لماذا تشترى مصر حاملة الطائرات «ميسترال»؟

30/09/2015 - 1:59:48

تحليل إخبارى يكتبه: أحمد أيوب

حتى الأن لم تعلن القوات المسلحة المصرية رسميا عن تعاقدها على صفقة حاملة الطائرات الفرنسية « ميسترال»، كما لم يخرج عن الموقع الرسمى لقصر الإليزيه أى تصريح عن الصفقة، الأخبار كلها تتداولها وكالات الأنباء الفرنسية والروسية اعتمادا على مصادر مجهلة، الأمر قد يحتمل أن الصفقة ليست سوى مجرد توقعات لم تدخل حتى فى مرحلة النوايا الرسمية، أو، وهذا هو الأرجح، أن المفاوضات جارية لكن كعادة القوات المسلحة المصرية لا تتحدث ولا تعلن عن صفقاتها الا بعد انتهائها، وباتفاق مع الطرف الأخر، فرنسا فى هذه الحالة، وما اذا كان الاعلان سيكون ببيان مشترك أو احتفال رسمى ، وهل سيكون على مستوى رئاسى أم وزارى،


المؤكد أن عادة المؤسسة العسكرية التى لم تخالفها من قبل هى الإعلان بشفافية وبكافة التفاصيل عن أى صفقة يتم توقيعها أو الاتفاق عليها، حدث هذا مؤخرا فى صفقتى الرافال والفريم والأف ١٦، بل ووصل الأمر بالشفافية التى تتبعها القوات المسلحة مع الشعب المصرى أنها تعلن حتى عن عملياتها العسكرية بوضوح وبمعلومات كاملة وبصور ومواد فيليمية حتى تضع الحقائق كاملة أمام المصريين مثلما حدث فى عملية ضرب بؤر الارهاب فى ليبيا ويحدث حاليا مع العملية» حق الشهيد» التى تستهدف اوكار الارهاب فى سيناء، وسيحدث هذا فى صفقة «الميسترال» إن تمت


المؤكد أيضا أن القيادة المصرية تعلم تماما ما يحقق مصلحة الأمن القومى المصرى وتعرف لماذا ومتى وكيف تشترى السلاح، ولا تتورط فى صفقات الا اذا تأكدت وأيقنت فائدتها لمصر عسكريا واستراتيجيا.. وعندما تفرض الاحتياجات الاستراتيجية شراء سلاح لا تتأخر القيادة العامة فى شراءه مهما كانت التحديات والمؤامرات وحملات التشكيك، وقد ثبت هذا فى صفقة طائرات الرافال الفرنسية التى ما أن أعلنت مصر عن تعاقدها على شراء عدد منها حتى انطلقت حملات قادتها بعض الدول للانتقاص من قيمة الصفقة وتشويهها بشكل متعمد لكن ولأن القيادة المصرية والقوات المسلحة كانت تعلم أهمية وجود طائرات الرافال ضمن قواتنا الجوية فقد مضت فى الصفقة دون الالتفات لحملات التشويه، ولأن الشعب يثق فى هذه القيادة ومؤسسته العسكرية رحب بالصفقة وباركها، وبعد اتمامها فوجئ الجميع بدول من المنطقة أو غيرها كانت تدعم حملات تشويه طائرات الرافال والتقليل من أهميتها تسعى بكل السبل لتتعاقد هى الأخرى لشراء نفس الطائرات، لتثبت أن القرار المصرى كان فى محله، وأن مصر لا تتخذ قرار بأى صفقة سلاح الا بعد دراسات عميقة ومعقدة، فشراء السلاح فى الجيش المصرى لا يتم عشوائيا ولا تحكمه أى اعتبارات سوى المصلحة العسكرية التى يحققها لقواتنا، فالمبدأ التى تعتنقه قواتنا المسلحة فى التسليح هو « أن القوة القتالية تبنى تبعا للتهديد الحالى والمتوقع أو المنتظر» وبداخل القوات المسلحة المصرية اليات محترفة فى هذه الدراسات وتحليل الأوضاع الدولية والإقليمية والتهديدات المتوقعة ومتطلبات القوات من التسليح الذى يجابه هذه التهديدات ويحفظ الأمن القومى المصرى، وعندما تقر هذه الاليات الاحترافية الراقية احتياج القوات لسلاح معين لا تتردد القيادة فى التحرك من أجل توفيره بالطريقة الأنسب والتى تضمن الحصول على هذا السلاح بأسرع وقت وبالكفاءة المطلوبة وبأقل تكلفة، وبما يضمن فى الوقت نفسه عدم التفريط فى السياسة التى اعتنقتها وطبقتها القوات المسلحة بمهارة منذ حرب أكتوبر وهى تنويع مصادر السلاح حتى لا تعتمد على مصدر واحد فى التسليح لما تدركه من خطورة تأثير السياسة على العلاقات العسكرية، والذى وضح جليا بعد ثورة ٣٠ يونيو من خلال محاولات واشنطن الضغط على القيادة المصرية بشتى السبل من أجل الرضوخ لمطالبها التى تضر بالأمن القومى المصرى، ولو كان اعتماد مصر على السلاح الأمريكى وحده لأصبحت فى موقف ضعف أمام الإملاءات الأمريكية، لكن سياسة تنويع مصادر السلاح جعلت القرار المصرى مستقل والإرادة المصرية قوية.


كل هذا يجعلنا نؤكد على أن صفقة « الميسترال» لن تكون بعيده عن هذه الألية وعملية شرائها لن تخرج عن سياسة القوات المسلحة فى بناء قوتها القتالية وما تتطلبه المرحلة المقبلة، وعندما يتم التعاقد عليها سيكون الإعلان عن الصفقة بشكل واضح من خلال القوات المسلحة نفسها وليس من خلال وكالات انباء أجنبية لم تحدد حتى مصدرها فى المعلومة،


لكن فى كل الأحوال وحسب ما أكده الخبراء الاستراتيجيون فالميسترال من حاملات الطائرات الأهم فى العالم ووجودها ضمن أى قوات مسلحة فى العالم سيكون مفيدا، وبالتأكيد حال انضمامها للقوات المسلحة المصرية، ان رأت القوات المسلحة ذلك، ستكون اضافة مهمة حسب المهام القتالية المنوطة بالجيش المصرى ومسرح العمليات المحتمل ، فكما يقول اللواء اركان حرب طيار هشام الحلبى فالميسترال قوة اضافية لأى جيش لأنها تستطيع حمل ما بين ١٦ الى ٢٠ طائرة هليكوبتر طبقا لحجم الطائرة وتستطيع حمل عدد ليس قليل من الجنود ، كما تستطيع نقل ما يقرب من ٦٠ عربة مدرعة أو ٤٠ دبابة قتال رئيسية وبها مستشفى تسع لنحو ٦٩ سريرا ، ورغم أنها ليست حاملة طائرات مقاتلة لأنها لا تشارك فى القتال المباشر وتحتاج لسفن حربية لحمايتها ، لكنها مزودة بمنظومة دفاع جوى وصواريخ سطج جو وقاذفات ورادار طومسون ثلاثى الابعاد ورادار ملاحى،


يضيف اللواء الحلبى أن حمولة «ميسترال» تصل الى ٢١ الف طن وسرعتها تصل الى ١٨ عقدة وتستطيع الابحار الى ٢٠ الف ميل والعمل لمدة شهر كامل دون الحاجة لأى إمداد ويصل عدد أفراد طاقمها الى ١٦٠ فرد اضافة الى نحو ٤٥٠ شخص، وبها ثلاث مراكب ابرار وتستخدم كسفينة قيادة للعمليات العسكرية المشتركة


الحلبى يؤكد أن تقدير الاحتياج لهذه الحاملة تحدده القوات المسلحة وليست المواقع ولا الخبراء، وليس كونها اضافة مهمة أن تشتريها مصر وهى ليست فى حاجة اليها ، فالقوات المسلحة تعرف جيدا كيف تدير منظومة التسليح بما يضمن ادائها لمهامها بكفاءة عالية ودون أى اهدار، ولهذا لا يجب أن نتعامل مع أخبار أو معلومات عن مثل هذه الصفقات الا من خلال المصادر الرسمية للقوات المسلحة والقيادة المصرية،


الأمر الأخر الذى يلفت اليه اللواء الحلبى أن التعاون العسكرى له أوجه كثيرة مثل تبادل الزيارات والتدريبات المشتركة وشراء السلاح، وليس معنى أن مسئول عسكرى زار دولة أن هناك صفقات سلاح ، فقد تكون الزيارة لها أهداف أخرى تدريبية أو لتبادل الخبرات، فمصر معروفة فى العالم كله أنها دولة تمتلك خبرات عسكرية كبيرة وخاصة خبرة القتال ولهذا فكثير من الدول تسعى للتعاون معها وكل معارض السلاح فى العالم تدعو مصر لحضورها، وشركات السلاح دائما تسعى لدعوة مصر لحضور معارضها للاستفادة من خبرتها ، لكن ليس معنى هذه الزيارات انها لشراء سلاح، فهذا الأمر لا يتم بالسهولة التى يتخيلها البعض وانما لها أصول ومراحل متعددة، وليس معنى هذا ان الميسترال ليست مفيدة، ولكن المقصود أن القوات المسلحة هى التى تحدد ذلك.. المعلومات حسب موقع جلوبال فاير باوزر والذى يهتم بقياس القوة العسكرية للجيوش فى العالم ورغم عدم الحيادية الواضحة فى كثير من تقارير هذا الموقع وخاصة فيما يتعلق بالجيش المصرى لكن يمكن الاعتماد عليه فى اعداد القطع التى تمتلكها الجيوش ومنها حاملات الطائرات بأنواعها سواء المقاتلة أو غير المقاتلة، وتكشف بيانات الموقع أن ١٢ دولة فقط فى العالم هى التى لديها حاملات طائرات فى مقدمتها امريكا التى لديها ٢٠ حاملة طائرات، وبالطبع يعلم الجميع لماذا تحتفظ امريكا بهذا العدد الضخم وهو ان جيشها لديه مهام فى مناطق عديدة من العالم، ومن الطبيعى ان يكون لديهم هذا العدد من الحاملات التى لا تمثل شيئا من ميزانية جيش تقدرها المواقع المتخصصة بأنها تساوى انفاق ثمانية دول كبرى عسكريا وهى الصين وروسيا وفرنسا وانجلترا وامانيا واليابان والهند والسعودية


فرنسا تأتى فى المرتبة الثانية من حيث الدول التى تمتلك حاملات طائرات ولديها اربع حاملات، ثم اليابان وايطاليا والهند ولدى كل دولة منهم حاملتى طائرات، ورغم أن الصين من أكثر دول العالم انفاقا عسكريا لكنها تنضم لست دول أخرى تمتلك حاملة طائرات واحدة هى انجلترا والبرازيل واستراليا وهولندا واسبانيا وتايلاند


لكن هل معنى هذا وكونه لا توجد حاملات للطائرات الا فى ١٢ دولة فقط أن تمتنع مصر عن شراء حاملة طائرات؟!


بالتأكيد ليس هذا منطقى فالحاجة للسلاح لا تحددها عدد الدول التى تمتلكه وانما ظروف الدولة نفسها، والقاعدة العسكرية أن الدول الساحلية لابد أن تكون لها قدرات عسكرية قوية فى البحر حتى تستطيع أن تحافظ على مصالحها وفرض سيادتها على مياهها الإقليمية والإقتصادية


العالم كله يعرف الآن مفهوم « sea pawer» أو الدولة التى تمتلك قوة بحرية ومصر من الدول الساحلية فحدودها البحرية تمتد لأكثر من ألفى ميل بحرى ولديها مساحات كبيرة من المياة الإقليمية التى تتطلب متابعة دقيقة وسريعة لكل ما يمكنها من مواصلة حماية هذه لحدود والمصالح، ووجود حاملة للطائرات يحقق هذا الهدف ويزيد القوة والتأثير البحرى لمصر، بغض النظر عما اذا كانت هناك دول أخرى تمتلكها أم لا، فكما يقول اللواء محمد الشهاوى المستشار بكلية القادة والأركان عندما قررت القوات المسلحة أن تكون لدينا قوات انتشار سريع لم تكن هذه القوات موجودة سوى فى دولتين فقط هما امريكا وروسيا ولكن القيادة العامة للقوات المسلحة وجدت أن التهديدات وظروف الإرهاب الذى يستهدف مصر يتطلب أن تكون لدينا قوات انتشار سريع فتمت دراسة الأمر واتخاذ القرار وتكوين القوة التى أصبحت قوة رئيسية ومؤثرة فى القوات المسلحة وتشارك فى محاربة الارهاب ولها دور واضح فى عملية « حق الشهيد»


هذا المنطق هو نفسه الذى يحكم التعامل مع صفقة «الميسترال» فعندما تقدر القيادة العامة أن التهديدات المحتملة ومصالحنا التى تتسع برا وبحرا تستدعى وجود هذه الحاملة فلا يمكن التردد فى شرائها، وعندما نتحدث عن حماية الأمن القومى والمجال الاستراتيجى لمصر فلا يجب أن يكون المنطق هو التكلفة، وانما المنطق ما هو الذى يضمن حماية امننا القومى، ومصر أكبر دولة وصاحبة أكبر جيش فى المنطقة ومن المهم أن تحافظ دائما على تعزيز دورها الاستراتيجى فى المنطقة بتدعيم قواتنا بكل ما يحقق هذا الهدف، يقول اللواء الشهاوى ، أن هذه الحاملة جزء من تعزيز التواجد والتأثير لمصر استراتيجيا فى الإقليم،


أيضا مصر تحارب الإرهاب الذى تغير شكله عما كان من قبل، فيمكن أن تواجه الإرهاب من البحر أو من أطراف دول مجاورة وكما نرى تحركات تنظيم ما يسمى داعش فى ليبيا ومناطق أخرى وتأمين مصر ضد هذا النوع من الارهاب يحتاج قدرة على التحرك ونقل الاليات للتعامل معها، مثلما يتطلب الوضع فى باب المندب وجود حاملة الطائرات،


اللواء نصر سالم رئيس جهاز الاستطلاع الاسبق بالقوات المسلحة يرى حاملة الطائرات الميسترال اضافة لقدرات مصر العسكرية ان انضمت اليها، يقول انه قبل ذلك لم نكن فى احتياج لها، لأن مسرح العمليات كان معروفا ولا يستدعى وجودها، لكن الظروف والتحديات الحالية تفرض علينا الآن التفكير فى وجودها، صحيح اننا لم نسعى اليها لكن عندما تصبح متاحة وتخدمنا الظروف وتكون لنا ميزة فى الحصول عليها يصبح من الضرورى أن نتحرك جديا لذلك، لأنها ستكون فارقة فى تعزيز قدراتنا العسكرية ومنحنا ثقل أكبر استراتيجيا فى المنطقة، وبالتأكيد مصر عندما تكون عندها حاملة طائرات وبخبرتها العسكرية الطويلة ستحسن استخدامها، فهى أقرب الى قاعدة عسكرية متحركة يمكن استخدامها فى أى وقت وأى مكان لمجابهة أى خطر يهدد الأمن القومى، فوجودها سيكون بديل لفكرة الجسر الجوى الذى تضطر له فى حالة التعامل مع أهداف بعيدة، ومصر الأن لديها مناطق داخل البحر مثل حقول الغاز ومناطق أخرى تمثل تهديدا للأمن القومى تحتاج أن تتواجد بقوة لتأمينها، وحاملة الطائرات تحقق لقواتنا التواجد القوى والمؤثر فى تلك المناطق، كما ستفيد بشكل كبير فى حربنا ضد الإرهاب وتحديدا الارهاب الذى يطل علينا من الحدود أو البحر


سالم يضيف أنه عندما تكون هذه الحاملة مطلوبة من روسيا فمعنى هذا أن قدراتها عالية وبالتالى انضمامها للقوات المسلحة، ان حدث، ميزة لا يمكن انكارها، ولا يمكن أن يتحدث البعض عن التكلفة لأن كل دول العالم لا تدخر جهدا فى تحقيق ما يلبى مطالب تأمين حدودها ومجالها الاستراتيجى، وليعلم الجميع أن درأ المفاسد مقدم على جلب المنافع وحماية الأمن القومى مقدمة على أى شيئ أخر لأنه بدون تحقيق الامن القومى لن نجد دولة أصلا،


لا يكتفى سالم بهذا بل يشدد على أنه عندما تقرر القوات المسلحة شراء أى قطعة أو معدة فهذا لا يكون من قبيل التباهى أو الرفاهية وانما يكون لوجود تهديد حقيقى، ومن لا يرى التهديدات التى يتعرض لها الأمن القومى فهو مخطئ، ويحتاج إعادة نظر فى رؤيته، ولذلك فالأفضل كما يقول اللواء نصر أن يثق الجميع فى قدرة قيادتهم وقواتهم المسلحة على اختيار السلاح الذى يحقق الأمن القومى لمصر.