نهاية فاروق

30/09/2015 - 10:13:03

  جنازة فاروق جنازة فاروق

بقلم -د. صفوت حاتم

الحلقة الأخيرة


فى عام ١٨٠٥ تولى محمد على الكبير حكم مصر. كان الحاكم يطلق عليه يومها لقب الوالى. وقد تعاقب على الحكم من أسرة محمد على “أربعة “ ولاة هم: محمد على..إبراهيم باشا ابنه. وحفيداه عباس الأول وسعيد باشا.


ثم تغير لقب “الوالى” وأصبح يلّقب الحاكم “بالخديو”.. وحكم مصر “ثلاثة” يحملون لقب الخديو هم: إسماعيل.. توفيق.. عباس حلمى الثانى.


ثم تغير لقب الحاكم وأصبح لقبه “سلطان”. وحمل هذا اللقب “اثنان” من أسرة محمد على هم: السلطان حسين كامل.. ثم خلفه “السلطان فؤاد” الذى نجح فى تغيير اللقب إلى “ملك”.


كان أحمد فؤاد الأول هو أول “ ملك “ يحكم مصر من أسرة محمد على. وفى عام ١٩٣٦ خلفه ابنه فاروق.. وفى يوليو ١٩٥٢.. أى بعد ١٤٧ سنة (قرن ونصف تقريبا) خرج فاروق وانتهت صفحة من صفحات الحكم فى مصر. وقد جلس فاروق على عرش مصر ١٥ سنة، تم خلالها تشكيل ١٧ وزارة أى بمعدل يقل عن عام لكل وزارة!!


يقول المستشار “سليمان حافظ”.. الرجل الذى قدم لفاروق وثيقة تنازله عن العرش وأحد الذين شاهدوا اللحظات الأخيرة لفاروق كملك:


“.. لم يكد ينتهى “فاروق” من التوقيع على وثيقة التنازل, حتى هدأت أعصابه وزايلته سعلته، وأخذ يحدثنى فى شأن “بوللى” و”حلمى حسين”، مبديا رغبته فى الإفراج عنهما، أو على الأقل عن أولهما والترخيص له باستصحابه إلى الخارج. وكان الأميرلاى “أحمد كامل” كان قد اقترب منا فى هذه الأثناء، فقال إنه كان قد أبلغنى هذه الرغبة، فوعدت بالسعى لتحقيقها ما أمكننى ذلك، فكررت للملك وعدى. واستطرد فاروق فقال: إن له فى الخارج أموالا تكفيه على قلتها، وإنه لذلك يود أن توزع ثروته فى مصر من الآن على ورثته، فإن لم يتيسر ذلك بقيت مجمدة لهم حتى يحل أوان استحقاقهم لها. فوعدته كذلك بالعمل على تحقيق رغبته هذه. وتحدث عن أوصياء العرش الذين اختارهم قائلا إن الأمير عبد المنعم سيحزنه أن يعهد إليه بالوصاية لأنه يحبه ولكن لن يسعه إلا قبولها. وأخيرا صافحنى وعاد من حيث أتى. وينهى المستشار “سليمان حافظ” بطل هذه الواقعة الوحيد، الفقرة بقوله: “غادرت القصر ميمما دار الحكومة فى بولكلى، حيث وجدت مجلس الوزراء منعقدا، فسلمت رئيسه.. أى على ماهر.. وثيقة النزول عن العرش موقعة من فاروق.. وأبلغته رغبتى فاروق كلتيهما.. فعلق على أولاهما.. أى الإفراج عن بوللى وحلمى حسين، بأن الجيش لن يقبل إجابتها. فقلت له إننى وعدت بالسعى لتحقيق رغبته، وأنه يتعين على برا بوعدى أن أقصد اللواء نجيب شخصيا لهذا الغرض (انتهى النص)


أنطون بوللى.. مجددا !!


مما سبق يظهر جليا أن فاروق لم يكن مشغولا بمصير ملكه قدر اهتمامه بشيء آخر. فى وسط هذه الظروف المدلهمة كان “فاروق” مهتما بموضوع واحد هو إنقاذ رقبة حاشيته وخدامه.. خصوصا أنطون بوللى وحلمى حسين. وبشكل خاص “أنطون بوللى” .. ولا يمكن تفسير ذلك بدافع الوفاء والشهامة والمسئولية عن مستقبل الرجلين.. بدليل عدم إصرار “ فاروق “ على إخراج حلمى حسين سائقه الخاص من السجن قدر اهتمامه بإنقاذ رقبة “ بوللى “ واصطحابه للخارج..


لماذا كان يهتم “ فاروق” بمصير “بوللى” إلى هذا الحد والإلحاح على ذلك الأمر بنفسه.. أو من خلال ياوره الخاص الأميرلاى “أحمد كامل”؟!


الإجابة الوحيدة المتاحة لنا للإجابة عن هذا السؤال لا نجدها إلا فى مذكرات الأستاذ “مرتضى المراغى” آخر وزير للداخلية فى عهد فاروق..


يحكى الأستاذ “ مرتضى المراغى “ واقعة غريبة.. لا نملك سوى رصدها.. دون أى تأكيد منا بصحتها أو كذبها. فستظل واقعة على ذمة راويها.


يقول الأستاذ “مرتضى المراغى”: “... هكذا ذهب فاروق وتخلى عن العرش، لأنه كان لا يعرف كيف يصونه.. فكان لاهيا عن كل شيء إلا طمعه وملذاته، مستهترا بكل شيء إلا حب المال والميسر. استهتر بالشعب واستهتر بحكومته. وكان استهتاره استهتار طفل عنيد مشاغب ظن أنه يستطيع أن يفعل أى شىء حين لم ير أحداً ينهره أو يزجره. كان يتظاهر بالقوة والجبروت. ولكن لما بدا له فى الأفق أن هناك ثورة قد يكون فيها خطر على حياته، حتى انهار وخارت قواه، وأمر يخته “المحروسة” بالاستعداد للإبحار فى الساعة العاشرة من مساء يوم ٢٣ يوليو. وأمر قائد بوليس السراى بأن يتصل بحكمدار بوليس القاهرة لكى يخبره ألا يقوم البوليس بأى محاولة ضد الجيش. وأقال الوزارة قبل أن يتمكن مبعوثه من الاتصال بقيادة الثورة.


كان يريد الفرار بأى ثمن (!!) يريد النجاة بجلده ورقبته، ويحقق الرغبة التى طالما عاشت فى صدره وهى أن يترك مصر ليعيش فى الخارج.


ومن سخرية القدر أنه أراد أن يصطحب معه “أنطون بوللى” سكرتيره المالى الذى كان يعرف كل شيء عن أموال الملك فاروق. ولكن ضباط حركة الجيش قبضت على هذا السكرتير وخرج فاروق من دونه.


ويضيف الأستاذ “مرتضى المراغى”: “ولم تكن المفاجأة الكبرى لدى فاروق فى فقده عرشه، وإنما كانت بعد وصوله إلى أوربا واكتشافه أن أكثر المال الذى كان يعطيه “لبوللى” ليودعه فى مصارف أوربا، كان قد أودعه “بوللى” باسمه هو، لا باسم فاروق (!!!). وعاش فاروق الذى ظن العالم أن عشرات الملايين من الجنيهات كانت مودعة باسمه.. عاش بأقل من مليونين من الجنيهات، أطاحت بأكثرها عصابة من المحتالين الأجانب اتصلت به وأغرته بتوظيف أمواله فى مشاريع احتيالية وهمية. وضيع هو الجزء الآخر فى كازينو مونت كارلو وسان ريمو.


وإنى أعلم عن يقين أن فاروق كان يعانى ضائقة مالية شديدة، وأنه كان يحصل على معونة شهرية قدرها ثلاثين ألف جنيه استرلينى شهريا من الملك سعود. وعندما قطع عنه الملك سعود هذه المعونة، راح يفكر فى وسيلة يستعيد بها ما فقده. (شاهد على حكم فاروق، مرتضى المراغى، صفحة ٢٩٠ – ٢٩١، طبعة دار المعارف، طبعة أولى ٢٠٠٧).


ويقول الأستاذ “مرتضى المراغى” فى مذكراته:


“ولابد أن فاروق كان يتوقع النهاية الغريبة التى انتهت إليها حياته. وهو نفسه لم يخف فى أحاديثه رغبته فى الحياة خارج مصر متمتعا بالحرية, وممارسة كل ما يريد دون قيود تفرضها عليه طبيعة الوظيفة... ولهذا كان فاروق حريصا على أن تكون له ثروة خارج مصر. ولكن المفاجأة حينما اكتشف بعد خروجه من مصر أن معظم الأموال التى سلمها لسكرتيره “بوللى” ليودعها باسمه فى بنوك سويسرا، قام “بوللى” بإيداعها فى حسابه الشخصى. وعندما ذهب فاروق ليعرف حجم حساباته، كانت الصدمة أنه لم يجد لديه غير مليونين أو ثلاثة ملايين فقط (!!). وحتى هذه الملايين استطاع بعض المحتالين والنصابين أن (يلهفوا) منها جزءاً كبيرا، عندما ضحكوا عليه وأقنعوه باستثمارها فى مناجم ذهب فى البرازيل(!!).


ويضيف الأستاذ “مرتضى المراغى”: “وقد كانت لى فرصة التعرف على حقيقة أوضاع فاروق المالية وأن يُطلب منى القيام بدور فى مساعدته بسبب علاقاتى مع السعودية وعملى بعد خروجى من مصر... وكنت يومها أعيش فى روما وأمارس العمل التجارى الذى ساعدنى عليه الأمير “فيصل”. وذلك عندما جاءنى حلاق فاروق السابق “بترو” (وهو أحد المصادر التى كان يستقى منها فاروق معلوماته عن النشاط الشيوعى فى مصر كما ذكرت فى أحد فصول هذه المذكرات). وقد عاتبنى “بترو” فى البداية، لأنى نسيت فاروق الذى كان يحبنى، وأبلغنى أنه يريد أن يرانى لأمر مهم. واعتذرت وقلت له إننى تركت السياسة وأعمل بالتجارة، ولا أريد أن أعود للسياسة. . فقال “ بترو “ إنه يريدنى (أى فاروق) لموضوع غير سياسى، فهو يريد وساطتى فى موضوع اقتصادى يهمه جدا.


وشرح لى “بترو” أوضاع فاروق الحالية وكيف ضحك عليه “بوللى” من ناحية، والنصابون والمحتالون من جهة أخرى. وأضاف أن الملك سعود عندما عرف بهذه الأوضاع خصص مبلغ ثلاثين ألف جنيه استرلينى راتبا شهريا لفاروق. ولكن منذ فترة، فإن سعود قطع هذا المبلغ عن فاروق. ولعلاقتى الطيبة بالسعوديين وعلى رأسهم الأمير فيصل، فقد طلب منى “بترو” باسم فاروق أن أتصل بالملك سعود وأرجوه استئناف الراتب الشهرى الذى قطعه عن فاروق (!!!).


فقلت لبترو: إن الملك سعود لا علاقة لى به، بالإضافة إلى أن الطلب الذى تطلبه منى هو طلب مهين.. فكيف أتوسط لملك مصر السابق فى الحصول على معونة له من ملك السعودية ؟؟!!


فقال بترو: معليش.. الأوضاع التى وصل إليها فاروق تسمح بذلك.. فاروق أصبح مدينا للبقال والجزار.. وأنا وأربعة غيرى نعمل عنده.. لم نقبض مرتباتنا منذ عدة شهور.. بل أكثر من ذلك فإننى أقوم ببيع مخزون السيجار الذى عند فاروق لكى نحصل على المال (!!).


ورغم توسلات “بترو”، إلا أننى رفضت التوسط لدى سعود لإعادة معونته الشهرية. ثم غاب عنى “ بترو “ فترة، ثم فوجئت به يعود مرة أخرى يرجونى الوساطة فى تزويج بنات فاروق من الأسرة المالكة السعودية. وكانت حجة فاروق خوفه على مصير بناته المسلمات من التورط فى علاقة مع أجانب. وقد صعب على فاروق فى هذا الطلب. وسافرت فعلا إلى السعودية وقمت بدور “الخاطبة” لبنات فاروق. ولكن أحدا لم يقبل الزواج بإحداهن (!!). (مرتضى المراغى، مرجع سابق، صفحة ٣٠٠).


موت فاروق


ثارت شائعات كثيرة حول موت الملك السابق فاروق .. وتداول الناس إشاعات متعددة عن سبب موته . وروج البعض أشاعة مفادها أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أرسل أحد ضباط المخابرات لقتل فاروق بالسم. وقد روجت كتب كثيرة هذه القصة. دون أن تستند على وقائع صلبة.


ونحن مضطرون.. مرة أخرى.. للعودة إلى مذكرات الأستاذ “مرتضى المراغى” الذى كان قريبا وشاهدا على “ بعض “ أسباب ووقائع موت فاروق ودفنه.


وتعود أهمية مذكرات “مرتضى المراغى” إلى كونه رجل غير متعاطف مع الثورة.. وكاره لجمال عبد الناصر بالذات. فالرجل أتهم .. حسب كلامه.. بالتآمر لعمل انقلاب ضد جمال عبد الناصر بالتعاون مع ضابطين احدهما يسمى “حسين خيرى”، وكان ضابطا طيارا وقد حكم عليه بالإعدام فى الجزائر بسبب صفقة سلاح حصل عليها من فرنسا لتوريدها للجزائر ولكنه باعها لإسرائيل (!!). أما الضابط الثانى فهو “عصام خليل” وقد حكم عليه فيما بعد بالسجن فى واقعة اختلاس خاصة بأموال تتعلق بالصواريخ.


وهكذا حوكم “مرتضى المراغى” غيايبا.. ونال حكما بالأشغال الشاقة المؤبدة.. ولم يعد لمصر إلا فى اكتوبر عام ١٩٧٤ بعد التماس تقدمت به والدته للرئيس الراحل أنور السادات.


الخلاصة: أن شهادة هذا الرجل فيما يخص قتل جمال عبد الناصر للملك فاروق.. ودس السم له عبر أحد رجال المخابرات.. شهادة لا يمكن اتهامها بالإنحياز او التعاطف مع جمال عبد الناصر وحكمه. (مرتضى المراغى، شاهد على حكم فاروق، دار المعارف، صفحة ٢٩٧ - ٢٩٨).


فماذا قال مرتضى المراغى بصدد موت الملك السابق فاروق؟


يقول الأستاذ مرتضى المراغى.. فى شهادة تستحق التسجيل:


“... ومضت الأيام.. وانقطعت عنى أخبار فاروق إلى أن فوجئت بنشر الصحف خبر وفاته.. وعلمت موعد جنازته. فقررت الأشتراك فيها.. وكان من المشاهد التى لا أنساها عندما ذهبت إلى المقبرة التى أُعدت لدفنه، وكانت مقبرة المسيحيين المسماة “الفيرانو” فى مدينة روما. وقد لفت نظرى إحدى بنات فاروق، ولاحظت أن معها ولدا صغيرا كانت تهمس فى أذنه بين وقت وآخر وهو فى حالة إرتباك شديد. ويبدو أن الفتاة عرفتنى وفوجئت بها تطلب من الولد الصغير الذى معها أن يصافحنى.. ثم سمعتها تقول لى فى أدب مفرط: تسمح تخليه يقرأ الفاتحة على روح أبوه!!


وعرفت أن هذا الصبى الصغير هو الطفل “أحمد فؤاد” الذى قاسى فاروق طويلا من أجل أن ينجبه، وكان يحلم أن يرثه.. وطلبت من الطفل أحمد فؤاد أن يردد معى ما اقوله.. وقرأت آيات الفاتحة.. وأخذ يرددها هو خلفى.. حتى إنتهيت فأمسكت به أخته.. وأخذته.. وانسحبت!!


وبصدد وفاة “فاروق” وسببها.. يقول الأستاذ مرتضى المراغى: “.. بسبب الحكايات الكثيرة التى ترددت عن وفاة فاروق.. ومن بينها اتهام أحد ضباط الثورة بأنه دسّ السم لفاروق فى طعامه.. فقد مارست فضولى وظللت أتردد طويلا على المطعم الذى مات فيه فاروق إلى أن كسبت صداقة صاحبه.. وهذا المطعم موجود فى شمال إيطاليا. وعندما عرف صاحب المطعم – بعد أن اكتسبت صداقته – أننى مصرى، أخذ يحدثنى عن فاروق، وتردده الطويل على مطعمه. وقلت له إنه كان غريبا أن يموت فاروق فى سن ٤٥ سنة هكذا فجأة وهو يأكل ؟؟!!


ونظر إلى صاحب المطعم. وقال لى ساخرا: يأكل؟! وأضاف ما معناه بالإيطالية: قل كان “يحشى” !!!


وأجابنى بقائمة غريبة. فقد بدأ فاروق طعامه يومها بتناول سلطانية أسباجتى كبيرة عليها كوم من المحار.. وهو طبق معروف فى إيطاليا اسمه “اسباجيتى الاجاندولا”. والمفروض فيمن يأكله ألا يأكل غيره... ولكن فاروق أكل كمية تقدم لثلاثة زبائن (!!). ثم اتبع ذلك بقطعة لحم خاصة وزنها حوالى كيلو جرام من نوع مميز اسمه “ فوليرنتينا “ وهو يعد من أحسن أنواع اللحوم ويحضرونه خصيصا من فلورنسا.. والمفروض أن يشترك أربعة فى أكل القطعة التى أكلها فاروق (!!). ولكن فاروق التهمها وحده.. ومعها بدون مبالغة صينية بطاطس (!!).


ثم جاء دور الحلو.. وكان خفيفا: ٥ أصابع موز.. وخمس تفاحات.. ونصف تورتة (!!). (مرتضى المراغى، مصدر سابق، صفحة ٣٠١)


ويضيف الأستاذ “مرتضى المراغى”:


“ولم يكن سرا أن فاروق كان مريضا بالقلب.. وقد نصحه الأطباء بتخفيف وزنه.. ولكنه قد انجرف إلى حب الطعام بصورة مذهلة.. وعندما التهم هذه الوجبة الغريبة.. كتمت على أنفاسه.. ومات فيها!!”


وهكذا..


مات آخر ملوك مصر .. ببساطة !!