يا خالد يا عود الفل من بعد جمال شفنا الذل..

30/07/2014 - 2:01:47

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

بقلم: حمدى رزق

يا خالد روح قول لأبوك ميت مليون بيودعوك، وبيترحموا عليك حتى الآن، وبيتنشقوا على ريحة الريحة، ويتمثلوك فيمن قام، ومن ثار، ومن حمى الوطن من أن تتخطفه الغربان السود، يا خالد روح قول لأبوك ميت مليون بيحبوك وحتى النهاردة، صورتك لم تفارقهم لحظة، ليست على الحوائط الإلكترونية الافتراضية بل مرسومة جوه القلوب التى تنبض حبا وعشقا وهياما.


يا خالد يا عود الفل من بعد جمال شوفنا الذل.. روح يا خالد نام وارتاح واحنا نكمل الكفاح، كانوا يعرفون أن خالد الابن الأكبر للزعيم سينام ويرتاح راحته الأبدية، خالد رحل صغيرا على الموت مثل أبيه، ما يبقى على المداود غير شر البشر، المعمرون كثر، وخالد مات وجاوره والده، وانقطعت بيننا والزعيم الرسائل والتواصل سوى من لفتات مدهشة لابنته الدكتورة هدى كلما حلت الذكرى وكان الخطب عظيما، خالد كان الصلة الوصلة، موصل جيد للحب.


كان الهتاف يومها باكياً، كانت أمى الشابة تنتحب، كان والدى الطيب حيا، وجدى لأمى عبد اللطيف، حياً، رب ارحمهما كما ربيانى صغيراً، لماذا يا أمى كل هذا البكاء، إحساس فادح باليتم تلفعت به تلك الشابة السمراء فوق طرحتها السوداء وهى تمرق من بين الصفوف المزدحمة، تقطع الشارع الجديد، الذى يخترق بلدتنا الوادعة على نيل الدلتا من عند القلب النازف دمعا، لتودع حبيبا ألفته، الوداع يا جمال، الوداع يا جمال يا حبيب الملايين.


تقاس الجنازات فى بلدتنا الصغيرة بطولها، كانت أطول جنازة تشهدها بلدتنا، كنت صغيراً لا أعى أننى أسير مع السائرين خلف تابوت خشبى هيكلى فارغ من الموتى، فوق كتف أمى أتطلع لكل هذه العيون الدامعة، دمعة على فراق أب عطوف، أخ كبير، إنسان عزيز، عبدالناصر كان أب كل هؤلاء، شقيق كل هؤلاء، عبد الناصر حتى لم لا يعرف أمى وكانت تبكيه وتلطخ وجهها بالتيلة السودة، وتعقد الحزن عليه أربعينا.


كنت محظوظا وأعرفه جيدا، كان اسمه يتردد بين الصبية حين يشتد المضمار، كانت جائزة سباق الجرى (الرمح) أن يلقب الفائز بابن عبدالناصر، كان الانتساب لناصر جائزة، ويستصرخونك "لو أنت ابن عبدالناصر بصحيح تقفز الترعة من الشط للشط ولا تتبلش كالعجل فى بطن أمه" كانت قفزة هائلة، عالية محلقة كالفراشة، قفزة ابن عبد الناصر، فى الجنازة عرفت اسم ابن عبدالناصر.. ايوه هو خالد إنه خالد، كانوا ينادون عليه فى صوت واحد، صوت الوطن فى تجليه الأعظم "يا خالد روح قول لأبوك ميت مليون بيودعوك" ولانزال نودعه حتى الآن.


صدقا لو لم يوجد جمال عبدالناصرحسين لاخترعناه حبا، ولولا المرتزقون المتنطعون زوراً وبهتاناً باسمه لكان حبه خالداً فى كل القلوب، لم يسئ إلى ناصر قدر نفر من الناصريين، تلبسوا قميص عبد الناصر شروه بضاعة، بضعوه وشهلوه وذهبوا إلى الضريح كل مناسبة للتصوير، يذرفون دموع التماسيح وهو وأولاده منهم براء، لم يشوه ناصر نفر من الساداتيين فحسب بل الأخطر كان نفر الناصريين الذين اعتذروا للإخوان المسلمين المجرمين الذين حاولوا اغتيال الحلم الناصرى فى المنشية 1954، ولم يبتدع الخلافات من حول ناصر وقسموا حزبه سوى هؤلاء الذين ظلموه بالتقديس حياً وميتاً.


ناصر حالة ثورية عارمة، ألق 23 يوليو 1952لايزال يعبق الأجواء المصرية، ثورة 25/30 تنتسب بالصلب والترائب الى ثورة 23 الخالدة والمجيدة وكلها أوصاف خلعت على ثورتى 25/30 تسامحا وحبا ولكنها من مقتضيات الوصف الثورى للثورة الآم ثورة 23 يوليو التى كان نبراسها فى ثورة البشارة 1919 وهى حلقات متصلة، لكل زعيم من الزعامات التى تجود زراعتها ونضجها وحصادها على شط النيل،


ناصر فعلاً زعامة مدهشة، كاريزما نادرة، تكاد أم كلثوم تنطق من أجله، من أجل عينيك عشقت الهوى، وياجمال يامثال الوطنية، لاتزال ثورة يوليو وثلئها الكبير أسرارها مغلقة على ما فيها كأسرار الفراعنة، عبدالناصر كان فرعوناً، ناصر لا تفيه شرحاً الكلمات الكبيرة من قبيل الوحدة وعدم الانحياز وتحدى القوى الأعظم وطرد الملك وجلاء المحتل، ولا يختصره مختل فى مسلسل تافه يدعى " صديق العمر " وكأنه ممول من الإخوان لتشويه صورة الزعيم والانتصار للمجلل بالهزيمة المشير عامر، والمجلل بالفضائح الاستخباراتية صلاح نصر، ثنائى النكسة الذين يتدارون فى مسلسل موتور .


سبر أغوار العلاقة التى تجذرت بين ناصر والبسطاء هى ألق ناصر الخاص، هى سر ثورته المكنون، الوقوف على أهداب تلك العلاقة المهلمة كالوقوف على أهداب الرموش تطرف العين فلا ترى كيف صار الحب نهراً جارفاً. ناصر الثورة حالة، وناصر العروبة حالة، وناصر الهزيمة حالة، لكن ناصر والبسطاء أكثر من حالة، استثناء، ظاهرة، بالله عليك كيف خرج كل هؤلاء النسوة من خلف الرجال من قعور البيوت ليودعن حبيب الملايين، هناك سبب أخرجهن، بالطبع لم يخرجهن الاتحاد الاشتراكي، ولسن من نسوته، ولم ينظمهن التنظيم الطليعي، ولسن من حريمه، خروج من أجل الحبيب، ناصر كان حبيباً.


ليس شرطاً أن تكون ناصريا لتحب ناصر وتعلق صورته فى غرفة النوم، شاهدت صوره فى البيوت الشيعية فى جنوب لبنان، بعضنا يضع صورته أبيض وأسود مطلاً على الجماهير على شاشة هاتفه المحمول، شباب الجروبات والمدونات يتداولون تلك الصورة الشهيرة بينهم، بعضهم سمع عن عبدالناصر، حتى بعضهم سمع عن السادات، ولكن الحب كالكره لا تمحوه الأيام، ينتقل كالجينات من جد إلى سابع جد، سيأتى جيل بعد قرن من الزمان يذكر يوم عبد الناصر وثورة 23 يوليو1952 بامتنان مثل جيلنا الآن .