من نحن .. وماذا نريد؟

30/09/2015 - 11:17:38

  عبدالناصر.. وسط شعبه الذى أحبه عبدالناصر.. وسط شعبه الذى أحبه

بقلم البكباشى (أ.ح) جمال عبد الناصر نائب رئيس مجلس الوزراء

من نحن ؟!


هذا شىء لا يكاد يجهله من الناس أحد.. فنحن قطعة من صميم هذا الشعب.. تحمل صدورنا كل آلامه، وكل أمانيه ، وتعيش فينا كل صفاته الطيبة.


ولم تكن ثكنات الجيش التى قضينا فيها حقباً من عمرنا لتحجب سورة هذا الشعب الأبى عن أعيننا ، أو تبعدها عن أحاسيسنا.. فلقد كنا ونرى هذه الصورة فى كل لحـظة، فى وجه أولئك الجنود الشجعان الذين امتلأت الثكنات بهم.. كنا نرى فى وجه هؤلاء الجنود صورة الشعب كاملة: ببأسه ، وبؤسه، وصبره، وقدرته المذهلة على احتمال الشدائد، والمكاره، والآلام، وحينما كنا نغادر ثكناتنا إلى بيوتنا، لنستريح لحظة من آلام حملناها، لم تكن صورة الشعب لتغيب عن أعيننا.. كنا نراها فى وجوهنا حين نقف أمام المرآة لحظة.. وكنا نراها فى وجوه آبائنا وأمهاتنا، واخوتنا، وأخواتنا.. وكنا نسمع الشكوى من الضيم، ومن الهوان ، اللذين أنزلهما الطغاة بالشعب الذى نحن قطعة منه تصك آذاننا، وتحملنا أمام أنفسنا مسئولية الإقدام على عمل عظيم ينقذ الشعب.


ولم تكن “البدلة الكاكى” التى نرتديها بقادرة على أن تحول بيننا وبين ذلك العمل العظيم، فليست هى ألا مجرد رداء اختارته الظروف لنا، كما اختارت للعامل بدلتها الزرقاء، وكما اختارت للفلاح “جلابيته” الزرقاء أيضاً! وربما تفرق هذه الأزياء المختلفة بيننا ، ولكنها تفرقة لا تعدو المظهر، ذلك الرداء الذى يغطى أجسامنا.. أما نفوسنا أما مشاعرنا، أما أرواحنا ، أما آلامنا وآمالنا ، فكلها واحدة.. كلها معنا نبتت حين نبتنا جميعا من هذه الأرض الطيبة، وكلها معنا ترعرعت حين ترعرعنا جميعا فوقها، وكلها معنا توحدت ، حين وحدت بيننا مياه النيل الخالد التى ندين بالحياة لها!


ولقد كنا - نحن رجال الجيش - نعيش فى بحبوحة من العيش.. كان الطغاة يحاولون أن يشتروا سكوتنا بالترقيات يغدقونها علينا، وبالأموال يبذلونها لنا.. ولقد كان من الممكن لأولئك الطغاة أن ينجحوا فيما أرادوا ، لو لم نكن قطعة من صميم هذا الشعب أذهلتنا آلامه عن ترقياتنا، وأنسانا ذله ما ونحن فيه من سعة العيش ورخاء الحياة!


ولكن الطغاة لم ينجحوا رغم كل ما بذلوه لنا، وكل ما أغدقوه علينا .. فلقد كان صراخ الشعب يدوى فى أعماقنا بما لا يجعل للطغاة سبيلا للتأثير علينا.. وبقينا سنين طويلة ونحن نحمل هموم الشعب.. ونجتر آلامه أقصد آلام أنفسنا، وآبائنا ، وأمهاتنا، وذوينا.. حتى إذا كان اليوم الثالث والعشرون من يوليه الماضى، خرجنا لنغامر بكل ما نحن فيه من بحبوحة العيش، ولنغامر أيضاً بالحياة نفسها، ولقد كانت دائما - أعنى الحياة - أتفه من أن تعوق تقدمنا ، أو تغلق على ثورتنا منافذ الانطلاق .


وكان الله معنا، فنجحنا ، وبقيت لنا الحياة!


لقد عرفت الآن - وما أظنك كنت تجهل - من نحن .. وبقى أن تعرف : ماذا نريد ..؟


وما نريده موجود فى بواعث ثورتنا .. وبواعث ثورتنا لا يمكن أن تكون قد نسيت!


إنها ذلك الضيم الذى كان الشعب يشرب كأسه حتى الثمالة صباحاً مساء على أيدى فئة من أعدائه والدخلاء عليه!


وإنها ذلك الفقر الأسود الذى اجتاح أغلبية الشعب بغلظة لا ترحم ، لحساب فئة من المترفين لم يتقنوا فى الحياة شيئاً كما أتقنوا امتصاص الدماء!


وإنها ذلك الخوف الممقوت الذى سيطر على الناس إلى الحد الذى جعلهم يكادون يخشون التحدث، حتى إلى أنفسهم، لكى لا تلمحهم من عيون الطغاة عين ، أو تسمعهم من آذانهم أذن!


وأنها ذلك الضعف أو الاستضعاف الذى طوى الشعب طيا، وجعله لا يكاد يصدق تاريخه القديم، ولا يكاد يثق بحاضره، ولا يكاد أن يكون فى مستقبله أمل معروف!


من أجل هذا كله كانت ثورتنا، وبات مفهوما أننا لم نرد بها إلا القضاء على كل هذا ! ولقد بدأنا فألقينا بالملك الغشوم إلى عرض البحر .. إذ كان ملكا يمثل فى نظر الشعب كل المعانى التى يمقتها، وكل الأخطار التى يخشاها، وكل المفاسد التى يحاول أن ينجو بنفسه منها !


ولقد كان هناك من يحبذ الخلاص من حياة ذلك الملك.. ولكن ثورتنا التى كانت ، ولا تزال ، وستظل بيضاء طيبة، أبت على نفسها هذا .. أبت أن تريق قطرة واحدة من الدماء حتى ولو كانت دماء ملك غادر يبيحها الثأر لكرامة الوطن!


وكان هذا العمل الأول هو حجر الزاوية فى كل ما نريد .. فنحن نريد أن نكون شعبا محررا من الخوف .. شعبا يسود نفسه بنفسه.


ونريد أن نكون شعبا محررا من الفقر والعوز، لا يذل الإقطاعيون كرامته ، ولا يتحكم السفهاء فى عنقه ، ولا يكيفون مصيره حسب ما تشاء لهم الأطماع الحقيرة، والهوى البغيض !


ونحن نريد أن نكون شعبا حرا قويا يملك فى يده زمام أمره، فلا يعبث بهذا الزمام محتل، ولا يشارك فى إدارته دخيل!..


ولم يكن هذا كله، ولا شىء منه، يمكن أن يتحقق، وهذا الملك، رأس الحربة - حربة الفساد أعنى - باق فى مكانه .. ومن هنا بدأنا به، ولسوف نثنى بالاستعمار .. أما ما يقع فى الطريق، بين ذلك الملك والمستعمرين أسناده، فليس إلا صفحات صغيرة فى كتاب الفساد الأسود وقد مزقنا - بحمد الله - الغلاف الأول لذلك الكتاب - أعنى الملك - ولسوف نمزق الغلاف الثانى عما قريب، وبعد ذلك لا تستطيع أوراق الفساد - بعد نزع الغلافين والدبابيس التى تربطهما ببعضهما - إلا أن تتهاوى واحدة فى إثر الأخرى !


نحن نريد هذا باخلاص، وبعزم، ويقين.. ولانشك لحظة فى أننا واصلون إلى ما نريد.. فلقد قالوا قديما: “على قدر أهل العزم تأتى العزائم” وأن لنا فى عزيمتنا - نحن الشعب - ما يجعلنا نثق فى أننا، أو فى القليل، أولادنا سيمتعون بحياة حرة كريمة، قوامها اعتزاز الفرد بنفسه، واعتزازه بعيشه، واعتزازه بالوطن الذى ينتسب إليه.


ولكن .. أليس دون ذلك صعاب؟!


نعم.. وألف نعم.. هناك مئات من الصعاب يغرسها فى طريقنا أولئك الذين يكرهون لنا أن نمتع بشىء من هذا الذى نريده!


وهناك مئات من الصعاب يغرسها فى طريقنا أولئك الذين كرهون لنا أن نمتع بشىء من هذا الذى نريده!


وهناك مئات من الصعاب يغرسها فى طريقنا أولئك المستعمرون الذين يخشون لحظة ننقض فيها عليهم، ونصفى حسابنا معهم!


وهناك مئات من الصعاب يغرسها فى طريقنا أولئك المستعمرون الذين يخشون لحظة ننقض فيها عليهم، ونصفى حسابنا معهم!


وهناك مئات من السعاب يغرسها فى طريقنا أولئك الذين اعتادوا من العيش رخاءه، ولم يعرفوا من التضحية حتى ولاقشورها، ولم يعد يهمهم إلا أن تفرش لهم الأرض ببساط وردى، وتمتلئ بطونهم حتى تختنق منهم الأنفاس!


ولكنا - وما ماضينا بعيد - غالبنا، قبل هذه المصاعب، مصاعب أخرى خطيرة فغلبناها، وصارعنا قوى الظلم فصرعناها، مما يجعلنا نثق دون أن يكون فى ذلك جنوح إلى الغرور أو ميل مع الزهو - أننا سنقهر ماجد وكل ما يجد من مصاعب، وأننا سنمضى فى طريقنا قدما إلى تحقيق ما نريد، وأننا سنحققه عن آخره بعون الله الذى كان معنا فى ماضينا، والذى نثق بأنه لايزال معنا، وبأنه سيظل معنا، لأننا نحن لن نتخلى عنه، ولن نتخلى عن قيم رسمها لنا، وكنا بها من أشد المؤمنين.


نشر فى المصور فى عام ١٩٥٥