى النور، واندمجت فى نسيج الوطن، وشكلت جزءاً من الحراك العام.. وقيادة الشباب لها ليست مغامرة، إذا ما تعلّم هؤلاء الشباب تقييم المخاطر، وفهموا اعتبارات الأمن القومى، وتفهموا ضرورات بناء الدولة..


إن سياسة العفو الرئاسى تنطوى على اعتراف بالخطأ، ونية للإصلاح، ورغبة فى إعادة جسور الحوار.. الرئيس بقراره يمد يده لهؤلاء كى يغادروا معسكر الممانعة والرفض، وينضموا لمعسكر البناء والاصطفاف الوطنى، لذلك سيعد تركهم فريسة للحسرة والكراهية إبطالاً لمفعول هذا القرار، وعودة للوراء باتجاه تعميق الانقسام عشرات الخطوات، بعد أن تنفسنا الصعداء باتخاذ خطوة واحدة للأمام، فى اتجاه لم الشمل، ورأب الصدع، واحترام المجتمع الدولى..


العفو عن المائة شاب مؤشر إيجابى، ننتظر من بعده عفواً عن بقية الشباب الذين لم يثبت قيامهم بأعمال إرهابية، بل كانت كل جريمتهم هى إساءة التعبير عن آرائهم، أو التظاهر ضد قانون مثير للجدل.. ننتظر أيضاً قرارات بتطهير المشهد الجديد من رموز الفساد السياسى، والإفساد الإعلامى، وتقنين السياسات والإجراءات الأمنية، والتحقيق بشفافية ونية صادقة فى قضايا الحريات وحقوق الإنسان، واحترام الشباب، وحسن استغلال طاقتهم، والكف عن محاولة احتوائهم بالشعارات والخطط الزائفة والبرامج المعادة..


مصر لن تتقدم إلا بالشباب.. ولن تهدأ وتستقر إلا بفتح صفحة جديدة معهم، تبدأ من الاعتراف بكل ما ارتكب فى حقهم من أخطاء، وتنتهى بإشراكهم فى السلطة، دون تردد أو فزع.. إذا لم نفعل ذلك اليوم، فمن سيقود مصر غداً؟