تنظيم بيت المقدس «داعش ولاية سيناء»: الفرق بين داعش العراق وداعش سيناء كالفرق بين مصر والعراق

30/09/2015 - 11:29:53

  المجتمع الطائفى ساعد على انتشار داعش فى العراق وسوريا المجتمع الطائفى ساعد على انتشار داعش فى العراق وسوريا

د. ناجح إبراهيم

قفز تنظيم أنصار بيت المقدس من مركب القاعدة المتهالك إلى سفينة داعش التى أبحرت بقوة وسرعة فى عالم الإرهاب .. وخاصة بعد أن أصبحت داعش هى العلامة التجارية الرائجة والأشهر فى عالم الإرهاب .. وحرصت كل المجموعات التكفيرية والمسلحة فى كل أنحاء العالم على الانضواء تحت لوائها .. مثل أنصار بيت المقدس فى مصر .. والمجموعات الجهادية الصومالية .. وتنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين .. وبوكوحرام فى نيجيريا .


تنظيم داعش تنظيم عولمى international يوجد فى العراق كما يوجد فى سوريا .. وهو موجود أيضاً فى مصر»ولاية سيناء» وله فروع أخرى عديدة تأخذ توكيلها من التنظيم الأصلى فى العراق ..كـ«فروع ماكدونالدز».. ولكن هناك فرقا بين أفرع التنظيم .. فالفرع الأساسى فى العراق يختلف جذرياً عن فرعه فى مصر»داعش ولاية سيناء «.. ويختلف عن فرعه الذى انضم إليه جزئياً فى باكستان وأفغانستان «طالبان الفرع الداعشى « .


ولعلنا فى هذه الجزء سنعنى فى المقام الأول بالفرق بين تنظيم داعش الأصلى والأساسى فى العراق وفرعه فى مصر، الذى يسمى نفسه»داعش ولاية سيناء» ولماذا نجحت الأولى نسبيا فى العراق وفشلت الثانية فشلاً ذريعاً فى مصر .


ولماذا استطاعت الأولى أن تحتل مساحات واسعة من الأراضى فى العراق وتسيطر عليها، وتقيم عليها منظومة أشبه بمنظومة الدولة «عملة ذهبية – شرطة - حكم محلي».. فى حين أن فرعها فى سيناء فشل فى أن يحتل أى منطقة أو يقيم حتى شبه دولة حتى فى شبر واحد من سيناء.. واستخدم فقط نظرية الضربات المفاجئة السريعة وأسلوب الكر والفر .


وكيف استطاع فرع العراق السيطرة على مساحات تقارب مساحة سيناء كلها فى حين لم تستطع «داعش مصر» أن تسيطر حتى على منطقة الشيخ زويد .


كما سندرس فى هذا الجزء السر فى انضمام عشرات الآلاف من ضباط وجنود الجيش العراقى القديم والجديد إلى تنظيم داعش العراق .. فى حين لم ينضم أحد من الجيش المصرى إلى داعش العراق أو كسب السكان السنة هناك .. بينما فشلت داعش سيناء حتى فى كسب القبائل السيناوية التى تعد هى من أبنائها .


والخلاصة أن هناك فروقاً جوهرية بين داعش العراق وداعش سيناء.. هى التى جعلت الأولى تحقق انتصارات إستراتيجية على الدولة العراقية، فى حين لم تحقق داعش سيناء أية انتصارات إستراتيجية أو تكتيكية، ونجحت فقط فى إلحاق خسائر بشرية ومادية فى عمليات كرها وفرها وتطبيقها لتكتيك حروب العصابات .


والآن نأتى إلى تفاصيل هذه الفروق الجوهرية بين التنظيمين :


خرج تنظيم داعش العراق من رحم تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين والذى أسسه أبو مصعب الزرقاوى .. والذى دخل بتنظيمه تحت لواء ما يسمى مجلس شورى المجاهدين، والذى كان يتكون معظمه من ضباط وأفراد سابقين فى الجيش العراقى ومعظمهم من السنة .


وكانت هناك مشروعية وطنية ودينية وأخلاقية تحمى أعمال مجلس شورى المجاهدين وهى مقاومة المحتل الأمريكى .. ووجد الزرقاوى الوسط السنى كله خاضعاً لهذا التنظيم .. وهناك قرابة ١٢ تنظيماً مسلحاً سنياً كانوا يعملون تحت لواء مجلس شورى المجاهدين .


وفى معركة الفالوجة أبلت مجموعات الزرقاوى الشابة بلاءً حسناً فى الحرب مع اندفاعة قوية فى المعركة أعجبت باقى التنظيمات شجاعة هؤلاء الشبان الذين قدموا أساساً من الأردن وسوريا ليقاتلوا إلى جوار العراقيين، فقدمت هذه التنظيمات العراقية الزرقاوى الأردنى الأصل عليها .. ولكن الأخير كان متطرفاً ولم يكن حكيماً فعين فى المناطق نواباً وولاة من الشباب المتطرف الذى أساء التصرف وخالف كل الأعراف التى نشأت عليها هذه المناطق العراقية وقبائلها من قديم الزمان .. مما جعل السنة فى مناطق عراقية كثيرة ينفضون أيديهم من الزرقاوى وجماعته .


كما أن حل الجيش العراقى كان المأساة الكبرى فى التاريخ العراقي، وكان السوأة الكبرى التى قامت بها أمريكا عامدة متعمدة فى العراق بغية تقسيم العراق وهدمه تماماً خدمة للمصالح الإسرائيلية .. ونتج عن ذلك أن معظم كوادر هذا الجيش قد انضمت بعد ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر إلى الزرقاوى فى البداية ثم إلى داعش بعد ذلك .. حتى أن هناك ألوية بكاملها من الجيش العراقى الذى تم حله دخل بكامله وأسلحته وقيادته وهيكله بل واسمه إلى تنظيم داعش مثل لواء المدينة المنورة فى الجيش العراقي، والذى دخل بكامله وبأسلحته وضباطه وجنوده وعتاده واسمه إلى تنظيم داعش.


كما أن الضرر الذى أصاب قادة وضباط الجيش العراقى من تسريحهم جعلهم ينقمون على أمريكا وإيران والمالكى وكل قيادات الدولة العراقية التى همشتهم وأقصتهم .


وقد حكى لى اللواء د.مجاهد الزيات أنه قابل أحد لواءات الجيش العراقى الذى تم حله وتسريحه والذى انضم لهذه المجموعات .. ولما سأله عن سر ذلك قال له : كنت لواء بالجيش العراقى .. وكانت لدى سيارتان .. وفيلا جميلة .. ومرتب جيد .. ومنصب متميز .. فإذا بى أجد نفسى فى الشارع دون سكن ولا مرتب ولا سيارة ولا عمل .. فماذا تنتظر منى تجاه هؤلاء جميعاً .. لقد انضممت إلى من يقاومهم .


ولعل ذلك يفسر بوضوح التماسك الهيكلى فى تنظيم داعش العراقى .. وجودة التراتيب الإدارية .. وحسن القيادة فيه .. وذلك لأن معظم قيادات التنظيم فى الأساس عسكرية مدربة جيداً، وتستطيع أن تدير باحترافية واحترام للأقدمية طبقاً لمنظومة عسكرية وإدارية دقيقة .. ويفسر أيضاً أن تنظيم داعش العراق يتمتع الكثير من قادته بفكر رجل الدولة الواسع وليس فكر الجماعة وعقلها الضيق .. أو فكر المتدين البسيط الذى يدور حول الوعظ والعبادات فقط .


وذلك يختلف جذرياً عن «داعش ولاية سيناء» التى يندر فيها العنصر العسكرى والقيادى أو حتى العنصر المتعلم تعليماً راقياً .. ويكثر فيها العنصر البدوى قليل العلم كثير الجفاء قليل الخبرة الذى يحسن فقط الكر والفر وإجادة طبوغرافيا المنطقة .. أو يجيد بعض العمليات الفردية أو التفجيرية .. ولكنه لا يستطيع بناء دولة .. وهذا يفسر أن داعش العراق هى الجماعة الوحيدة التى أعلنت دولة دون باقى الجماعات فى العالم كله .


فليس هناك فى ولاية سيناء أى عسكريين كبار .. فالجيش المصرى يختلف تماماً عن الجيش العراقى سواءً فى عهد صدام أو الآن .. فكل قادة جيش صدام هم الآن فى داعش .. وليس هناك احتلال لمصر حتى تكون هناك مشروعية لعمليات التنظيم أو تعاطف معها .


كما أن جيش مصر ليس جيشاً طائفياً مذهبياً مثل الجيش العراقى الحالى الذى يعد جيشاً شيعياً فليست فيه قيادات وضباط أو عناصر سنية فاعلة .. وليس فيه قيادات كردية كذلك .. فالجيش العراقى الآن هو جيش طائفى بامتياز .. فهو لطائفة دون الآخرين .


وليست هناك ميلشيات مذهبية طائفية فى مصر مثل الحشد الشعبى الذى يقتل بالاسم والمذهب ويحرق القرى .. وهذه الميلشيات فى العراق شبه رسمية وهى تدين بالولاء أصلاً لإيران وليس للوطن العراقى أصلاً .


وهذه الميلشيات الشيعية بمذابحها للسنة كانت سبباً فى تعاطف جميع الوسط السنى مع داعش سواءً كان فى الجيش أو الشرطة أو من الأثرياء أو زعماء القبائل .. وهذه الاستقطابات المذهبية ليست موجودة فى مصر .. ولا يوجد فى مصر سوى بعض الصراعات السياسية على السلطة .. وهناك دولة لا تسمح بتكوين أى مجموعات مسلحة مهما كان الأمر وحتى لو كانت موالية للنظام .


ولذلك تجد أن داعش العراق نشأت فى وسط طائفى بامتياز، واستغلت هذه الطائفية بامتياز، ولعبت عليها بامتياز .. وهى التى أعطتها قبلة الميلاد والحياة والاستمرار .


كما أن جودة الإدارة والقيادة وحسن التراتيب الإدارية للمناطق التى استولى عليها التنظيم، يعود إلى أن معظم قيادات التنظيم فى العراق هى قيادات عسكرية ومخابراتية سابقة وهم فى الأصل رجال دولة


فقد أحصى اللواء الدكتور مجاهد الزيات ٢٢ قيادة كبرى ضمن ٣٠ قيادة فى داعش من الضباط الكبار السابقين فى الجيش والمخابرات والحرس الجمهورى أيام صدام .


وهذا يفسر أيضاً قدرة التنظيم فى العراق على إدارة عمليات عسكرية كبرى أشبه بعمليات الجيوش المنظمة، فى حين أن «داعش ولاية سيناء» تشبه إلى حد كبير مجموعات الإرهاب العشوائية التى تستخدم تكتيك «اضرب واهرب» والتى لا تهتم بتحقيق أى هدف استراتيجى معلن .. وتستخدم نظرية «القتل للقتل « .


لقد أدت طائفية المالكى واضطهاده للسنة اضطهاداً كبيراً إلى قبول كل مناطق السنة لتنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين أولاً ثم داعش العراق ثانياً .. حيث شعروا جميعاً أن «نار داعش أهون عليهم من جنة المالكى وميلشياته وميلشيات الحشد الشعبي» ..


ويا ليت المالكى كان طائفياً فحسب ولكنه كان فاسداً أيضاً .. فقد سرق مع رجاله وحاشيته معظم اقتصاد العراق .. والجميع يذكر كيف قبض على ابنه فى لبنان ومعه أكثر من مليارى دولار .. وذهب المالكى بنفسه لتخليصه من هذه الورطة بعد وساطة من حزب الله اللبنانى .. لقد قارن العراقيون كيف كانت رواتبهم ومعيشتهم جيدة جداً فى عهد صدام مع ضياع كل شيء فى حكم المالكى .


فلم يجدوا مع المالكى وسيطرة إيران وأمريكا على العراق «جنة الديمقراطية « التى وعدوا بها .. ولكنهم وجدوا احتلالاً بغيضاً يتحكم فى مقدرات بلدهم ومقدراتهم وطائفية نتنه تسوق خصومها إلى القتل بالاسم والمذهب وتحرق ديارهم وقلوبهم .. ولا همّ لها سوى تمكين إيران من كل ثروات العراق وحرمان عامة أهلها منها فى «قسمة ضيزي» .


لقد كانت بداية القاعدة وداعش فى العراق فى ظل «لا دولة» و»لا جيش» ثم «جيش طائفي» .. و»لا حكومة « ثم «حكومة طائفية».. ولا شرطة ولا أمن ولا أمان ولا اقتصاد واغتيال لكل علماء وجهاء السنة .


أما داعش مصر فقد نشأت فى ظل دولة متماسكة حتى فى أيام الفراغ الأمنى الذى أعقب ثورة ٢٥ يناير .. كانت هناك دولة وتعليم وصحة ومدارس ومرتبات للموظفين وجيش وشرطة وأجهزة سيادية .. مع غياب تام للعرقية والطائفية .


كما أن الجيش المصرى لم يحدث له «حل أو انهيار أو انقسام»؛ حتى بعد الثورة وحتى فى ظل الأيام العصيبة التى أعقبتها .. كما أن عنصر الطائفية الذى أعطى قبلة الميلاد والحياة لداعش العراق ليس موجوداً .. كما أن داعش مصر لم تستطع كسب القبائل السيناوية التى تنحدر منها لأنها قامت بأفعال شائنة ضد هذه القبائل مما جعلها تتوحد ضدها .


ورغم الإجراءات الحازمة التى اتخذها الجيش لهدم الأنفاق وإخلاء المنطقة الحدودية بين رفح المصرية والغزاوية .. فإن قبائل سيناء تحملت هذا الضر، ورأت أن تكون مع الدولة .. لأنها على الأقل أكثر عقلاً وحكمة وعهداً من دواعش سيناء وأن القبائل لا خيار لها سوى ذلك .


إن الفرق بين داعش العراق وسيناء فرق هائل وشاسع، وهو يشبه الفرق بين العراق المحتلة الممزقة اللادولة الطائفية وبين مصر الدولة المستقرة الموحدة الجيش والشرطة، والتى لا تعانى من طائفية أو مذهبية حتى وإن كانت تعانى من صراعات سياسية .


إن الذى يتصور أن أبا بكر البغدادى هو الذى يقود داعش واهم لا يعرف شيئاً من الحقيقة .. فالبغدادى مجرد واجهة دينية لتجميع الأتباع والأعوان وهو كالخليفة أيام نهاية العباسيين .. كان لا يملك من أمر البلاد شيئاً أكثر من السكة والخطبة .. فالذى يقود داعش العراق هم ضباط كبار فى الجيش والاستخبارات العراقية السابقة .