د. صلاح فضل: لا توجد سلطة ترحب بالثقافة!

30/09/2015 - 10:20:51

  عدسة: آيات حافظ عدسة: آيات حافظ

حوار: شيرين صبحى

كان بيننا موعد مسبق للحوار. اتصلت لتأكيد الموعد، لكنه فاجأنى بسؤاله: هل أنت محجبة؟ أؤكد بنسبة ٩٠٪ أنك محجبة؟ قلت: نعم! علق قائلا: أتعكر جدا من رؤية الحجاب! ضحكت متسائلة لماذا؟ أجاب: عندما تأتى سأجيبك بالتفصيل.


فى السادسة حيث الموعد المحدد استقبلنا د. صلاح فضل ، أستاذ النقد الأدبى ، فى فيلاته بالمعادى، عندما دخلنا مكتبه، أشار إلى مكتبته الضخمة قائلا: هذه عائلتي..!


سارعت بسؤاله قبل أن ندخل فى الحوار: أخبرنى إذن لماذا تتعكر من الحجاب؟


قال: ظاهرة الحجاب مرتبطة بالتطور الاجتماعى والسياسى والثقافى فى مصر والوطن العربى فى العقود الأخيرة، لأن مصر قادت الوطن إلى عصر النهضة فى القرن العشرين، واحتضنت حركات التحرير وبزوغ فجر الثقافة العربية الحديثة وانطلاق الفنون الجديدة، ارتبط ذلك بثورة ١٩١٩ وحركة هدى شعراوى من قبلها وحركة السفور وخروج مصر من النطاق العثماني، فيما يتصل بملابس الرجال والنساء فتغيرت ملابسهم فى مطلع القرن، فارتدت المرأة اللبس المدنى البسيط الذى يساير حركة التطور، وكشفت وجهها وشعرها دون أن يكون لذلك أى مساس بمستوى أخلاقها أو درجة تدينها. بدأ الفن المصرى خاصة السينما يعطى النماذج العليا للسلوك المتحضر فى المجتمعات الراقية، فتعلم منه الشوام وبقية العرب فى شمال أفريقيا، كيف يتعاملون، حتى أصبحت اللهجة المصرية فى السينما والغناء هى اللهجة الثقافية الرفيعة لدى هذه الشعوب واستمرت من العشرينيات حتى الثمانينيات.


المشكلة برزت عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد عندما طردت مصر من الجامعة العربية، وتطلعت السعودية على وجه التحديد لكى تأخذ دور الريادة فى غيبة مصر، وكانت قد احتضنت الجماعات الإسلامية الفارين من مصر خاصة الإخوان، وكانت العقلية البدوية والصحراوية المرتبطة بالبيئة السعودية لازالت على محافظتها فى ملابسها المرتبطة بالبيئة أكثر من الدين.


من يقرأ التاريخ الاجتماعى للإسلام بدقة لا يجد أن الدين قد غيَّر من ملابس الناس شيئا، فقد كانوا بحكم البيئة يغطون وجوههم ورؤوسهم اتقاء للحر والرمال، لكن كان هناك قطاع من البشر هم المستعبدون يفرض عليهم أن يكشفوا رؤوسهم أيا كانت عقيدتهم؛ لأن ذلك داخل فى تقييم ثمنهم، ولم يؤثر على الإطلاق أن القرآن غيَّر ملابس الناس؛ إلا أنه دعاهم إلى قدر من الاحتشام وعدم الإفراط فى الزينة التى كانت مقصورة على المشتغلات بالهوى.


عندما يقول القرآن «وليضربن بخمرهن على جيوبهم» معروف أن الجيب هو فتحة الصدر، وآية «يدنين عليهن من جلابيبهن» فالجلباب كان يمكن أن يقصر أو يطول، لكن المبدأ الأساسى فى الفكر الإسلامى كما عبر عنه الحديث الشريف «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسادكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، لذلك كان الملبس متروكا إلى البيئة المختلفة وتطور التقاليد المختلفة ولم يكن شيئا جوهريا فى الدين.


ترى أن الحجاب انتصار للسعودية على مصر؟


السعودية اعتمدت على تقاليدها؛ لكى تحاول أن تغزو بها ثقافيا المجتمع المصري؛ لكى تفرض نمطها علينا، فبدأت برشوة الفنانات اللائى كن يحملن النموذج الحضارى الراقي، وأخذن يدفعن الملايين للفنانات، لكى يرتدين هذا اللبس الذى يزعمون أنه الديني، فالدين فيه خلق وسلوك وعمل لكن الملبس مسألة اجتماعية فى الدرجة الأولى.. عندئذ انتهز تيار الإسلام السياسى على وجه التحديد ليتزعم هو بالدفع بمقولة حجاب المرأة كعلامة وشاهد على ما أطلق عليه “الصحوة الدينية”، وأصبح شعر المرأة هو المكان المفضل لرفع رايه انتصار تيار الإسلام السياسى على وجوه المصريين وأجسادهم، بشكل دفع فى هذا بكثير من المال والدعاية واستغل الجانب الديني. ورجال الدين بالطبع يميلون إلى المحافظة لكن كبار رجال الدين الذين عاشوا طيلة القرن العشرين لم يعارضوا السفور وكانت أسرهم سافرة، ولم يروا فى ذلك خروجا على الدين ولا التقاليد.


تكوَّن لدى المصريين بفعل هذا التيار إحساس عام وضغط اجتماعى رهيب على المرأة لتتحجب. أذّن هذا بفقدان النموذج المصرى الذى كانت تصدره السينما، وفقدان المرأة المصرية لعقليتها وشخصيتها وثقافتها، وأصبحت مولعة أن تظهر أنها متدينة، وتبنت ذلك لكى لا يقال إنها خاضعة للضغط الاجتماعي، ولعبت الثقافة الذكورية التى تهدف دائما إلى تهميش المرأة وتحويلها إلى مجرد سلعة ، دورا خطيرا فى تثبيت هذه الفكرة، انتهت أن أصبحت المرأة تنكر أنوثتها وترى فى ذلك غاية مرادها بدلا من أن تنمى فكرها وعقلها وثقافتها وإحساسها بشخصيتها.


هذه الموجة لابد أن تنحسر تدريجيا، وأظن أن هذا التطور قادم خاصة مع انزياح هذا التيار السياسى الذى كاد يعوق مسيرة مصر الديمقراطية ويشوه صورتها ويدمر مكانها.


ولماذا لم يحقق التيار المدنى رصيدا حقيقيا على الأرض رغم عمره الأطول من الإسلام السياسي؟


كنت أحسب ذلك، وأسمع ما يرددونه، لكن هناك مشهدا لا أنساه أعاد لى الثقة بالتيار المدني، كانوا يقولون إن ثقافة النهضة قد انتكست وأننا خسرنا العقل المصرى وروح الثقافة المصرية، حتى وجدت ملايين الشباب والشابات والرجال والنساء يخرجون فى ٣٠ يونيه كالمحيط الهادر فى الشوارع؛ لكى يقولوا لمن أراد أن يشوه تاريخهم «كفى».. هذا المشهد بصدق هو الذى أعاد لى الثقة بانتصار العقل والثقافة والتطور الحضاري؛ بالإنسان المصري. وكأن الغالبية العظمى من الشعب استجابت لأم كلثوم وعبد الوهاب وجمال عبد الناصر وطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وفاتن حمام وكل رموز الثقافة المصرية.


هل هذه الاستجابة لازالت مستمرة؟


هى كامنة فى الأعماق، لأن من يشهد الواقع المصرى خلال العام الأسود، ويرى هذه الذقون البيضاء والسوداء وهى تطل من أجهزة التلفزيون تدين الفن والعلم والحضارة والحس الإنساني، وتريد أن تفرض منطقها المتوحش فى زواج القاصرات، وطريقتها فى الاستئثار بالحياة، وثقافة أخرى ليست هى الثقافة المصرية، خشنة وبدائية وجاهلة، من كان يرى محاولتهم لتشويه المنجز المصرى بإيعاز من هذا المكتب الدموى الذى يسمى الإرشاد، كان يوشك أن يشعر أن مصر فقدت بوصلتها الحقيقية إلى المستقبل، وأنها قد ارتدت إلى العصور الوسطى وما قبلها. هذا الذى يزعمونه ليس الإسلام المصرى السمح الجميل الذى يقبل التطور الحضاري، الذى يحترم الفنون ويقدس الإبداع، ويرى أن الإنسانية لابد أن تتجه إلى العقل والعلم والإعمار، وليس إلى الخراب الذى كانوا يقودوننا إليه. ما حدث من ثورة الشعب الحقيقية أعاد لى الثقة أن الثقافة العربية التى صنعها الآباء الكبار لم تتخاذل ولم تنطفئ.


لكن بالرغم من استجابة الشعب المصرى مازال النظام يحسب حساب تيار الإسلام السياسي؟


هذه المناورات السياسية التى تضطر إليها النظم حينا ثم لا تلبس أن تدرك خطأها. أشهد الآن صراعا خفيا أو معلنا فى كثير من الدوائر، حول تجربة التحول الديمقراطي، حاولت التيارات الدينية تعويق هذا التحول، وامتطاء الموجة وتحويلها نحو الانتهازية الدموية وتوجيهها نحو أضاليلهم الكبرى فى الخلافة الإسلامية وبيع الأوطان. ظلوا طوال أعمارهم يدينون غيرهم بأنهم عملاء الأمريكان ثم أراد الله أن يكشفهم، لم يكن لهم من ملجأ يدافع عنهم، ويريد أن يدمر مصر لصالحهم ويتواطأ معهم إلا هؤلاء الأمريكان، انكشف لكل ذى عيان عمن يدافع الأمريكان، وكيف كان يبيعون سيناء لليهود.


هذا التحول الديمقراطى كان يعرف الكثيرون أن له ثمنا فادحا، وهو إمكانية تغلب التيارات الدينية فى انتخابات حرة مباشرة؛ لأنهم قد تغلغلوا فى أعماق الشعب واستغلوا فقره وجهله وحاجته، وتمكنوا من توجيهه بآلية انتخابية شديدة السطوة والعنفوان، وانتصروا فى أول جولة وتبين أن انتصارهم لم يكن خالصا للحرية ولا الديمقراطية ولا الوطن، إنما كان محفوفا بالرشوة وبيع الجنة فى صكوك غفران مخزية لعامة الناس وبالتواطؤ مع القوى الاستعمارية الأجنبية، فكانت أفدح تجربة خسارة للتطور الديمقراطي. لكن لحسن الحظ أن الديمقراطية هى النظام الوحيد القادر على تصحيح عيوبه، فى آلية التصحيح الذاتي. تنتخب فتسيء الاختيار هذه المرة، لابد لك أن تتعلم لتحسن الاختيار المرة القادمة.


وهل نستطيع القول إننا أصبحنا دولة ديمقراطية؟


التحول الديمقراطى كان يمكن أن يتم فى ٢٥ يناير مثلما تم فى دول أوروبا الشرقية بمجرد قيام الثورات التى حوّلتها من دول فاشية إلى دول ديمقراطية دخلت الاتحاد الأوروبي، لكن وجود التيارات الدينية واستفحالها واستغلالها للتجارة بالدين والرشوة، طبعا أفسدت العملية الانتخابية الأولى.


وكيف ترى وجود هذه التيارات الدينية فى الانتخابات البرلمانية المنتظرة؟


وجود التيارات الدينية فى مشهد الانتخاب الآن يجعله مشهدا مشوبا بسحب وغيوم ليس بالصفاء الكافي، وإن كان واضعو الدستور قد تنبهوا إلى ذلك، وكان لى شرف المشاركة فى لجنة الصياغة كمستشار لها، وأصروا على تحريم قيام أحزاب على أساس دينى ووضعوا تفسيرا لها، وأحتفظ بهذا التفسير فى ورقة فى جيبى منذ أن قررناه فى لجنة الصياغة للإصرار على العمل به. وأتحدى أى حزب ولد فى حضن الإسلام السياسى أن يستطيع تبرئة ساحته من هذه المحظورات التى نصت عليها وثائق الدستور.


لكن لدينا حزب النور؟


هذه الجماعات أتقنت أمرين ببجاحة شديدة، الأول هو الخداع والكذب، كانوا فى مناقشات الاجتماعات على هامش لجنة الخمسين يصرون على إبقاء المواد ذات الطابع الديني، لا إيمانا بها، يقولون إننا نبيعها إلى جمهورنا، لا نستطيع أن نواجه قاعدتنا بغير هذه المواد الدينية، لكنهم يتقنون تبرئة العبارات المنصوص عليها من الطابع الديني، لكن كل تصريحاتهم تحمل هذا الطابع الدينى من التمييز والحض على الكراهية وإلغاء المواطنة، وكل تصريحاتهم، وبالتالى لن يستطيع أحدهم أن ينجح فى الانتخابات دون استخدام هذا الخطاب، لأنه رصيدهم وليس لديهم أى رصيد فى الإصلاح السياسى أو الاجتماعى أو السياسة الاقتصادية والتنمية الثقافية أو النهضة العلمية، هم لا شأن لهم بكل ذلك، هم يتاجرون بالدين ولم يستطيعوا أن يبرئوا خطابهم من هذه المتاجرة، وهى تفقدهم شرعيتهم ويصبح من حق أى مواطن أن يشكوهم إلى المحكمة الدستورية ومن حقها أن تحل الحزب. هم سيسقطون فى أى ممارسة مادامت المحكمة الدستورية تراعى هذه القواعد.


لكن هذا يعنى أن نصوص الدستور وحده غير كافية لتأسيس دولة مدنية؟


لا، هى كافية جدا، من قال ذلك!


إذا كانت النصوص تقول شيئا، والواقع شيء آخر؟


لأن الواقع نفسه لم ينضج سياسيا بالقدر الكافي، ولم تتهيأ ثقافته بالطريقة اللازمة، لأن هذه الديمقراطية لا تكتسب بين يوم وليلة بينما معايشة وممارسة وتجارب، ولا أتوقع أن يصبح لدينا برلمان مثل الدول التى مر عليها مئات السنين وهى تمارس الحريات. لكن مادامت المبادئ صريحة والناس ملمون بها فأعتقد أننا فى الطريق الصحيح. عليهم إذا كان الدين عملهم أن يتوجهوا إلى الدعوة والمساجد. السياسة برامج للحكم والنهضة الاقتصادية.


ثورة يوليو أرادت من المثقف أن يبقى داخل الدور المرسوم له فماذا أرادت ٢٥ يناير من المثقف؟


أصبح مستقرا لدى الجميع أن ثورة يوليو حققت إنجازات عظمى منها استقلال الإرادة المصرية وبناء دولة على أسس حديثة، إطلاق نهضة علمية، إنصاف الطبقات الفقيرة التى ترفع صور ناصر حتى الآن، لكن أكبر إخفاق تمخضت عنه تجربة يوليو كان ابتسار وتجميد التطور الديمقراطى الذى بدأ فى الفترة الليبرالية السابقة عليه، حل الأحزاب أحبط الآلية الضرورية للتطور الديمقراطى الحقيقى التى ترتبط جذريا بالتشكيلات الحزبية.


عندما جاء السادات وحاول أن يتدارك تلك الأخطاء ليصنع شعبيته، اتجه لإطلاق التيار الإسلامى من السجون لكى يحارب به الناصريين والاشتراكيين، وكان كمن يطلق الأفعى من جحرها، لأنه لم يلبث هذا التيار أن لدغه برصاصه أردته قتيلا.


هذا التيار فى صلب كيانه دموي، لا يميز بين الرأى والرصاص، أصحاب أفكار الإسلام السياسى يمكن أن تكون لديهم أفكارا رائعة مادامت أفكارا، لكن إذا تحولت إلى رصاص وقنابل أصبحت أدوات إجرامية وإرهابية، هذا ما لا يدركه أنصار هذا التيار، المسافة بين الفكرة والطلقة قصيرة جدا.


جاء مبارك ليجمد الوضع ٣٠ عاما؛ ليضع مصر بكل مقدراتها فى ثلاجة على هامش التاريخ، أسوأ فترة ضاع فيها كل الجهد الخلاق للشعب المصرى فى القرن العشرين كانت فترة مبارك، خاصة بعدما أصبح تمسكه بالسلطة وتوريثها هو الهدف الجوهرى لنظامه، انفجرت الطاقات المصرية فى ثورة ٢٥ يناير، ومن يظن أنها كانت مؤامرة أمريكية فهو قاصر التفكير وبليد فى حسه الوطني.. بالطبع استغلها الأمريكان كما استغلها الإخوان لكنها كانت وطنية مصرية شبابية فى الدرجة الأولى. لكن خلط الأوراق وتشويه الصفحات والعمالة من هذا وذاك هو من يفسد علينا الرؤية الصحيحة لتطورنا.


الثقافة فى كل هذه المراحل الثلاث كانت تذرع بصبر وتربى بدأب حقيقى روح العصر الحديث والشغف بالحرية والتطلع للديمقراطية. انفجار ثورة يناير كان عبارة عن التعبير الصافى عن الضمير الحى للشباب المصرى عندما صنع وعيه بما تلقاه من ثقافة محلية وعالمية. رأيت صناديق الانتخابات الشفافة فى بعض البلاد الأوروبية، وكنت أتمنى أن أشهد هذه الصناديق التى لا يلوثها التزوير ولا تفسدها التجارة بالدين أو الشراء بالمال. فى مدريد عندما كنت مستشارا ثقافيا هناك، وأجرى رئيس حكومة الوسط انتخابات وخسر الدائرة التى رشح فيها، أقام له المجمع الملكى الأسبانى حفل تكريم لأنه خسر الانتخابات التى أجراها، كنت شديد الرغبة أن أشهد مثل ذلك فى بلدي.


أمامنا الكثير جدا لنصل إلى ذلك؟


الطريق طويل لكن لابد أن نسلكه وبتصميم وعزم، كثيرون يتخوفون من أن الانتخابات الحالية سوف تأتى بأنصار التيار الدينى والحزب الوطني، لكن اعتقد أنه لا يمكن أن تأتى بهم بنفس الدرجة التى كانوا عليها فى الانتخابات الماضية، وإلا لكنا شعبا لا يستفيد من تجاربه وكنا بلهاء ونستحق ما يفعل بنا، لابد أن نكون اكتسبنا قدرا من الوعي، والأهم أن نطبق القانون.


فى تقديرى أن الثقافة العلمية والتنويرية، الحرية والديمقراطية هى الهدف الأساسى لتنمية الوعي، واعتقد لابد أن نقف عند أخطر وسيط ثقافى فى تاريخ البشرية، كان الوسطاء الثقافيون فى العصور القديمة هم الشعراء وقادة الرأى والزعماء، الآن الوسيط أصبح التنين الذى يلوّن الثقافة، ويمكن أن يحافظ على جوهرها أو يضيعها تماما، وهو الإعلام سواء المكتوب أو المسموع أو المرئى أو الرقمي، ولعل أخطرها ذلك الأخير الذى يتراءى لى وكأنه عالم الجن فى الأساطير القديمة. أصبحت عظيمة الانتشار وشديدة الفاعلية، واعتقد أن الإعلام هو الذى يتحمل المسئولية الثقافية الآن لأن المثقفين أفراد لا يملكون إلا أقلامهم وهم محدودون، والذى يساعد فى نشر حديثهم وأفكارهم هو الوسيلة الإعلامية، التى تملك العصا السحرية لتحويل الحديث الفردى إلى شيء متاح للملايين.


ما مدى استيعاب السيسى للدور الثقافى فى مشروعه؟


السيسى اكتسب شعبية مذهلة فى فترة قصيرة وهو شديد الإخلاص، اختط طريقا وسط أشواك هائلة، جاء وشعبه منقسما نصفين؛ نصف معه بحماس شديد، ونصف يلعنه صباح مساء ويكفره ويريد قتله. هذا ظرف فى غاية القسوة. وإذا أخفق فى مهمته سقطت مصر فى المستنقع الذى سقطت فيه سوريا وليبيا واليمن. لكن المشكلة الرئيسية لديه أنه نشأ وتربى واكتسب خبرته وقوته من المؤسسة العسكرية، وهى ذات تاريخ رائع ومشرف لكنها مهيمنة ، عندما نرى بنيتها الداخلية فى منتهى الدقة والإحكام، وهذا يختلف عن أسلوب إدارة الحياة المدنية التى تعتمد على الحرية، بينما تعتمد المؤسسة العسكرية على السمع والطاعة.


وعندما يخطىء الرئيس السيسى .. من يحاسبه؟


هذا دور البرلمان والرأى العام والصحافة والإعلام، لكن الوضع السيئ لمصر أن شقا من أبنائها –هؤلاء الأشرار كما يسميهم بطيبة شديدة- يريد أن يهدم مصر، يهدم المعبد على رأس ما فيه وهذا ليس نقدا، والشق الثانى يعتقد أن مهمته هى الولاء المطلق والطاعة العمياء وهذا خطأ فادح، لا وجود لدولة حقيقة دون معارضة رشيدة وطنية، فنحن فى أشد الحاجة لأن نوازن بدقة بين الأمن والحرية، الوطنية دون أن نترك لأحد أن يستبد بأمورنا. مصر بعد ثورة يناير ينبغى ألا تسمح إطلاقا لا بقيام فاشية دينية ولا دكتاتورية سلطوية، وأى حاكم يأتى بأى طريقة حتى لو بالإجماع الشعبى مثلما جاء السيسى ليس من حقة إطلاقا أن يمس مواد الدستور المقدسة أو يغير فترات الرئاسة، مهما ارتفعت أصوات المنافقين المجرمين فى حق وطنهم وأصحاب المصالح فى الدعوة لذلك. نكون قد فقدنا كل ما نملك من وعى حضارى وثقافى لو فرطنا، الثورة لابد أن تحافظ على قدسية التحول الديمقراطى وأهمية تداول السلطة، وضرورة تحقيق العدالة مع التنمية، هذه التوازنات هى جوهر الحياة الآن. والمثقف الذى لا يدعو إليها ويعيها هو مدلس أو خائن.


أين تأتى الثقافة فى سلم أولويات الحكومة؟


أى نظام لا يريد أن يسمع شيئا عن الثقافة إلا أنه يتفادى أن تحدث له متاعب، هو يهتم بالثقافة بقدر ما تصمت وتنافق وتتركه يفعل ما يريد، والثقافة التى تصمت على الظلم وتترك السلطة ترتكب هذه الأخطاء ليست ثقافة، إذن أى سلطة لا ترحب بالثقافة لأن جوهرها الحقيقى القدرة على النقد والوعى النقدي، الذى لا يملك وعيا نقديا ليس مثقفا، الذى يسلم بأن الأشياء تمضى فى أحسن حال ليس مثقفا، المثقف هو الذى يرى الواقع ويدرك ما فيه من قوة وضعف، ويبذل جهده لتعزيز نقاط القوة، فهو دائما فى صراع مع الواقع لتغييره إلى الأفضل.. والسلطة إذا كانت رشيدة وديمقراطية لابد أن تستفيد من رؤية المثقفين وتلتزم بها، إما إذا لم تكن ديمقراطية ستعادى المثقفين الحقيقيين وتقرب مثقفى السلطة الانتهازيين.


دائما هناك اتهام للحركة النقدية أنها لا تواكب الحركة الإبداعية؟


دكتور على الراعى ذات مرة كتب “أننا فى مجاعة نقدية”، وهذا صحيح، والمجاعة مستمرة وسببها بسيط يتمثل فى أمرين أن تكوين النقاد صعب جدا، فالناقد لابد أن يكون ملما بالتراث العربى والإبداع المحلى والفكر والإبداع العالمى وقادرا على التمييز، ويتقن لغة أجنبية للإطلال بنفسه على الفضاء الإنسانى الثقافي، لذلك غالبا ينشأون فى الجامعات، لكن الجامعة المصرية منذ ٥٠ عاما لا توفد مبعوثين للخارج وتربيهم على عينها، بل تجعلهم يسافرون على منح ولمدد قصيرة فلا يتمكنون من الثقافات الأجنبية، لذلك نحن محصورون فى دواخلنا ومحليون فى نظرتنا جدا، ومع ذلك دائما هناك مواهب فى مصر.


لكن يأتى العامل الثانى لإحباطهم وهو أن وسائل الإعلام لا تهتم، وهى تتحمل مسئولية كبيرة جدا فى ازدهار الحركة النقدية. الجيل السابق علينا كان هناك حوالى ١٠ نقاد يكتبون فى الصحف، الآن بعض الصحف تشترط على الناقد ألا يكتب نقدا بل ثرثرة سياسية مما يفهمها العامة.


لكن غياب النقد تسبب فى ظهور مشاكل كثيرة مثل ذهاب الجوائز إلى غير مستحقيها أو ظهور قوائم «البست سيلر» وغيرها؟


كيف يقول الناقد ذلك وأين؟!


أضعف الإيمان هناك الفضاء الإلكتروني؟


لكن تأثيره سيكون محدودا، فى كل البلاد المتحضرة دائما هناك برامج لأفضل الكتب والإنتاج الإبداعى إلا فى التلفزيون المصرى الذى يعادى الثقافة ولا أعرف سر هذا، والقائمون على هذه الوسائط يعتقدون أنهم السادة وهذه مشكلة. الإعلام مسئول مباشر إلى جانب الجامعة عن غيبة الزخم الثقافي. إضافة إلى عامل ثالث هو تشتت الطاقة النقدية. فإذا كان النقد ليس سوقا رائجا بالتالى لا يمكن الاعتماد عليه كمهنة للعيش منها. لذلك هو مهنة تعتمد على التضحية.


هذا ينسحب أيضا على الأعمال الإبداعية فالمبدع لا يعيش من إبداعه؟


لا، المبدع يمكن أن يعيش من إبداعه، يمكن أن يضمن له عمل ناجح واحد أن يعيش منه.


أكبر الأدباء يقولون إنه لا يمكن للمبدع العيش من إبداعه؟


هذه مشكلة، لكن الإبداع على أى حال يبيع أكثر، وليس كل أنواع الإبداع، يمكن لسيناريو أو دراما تلفزيونية أن يحقق ربحية معقولة، الرواية تكاد تصبح مثل ذلك. لكن الشعر لا يمكن أن يحقق أى عائد لذلك كسد سوقه إضافة إلى مشكلات أخرى خاصة بالشعر، إلا أن أنواعا خاصة من الشعر مازالت هى الرائجة والمربحة جدا مثل شعر الأغاني، القطعة تقدر بالآلاف إذا تبناها مطرب، فالفنون تتفاوت. لكن على أى حال ليس التقدير المادى هو المشكلة الحقيقية. لكن فعلا النقاد قليلون ومن يتاح له النشر من هؤلاء أقل القليل، لأن الناقد لا يقف على قارعة الطريق ليقول قفوا سأقول لكم رأيى فى هذا أو ذاك، سيكون مصيره العباسية!


أحيانا تدفعنى بعض النزعات المثالية إلى تصور حلول وهمية من الصعب تطبيقها، أتذكر أننى تقدمت بمشروع للثقافة لكى تعقد اتفاقية مع المؤسسات الإعلامية لإصدار توصية من المجلس الوطنى للإعلام بميثاق شرف أن تلتزم القنوات التلفزيونية ببث ثلاث ساعات يوميا مادة تصنف بأنها ثقافية رفيعة، وتتضمن خيارات لا حد لها مثل فيلم جيد وتعليق نقدى عليه، كتاب جيد عربى وأجنبي، قطعة موسيقية، مسرحية، مشهد أوبرا، أو قصيدة شعرية، يمكن أن يكون هناك على الأقل اختيار من عشرين مادة ثقافية رفيعة، يمكن للجنة أن تصنف آلاف الساعات وتوضع فى مكتبات القنوات التلفزيونية، وتلتزم إلى جانب هذا الهراء الذى لا حد له ويغرق الناس فى التفاهات؛ أن تخصص فقط ساعتين من ساعات بث المشاهدة الجيدة، بحيث من يتعرض لتيار حنفية السخف يفيق فجأة على دش بارد جميل يربى ذوقه ويذيقه شيئا من المعرفة والجمال. مثل هذا المشروع مثالى وكاد يسخر منى كثير من المسئولين الذين حدثتهم..!


الأديب بهاء طاهر يرى أن آخر ناقد واعٍ عندنا كان فاروق عبد القادر.. ما رأيك؟


أكن كل الحب والتقدير لفاروق عبد القادر، الذى تميز بشيئين؛ صلابته فى منظوره الفردى ومحاولة الاستقلال عن المؤسسات الثقافية وإن كان هذا انعكس فى محدودية تأثيره، واهتمامه الشديد بالمسرح والأعمال الطليعية، فاروق ترك فراغا لم يشغله أحد بعده، لكن لا نستطيع أن نحصر النقد فى شخص واحد.


بهاء أخطأ كثيرا فى ذلك لأن فاروق لم يكتب عنه عدة سطور. أحب بهاء جدا وسواء فى الكم أو الكيف لم يكتب عنه أحد مثلما فعلت. بالتأكيد هذا شطط من بهاء وربما دائما نميل لاعتبار أن النقاد هم من ماتوا ونتوقف عن الحكم على الأحياء منعا للمجاملة.


هذا يحدث كثيرا من المبدعين فهم مثل القطط تأكل وتنكر، الحركة النقدية قليلة لكن من يعملون بها لا يصح إعدامهم! هذا يجافى أى منطق، ثم إن بهاء أخذ أكثر من حقه، هو مقل جدا وممتع وكتاباته بديعة لكن الظروف وشخصيته وخصائص كثيرة جعلت الواقع الثقافى المصرى يسخو عليه كثيرا ويكرمه كثيرا ومنهم النقاد. وأكتفى ردا على بهاء بالمقولة «أردت له الحياة فأراد لى الموت».


 



آخر الأخبار