أين العدالة الاجتماعية؟!

30/09/2015 - 12:27:11

  العدالة الاجتماعية.. مطلب رئيسى فى كل الثورات المصرية العدالة الاجتماعية.. مطلب رئيسى فى كل الثورات المصرية

كتب - عبدالقادر شهيب

لا أحد يستطيع أن يجادل فى كون الأولوية الأولى لنا الآن هى الحفاظ على كيان الدولة الوطنية المصرية فى مواجهة مؤامرات داخلية وخارجية تستهدف تقويض أركانها.. وإذا كنا نمضى الآن ويد تحمل السلاح لمواجهة إرهاب هو الأكثر وحشية، ويد أخرى تبنى لنعوض ما فاتنا فى سنوات خلت، فإن حماية كيان دولتنا الوطنية لا تكتمل إلا بالمضى قدمًا فى إرساء دعائم العدالة الاجتماعية، فإن هدفنا النهائى هو بناء دولة ديمقراطية قوية عصرية حديثة، وبدون العدالة الاجتماعية لن تظفر دولتنا بالقوة.. كما أن السعى لتحقيق العدالة الاجتماعية هو الذى يضمن لنا تحقيق أكبر تماسك وطنى نحتاجه بقوة فى حربنا الشرسة التى نخوضها ضد الإرهاب، وأيضا فى استمرار عملية البناء الاقتصادى التى بدأناها.


لقد حققنا فى مضمار المواجهة الأمنية والعسكرية للإرهاب نجاحات واضحة ملموسة وذات الشىء يمكن أن نقوله فى عملية إعادة البناء الاقتصادى.. لكن ما أنجزناه فى إطار تحقيق العدالة الاجتماعية مازال محدودًا، ولعل يتركز فى قرار الحد الأقصى والأدنى للدخول، وقرار التوسع فى تقديم معاش الضمان الاجتماعى والإعلانات الاجتماعية للفئات الأقل قدرة، مع قرار التأمين الصحى على أعداد من صغار الفلاحين، وكل هذه الإنجازات لا تكفى لتحقيق عدالة اجتماعية نحتاجها وننشدها، خاصة أن أحدها مازال فى مرحلة القرار، الذى لم يتم تنفيذه بعد مثل قرار التأمين الصحى على الفلاحين، كما أن التوسع فى معاش الضمان الاجتماعى مازال لايوفر مظلة تأمينية لكل الفقراء فى بلادنا، سواء الذين يعيشون تحت خط الفقر أو بالقرب منه وهؤلاء لاتقل نسبتهم عن ٤٠٪ من المواطنين، والأكثر من ذلك أن الحد الأدنى للأجور أو الدخول لا يطبق فى كل منشآت القطاع الخاص، بينما الحد الأقصى فإن ثمة محاولات حثيثة فى القطاع الحكومى لتجنب الالتزام به والضرب به عرض الحائط مثلما يحدث بشكل صارخ فى الشركة المصرية للاتصالات.


إن تحقيق العدالة الاجتماعية يحتاج لحزمة شاملة من السياسات والإجراءات والقرارات الجديدة مع الإبقاء على جوهر السياسة الاقتصادية الراهنة والمعمول بها فى البلاد منذ عدة سنوات وهى سياسة اقتصاد السوق بعد تهذيبها من “رأسمالية متوحشة” إلى “رأسمالية اجتماعية”.. وتتمثل هذه السياسات والإجراءات والقوانين الجديدة المطلوبة فى:


أولًا: إصلاح شامل لهيكل الأجور، للتخلص من الخلل الواسع فيه والذى لا يقتصر فقط على الفارق الواسع بين الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور.. حيث ثمة خلل بين أجور العاملين بالحكومة فى المؤسسات والهيئات والوزارات المختلفة، وهناك خلل بين أجور الموظفين العاملين فى الأجهزة الحكومية بالعاصمة، وتلك الأجور فى الأقاليم، وهناك استئثار بعض الفئات ببدلات يتقاضونها، وهناك كذلك موظفون يحظون بكوادر خاصة من المصالح الحكومية، وفوق ذلك كله فإن رواتب العاملين فى القطاع الخاص بشكل عام ضعيفة، وهناك عاملون فى القطاع الخاص لا يتقاضون أساسا رواتب ويعملون بالبقشيش فقط.


ولقد حاولت الحكومة السابقة بقانون الخدمة المدنية علاج هذا الخلل إلا أن هذا العلاج جاء قاصرا، حيث أبقى على أجور أصحاب الكوادر الخاصة، بل لعله فتح الباب واسعًا على تأسيس نظم خاصة فئوية للحوافز فى بعض الهيئات.. ناهيك بالطبع على أن تطبيق القانون قبل إقرار اللائحة التنفيذية خلق مشاكل عديدة، حيث دفعت أخطاء فى حساب المرتبات فى ظل التطبيق، فضلًا عن أصحاب القانون لم يضعوا باعتبارهم بعض الآثار الجانبية وأهمها زيادة المبالغ التى تخصم من مرتبات العاملين لحساب هيئة التأمينات بعد ضم كل العلاوات الاجتماعية السابقة دفعة واحدة!.


ثانيا: إصلاح هيكلى شامل للضرائب .. وصحيح أن وزارة المالية تقول إنها تقوم بهذا الإصلاح حاليًا، لكنه إصلاح يتناقض مع العدالة الاجتماعية التى ننشدها.. فهى عندما عدلت قانون الضريبة على الدخل لم تراع اعتبارات العدالة والمتمثلة فى ضرورة رفع حد الإعفاء من الضرائب ليتساوى مع الحد الأدنى للأجور أو الدخول، وأن تكون الضريبة تصاعدية حقًا وليس شكلا، حيث يخضع الآن من يصل دخله ٤٠ ألف جنيه سنويًا ذات نسبة الضرائب التى يخضع من يصل دخله إلى خمسة أمثال هذا الرقم سنويًا!.. كما أن وزارة المالية ومعها الحكومة السابقة تراجعت أمام الضغوط عن ضريبة التعاملات الرأسمالية فى البورصة.. كذلك تسعى وزارة المالية لمزيد من الاعتماد على ضريبة الاستهلاك من خلال قانون القيمة المضافة، وهى ضريبة يقع عبئها على كل المستهلكين، سواء القادرون أو غير القادرين منهم .


بينما العدالة الاجتماعية تقتضى منهجا ضرائبيًا مغايرا ومختلفًا يقتضى مع ماسبق ذكره تفعيل قانون الضريبة العقارية وإعادة النظر فى توزيع شرائح الضريبة التصاعدية، مع السعى للوصول إلى تسويات عملية لمتأخرات الضريبة من خلال مصالحات تبرمها وزارة المالية مع الممولين الذين عليهم متأخرات وتحديد فترة زمنية لاتزيد على العام لتحقيق هذه التسويات التى سوف تزيد بالطبع الحصيلة الضريبية .


ثالثا: التوسع فى دعم الفقراء وإلغاء كل دعم للأغنياء.. وهذا يقتضى الاحتفاظ بالدعم العينى لرغيف العيش وسلع البطاقات التموينية وخاصة أنها تمثل البند الأقل بين كل بنود الدعم فى الموازنة العامة، وكذلك الاحتفاظ بدعم النقل العام (أتوبيسات ومترو وقطارات) سواء داخل المدن وبين المدن، مع تعميم توزيع أسطوانات البوتاجاز بالكوبونات لتوفير أسطوانتين شهريا لكل أسرة. ويقترن ذلك بالتوسع بتوصيل الغاز الطبيعى إلى المنازل وعلى الجانب الآخر يجب إلغاء كل دعم للغاز فى الصناعة، ووضع ضوابط على الدعم الممنوح للصادرات التى أساء استخدامها بعض رجال الأعمال المصريين، ويجب أن تضع هذه الضوابط فى اعتبارها العائد الحقيقى لهذا الدعم، أى حجم الزيادة الحقيقية فى الصادرات لمن يحصلون على هذا الدعم .


وفى المقابل يتعين التدرج والتمهل فى إلغاء كل دعم البنزين والسولار والمازوت تجنبًا لعدم زيادة معدل التضخم على نحو ينوء بعبئه أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، مع تخصيص دعم نقدى للأسر الفقيرة، والتى تم حصر أكثر من مليونى أسرة منها حتى الآن، وربط صرف هذا الدعم باستمرار أبناء وبنات هذه الأسر فى التعليم، محاكاة للتجارب الناجحة فى كل من البرازيل والأرجنتين .


رابعًا: خطة للنهوض بالقرى الفقيرة.. ولدينا حصر جاهز بنحو ألف قرية هى الأكثر فقرًا فى مصر والنسبة الغالبة (٩٣٪) من هذه القرى الأشد فقرًا توجد فى محافظات أسيوط والمنيا وسوهاج وقنا.. وهذا الأمر يحتاج وضع خطة بمدى زمنى محدد ولها تمويل محدد لإنقاذ هذه القرى وانتشالها مما تعانيه من فقر شديد من خلال توفير الخدمات الأساسية لها (مياه شرب، وكهرباء، وطرق، ومدارس، ومستشفيات وغيرها) .. وتبدأ هذه الخطة التى يتعين ألا تستغرق أكثر من خمس سنوات بالقرى الأشد فقرا، بحيث تنتشل ٢٠٠ قرية كل عام من هذا الفقر الشديد .. ويمكن توجيه القسط الأكبر من أموال الصناديق الخاصة فى المحليات لتمويل هذه الخطة والتعاون مع رجال الأعمال والمجتمع المدنى.


خامسًا: قانون جديد للاحتكار لكى يطهر السوق المصرى من الاحتكارات التى تسيطر عليه إنتاجًا واستيرادًا وتجارة وفى الاحتكارات، التى ترفع هامش الربح لأكثر من ١٠٠٪ من تكلفة إنتاج السلعة أو استيرادها، ويجب أن يعالج القانون الجديد لمكافحة الاحتكار ثغرات وعيوب القانون الحالى ليتمكن من تصفية الاحتكارات القائمة ويتمكن من إعادة توزيع الدخل القومى بشكل عادل.


سادسا: نظام عادل لتوزيع أراضى الدولة.. فلقد كان توزيع أراضى الدولة يعد أداة لتحقيق الثروات الهائلة لعدد من الأشخاص والفئات، ورغم أننا جميعًا كمواطنين شركاء فى هذه الأراضى.. ومعظم مظاهر الفساد الذى عانينا منه تركزت فى الاستيلاء على أراضى الدولة، ولذلك فإن العدالة الاجتماعية تقتضى وضع قواعد عادلة واضحة وشفافة لتوزيع أراضى الدولة سواء للاستثمار أو الإسكان تكون بديلًا للأهواء والمحسوبية التى سادت عملية تخصيص وتوزيع الأراضى.. وقبل ذلك يتعين استرداد حق الدولة من الذين حصلوا على أراض لم يستخدموها فى ذات الأغراض التى خصصت لهم منها.


سابعًا: هو تنظيم عملية منح التراخيص الحكومية، حيث كانت دومًا عملية منح التراخيص الحكومية أداة لتراكم ثروات هائلة فى أيدى نفر محدود ابتداءً من تراخيص الحديد والأسمنت فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى، وانتهاء بتراخيص المحمول مع بداية القرن الجديد.. والعدالة الاجتماعية تقتضى وجود قواعد شفافة خاضعة للرقابة فى منح الحكومة لمثل هذه التراخيص حتى لا يثرى البعض بدون وجه حق أو بشكل غير مشروع.


ثامنًا: مراجعة وضبط أنشطة الصناديق الخاصة.. حيث كانت هذه الصناديق مصدرًا لحصول عدد من المحظوظين على بطاقات سخية بخلاف ما يحصلون عليه من رواتب ودخول محددة وهذا يتعارض مع قواعد العدالة الاجتماعية، ولذلك يجب ضبط أنشطة هذه الصناديق الخاصة وتقنين إنفاقها لأية أموال من خلال قواعد واضحة وشفافة وأيضًا عادلة حتى لا تظل بابًا خلفيًا للتربح غير المشروع.


تاسعًا: مراجعة الأسلوب الذى تمت به الخصخصة بما لايضر بأية مراكز قانونية قائمة أو بتعاقدات للدولة فقد تمت عملية الخصخصة بلا شفافية وكان يتم تخصيص الشركات والأصوال العامة للأراضى المقامة عليها مما أهدر على الدولة ثروات هائلة كان يمكن توجيهها لمن يستحقون المساندة الاجتماعية.


ولذلك فإن العدل الاجتماعى يقتضى نبذ هذا الأسلوب الذى اتبع فى عملية الخصخصة ونبذ التحايل لإتمام الخصخصة بذات الأسلوب القديم من خلال مشروع للصكوك.


عاشرًا: دعم وتفعيل جمعيات حماية المستهلك حتى تقدر على صيانة حقوق المستهلكين الصغار وأصحاب الدخول المحدودة.. فمن الظلم ترك المستهلك الفقير ومحدود الدخل بلا حماية فى أسواق تسيطر عليها الاحتكارات ويسودها الغش.. بل أن أبسط حقوق المستهلك فى الدول الرأسمالية غير متاحة للمستهلك المصرى مثل إعادة السلع المشتراة، فضلًا عن خدمات ما بعد البيع.


وهكذا للعدالة الاجتماعية سبل عديدة يجب أن نسلكها فى وقت واحد حتى نحققها، ودولة تشكو نقص العدالة الاجتماعية هى دولة ضعيفة يسهل استهدافها.