منى الشيمى ترسم عالماً بحجم حبة عنب

30/09/2015 - 10:02:29

بقلم : د. مصطفى الضبع

إذا كان لكل ثقافة سردها فإن لكل جيل ولكل مرحلة استراتيجيتها السردية ولكل عصر قدراته على التعبير (عن أو بـ ) قضاياه وعواطفه وأحلامه .


وهذه السلسلة من المقالات تعمل على البحث عن مساحات جديدة تضاف إلى خارطة السرد العربى ، أقلام قدمت نفسها خلال نهاية القرن الماضى وبداية الألفية الجديدة ونجحت خلال سنوات قليلة فى تقديم الملامح الأقوى لتجربتها السردية ، تتشارك جميعها فى تقديم صورة السرد فى الألفية الثالثة .


لا تقف حدود المساحة عند حدود التجربة المصرية وإنما تتسع لتشمل الكتابة السردية الجديدة فى وطننا العربى الكبير ، مما يجعل من الكتابة عن هذه المساحة مشروعا يليق بالنقد مقاربته ويليق بالنقاد محاولة الإسهام فى تقديم الصورة كاملة قدر الإمكان وهو ما يساعد على تحقيق عدد من الأهداف التى تتجاوز مجرد الكشف عن المساحات الجديدة ، إذ يكون لذلك دوره فى الكشف عن مساحات مضاءة للباحثين فى الشأن السردى والمهتمين به ، والكشف عن التأثيرات المتبادلة بين النص الأدبى من جهة والميديا وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة من جهة أخرى .


منى الشيمي روائية وقاصة مصرية، تنتمي للجنوب المصري(محافظة قنا)، وتنتمي تجربتها السردية بكاملها للألفية الثالثة مفرودة على مساحة السنوات منذ مطلع الألفية حتى اليوم، تجربة عمرها قرابة اثني عشر عاما أنجزت خلالها من الأعمال الروائية والقصصية ما يجعلها واحدة من كُتاب الرواية في جيلها الأحدث، صدر لها تسعة أعمال سردية (ثلاث مجموعات قصص قصيرة – أربع روايات – روايتان للأطفال ) :


- لون هارب من قوس قزح- رواية- المجلس الأعلى للثقافة، سلسلة الكتاب الأول، القاهرة ٢٠٠٣.


- الأراوﻻ- رواية- الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة ٢٠٠٦.


- الكفة الراجحة- رواية- سلسلة الكتاب الفضى - نادى القصة- القاهرة ٢٠٠٨.


- وإذا انهمر الضوء- مجموعة قصصية- مطبوعات دائرة الشارقة للثقافة والإعلام- الإمارات ٢٠٠٨.


- من خرم إبرة- مجموعة قصصية- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة ٢٠٠٨


- رشح الحنين- مجموعة قصصية- دار سندباد للنشر- القاهرة ٢٠٠٩.


- بحجم حبة عنب- رواية- الحضارة للنشر والتوزيع- القاهرة ٢٠١٥.


ولها عملان روائيان للأطفال:


المانجو المسحورة- وزارة الإعلام (كتاب العربي) الكويت ٢٠١٤


الأشجار تعود للرقص- دار الهلال - القاهرة ٢٠١٤.


حصلت على عدد من الجوائز المصرية والعربية منها:


جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة.عن رواية لون هارب من قوس قزح.


جائزة نادي القصة عن رواية الكفة الراجحة.


جائزة دبي الثقافية عن مجموعتها من خرم إبرة.


جائزة الشارقة للثقافة والإبداع عن مجموعتها وإذا انهمر الضوء.


جائزة مؤسسة ساويرس للرواية ٢٠١٤.


تأخذ كتابتها طابع مقاومة أطروحات الواقع واقع الإنسان في بيئته المحلية (بيئة الجنوب التي تعايشها الكاتبة ) وواقع المراة في البيئة ذاتها، وواقع الكاتب في محيطه الحيوي مواجها كل مايعوق الوعي الإنساني من التقدم نحو التنوير، لذا تقف أعمالها عند زاوية رصد مساحات الوعي لمجتمع تتشكل خصوصيته عند حدود الإحاطة به .


في روايتها الأخيرة «بحجم حبة عنب» الفائزة بجائزة ساويرس للإبداع الروائي ٢٠١٤ ترسم منى الشيمي دائرة تتسع للوطن بتفاصيله الملتهبة خلال مرحلة يتحرك فيها الجميع بين هموم أساسية :همومهم الخاصة وهمومهم تجاه الوطن وهموم الوطن التي تفرضها اللحظة المؤذنة بالانفجار حال الثورة المصرية (٢٥ يونيه).


على لسان أم مصرية تحكي الرواية تجربتها مع مرض ابنها الذي يفترسه السرطان، وفي اللحظة التي تسرد فيها تجربتها مع مقاومة المرض هي تحكي قصة الوطن في لحظته الحرجة نفسها، ولا يكون الجمع بين الاثنين لمجرد أن تكشف الساردة عن لحظة تبدو تسجيلاً لمرحلة زمنية لها خصوصيتها، وإنما للوقوف على تجربة وطن بكامله يجتهد في مقاومة ما تراكم عليه خلال عقود من الزمن.


بداية النهاية


تبدأ الرواية بتعبير مختزل «مخ وأعصاب» والساردة تأخذنا للبداية التي تعرف هي نهايتها قبل الكتابة فيما يكون المتلقي في حالة انتظار دائمة لمعرفة ما ستؤول إليه أمور عملية القص وما ستنتهي به رحلة البحث عن نهاية للتجربة الإنسانية المطروحة.


والجملة في بساطتها تمثل نتيجة لرحلة سابقة، وحين تدرجها الكاتبة في موضعها فإنها تختار منطقة فاصلة بين زمنين: زمن التجربة وزمن حكايتها، بين رحلة سابقة لا تطرحها على وعي متلقيها لتجعله قادراً على استنتاج مافات وتوقُع ما سيحدث لا لأنها تريد له إعمال الذهن فقط بقدر ما تريده واعيا بما وراء هذه الأمور البسيطة لذا تدعم الجملة بما يكشف عن المرحلة القادمة :» بهذه الجملة البسيطة انتهى وجودنا عند طبيب العيون يازياد، نخرج نحن الثلاثة دون أن ننطق بكلمة، لا أنظر إليك ولا تنظر إلى أبيك، نغادر عيادة العيون إلى عيادة المخ والأعصاب فورا، نسير في الشارع لا نرى ما أمامنا، كركب مهزوم، أنا في المقدمة وأنت في الوسط وأبوك آخرنا ، لا يقوى على رفع قدميه عن الأرض « (ص ٥).


تتعاضد مجموعة الأفعال (انتهى – نخرج – نغادر – نسير ) في ترتيبها الدال للكشف عن الموقف مؤهلة الأشخاص داخل النص وخارجه للدخول في طقس الرواية، فالفعل الماضي في حالته الفردية يكشف عن حالة انتهاء ماسبقه بوصفه فعلا مركزيا مقترنا بالوجود (السابق ) والوجود في عمومه إيذانا بفرض واقع جديد (مستمر ) بما تطرحه الأفعال الثلاثة المضارعة في تشكيلها لمساحة حركة الشخصيات الأساسية في الرواية، تلك الشخصيات التي تمثل كل منها رابطة بين الشخصيتين: الأب رابط بين الأم والابن، والأم رابطة بين الأب والابن ، والابن رابط بين الأب والأم مما يجعل من الجميع دائرة شديدة الإحكام ليس للمتلقي دخولها إلا بالحلول في واحد منها وإلا فعليه البقاء خارج الدائرة ومراقبتها لمكاشفة العالم في تشكله والحياة في تتابع أحداثها.


الحوارية متعددة الأصوات


منذ الإهداء تطرح الرواية حواراً يمثل مستوى أول من مستويات الحوار النصي، الحوار مع زياد الابن الراحل : زياد ... سأخبرك عن الحياة التي كان من حقك أن تعيشها « (ص ٣ )


زياد مستقر في وعي الكاتبة أولا ومطروح على وعي الرواية ثانيا، وعلى وعي المتلقي ثالثا منتج مزيد من دوافع الوعي بالحياة نفسها من خلال شخصية تتحول – بالتدريج - من كونها مجرد ابن شأنه شأن الآلاف مثله إلى كونه رمزا له بعدان أساسيان : بُعد خاص ينطلق من الكاتبة وينسحب على كل من يشابهها أو داخل معها في التجربة ذاتها (وهم فئة كبيرة يعرف الجميع في مصر أسباب تكاثرها مما يمثل إدانة للجميع خلال السنوات الماضية )، وبعد عام يمثل هؤلاء الذين يقفون على الأعراف بين التجربة في خصوصيتها والحالة في عموميتها، وهؤلاء يعيشون الحالة من الخارج دون رصد تفاصيلها المريرة.


هنا تطرح الرواية حوارها المُركب بين أفراد الأسرة الصغيرة بوصفها بؤرة الأحداث وبوصفها تمثيلاُ للإنسان في الوطن، وحوار أبناء الوطن مع واقعهم، وحوار الذات مع نفسها حين تقف الأم موقف السارد الذي يقدم شهادته عن الحياة للابن الراحل الذي يعد المرتكز الأساسي للرواية بكاملها، فهو شخصية مقصودة لذاتها (من حيث هو ابن ) ومقصودة لغيرها (من حيث هو مواطن مصري يتحمل عبء تراكمات الإهمال سليما (حينما يصاب بالمرض ) ومريضا (حين يخوض تجربة العلاج متنقلا بين جنوب مصر والقاهرة في رحلة استكشافية تكاشف فيها الأم ابنها وتكاشف فيها الساردة متلقيها ويكتشف فيها أبناء الوطن أنفسهم حين يعثرون على الأسباب التي أفضت إلى نتائج ذات منطق خاص بها ).


والرواية في واحدة من زواياها تأخذ طابع الرحلة المكانية أولا والرحلة النفسية ثانيا والأسرة حين تتحرك عبر المكان تكشف عن تفاصيل يراها المتلقي دائما لكنه لا يعول عليها للدرجة التي تمكنه من تفاديها أو محاولة تجاوزها، ومن ثم ينتقل المتلقي من خانة ال»هو» الغائب إلى خانة «الأنا» الحاضر الشاهد على مجريات الأمور وسير الأحداث ليقف في النهاية على الصورة بكامل تفاصيلها المرئية وغير المرئية.


الجدارية السردية


على طريقة الجدارية متعددة التفاصيل والألوان دون فواصل بين التفاصيل تأتي الرواية جدارية سردية، دون وقفات من فصول تجبر المتلقي على الخروج من فصل إلى آخر مما يجعل من الرواية على طولها (٣٨٤ صفحة ) فصلا واحدا طويلا تتحكم الساردة في حركة السرد فيه من البداية حتى النهاية محافظة على سيطرتها على إيقاع الحكي طوال المساحة الزمنية للأحداث، وعلى مدار الأمكنة التي تتحرك فيها الحكايات تقيم الساردة خطين طوليين للزمان أولا والمكان ثانيا، الزمان ممتد من القديم للحديث والمكان منفتح على الوطن غير أنه يبدأ من الجنوب متحركا إلى الشمال مُنجزاً خارطة سردية خاصة بالحكاية في توالي أحداثها؛ حيث ينتقل الحكي في المكان والزمان والعالم الافتراضي والعالم الخيالي في تشكيل يمنح عملية الحكي حيويتها ويجعلها جدارية لها طابعها الملحمي، كأن الساردة راحت ترسم جدارية بحجم الوطن ووطنا بحجم حبة العنب في شفافيتها أولا، وفي صغرها ثانيا، وفي هشاشتها ثالثا، وفي خفتها رابعا، إنها نواة لوضع قدرته على التأثير في وعي متلقيه عبر أسئلة تتجاوز السؤال عن حكاية أم تحكي لابنها عما فعلته الحياة وما تبثه الوقائع عابرة إلى أسئلة عن الوطن في تاريخه الذي يتشكل في مرحلة مفصلية لها خصوصيتها وآثارها.


تجتهد الساردة في نسج الجدارية من مئات الصور المنتجة من عالمها الخاص أو واقعها العام مؤكدة قدرتها على تشكيل التفاصيل عبر مساحة الزمن الممتد وهو ما يجعل من تقنية الانتقاء أساساً في التضمين والحذف بشهادة الساردة نفسها حين تصرح :«هذه الصور لا أستطيع الاعتماد عليها في القص، لم تكن ذاكرتي نشطة لتحتفظ بالقصص كاملة» ( ص ١١) ، وهو ما يطرح نشاط الذاكرة حين تحفزها الأحداث ذات الطبيعة الخاصة لتمنحها القدرة على تشكيل هذه التفاصيل التي تخص الساردة والناس والمواطنين وتاريخ المكان وصعود المجتمع إلى حتفه مبتسما حين لا يدرك مواطن العطب ولا يتنبه لمكامن الخطر على مدار عمر الساردة / الأم / الوطن حيث الساردة تقيم عاملها بين طبقتين سرديتين : طبقة الماضي بذكرياته، وطبقة الحاضر بآلامه، في الأولى تمزج بين تاريخها بوصفها نموذجا وتاريخ الوطن بوصفه بيئتها الحاضنة ، وفي الثانية ترسم مشهدا لواقع شديد التعقيد تجتهد في فهمه أولا لتقديمه لمتلقيها لذا فإنها تجتهد في تجاوز أزمتها لتكون قادرة على التقدم في عملها « ما أجمل أن ننفصل عن الواقع باستحضار الذكريات، نبقى في الحاضر بأجسامنا فقط، مادامت المقدرة على صياغة الواقع مقيدة » ( ص ٨٦)، وهو ما يضع الساردة في النهاية (نهاية الرواية لا نهاية عالمها ) عند حدود غير محسومة وإن بدت كذلك لتدخل في حالة من الالتباس ليست مقصودة في ذاتها فالالتباس هنا ليس التباس الساردة بقدر ماهو التباس الواقع الذي تضعه بين يدي متلقيها ليكون عليه فض الاشتباك بين التفاصيل في محاولة منه لإدراك مايعيشه ولا يفهمه أو لا ينتبه إليه، الابن يغادر إلى الغردقة بعيدا عن الأطباء والساردة تستعد للسفر واضعة نهاية روايتها المفتوحة في مكان للعبور (مكان برزخي يفصل بين عالمين ويتوسطهما) ، في المطار :« لا أعي تماما إن كنت أتذكر أم أعيش لحظتي، اتركني قليلا يابني لأستغرق في أشياء أخرى، أتراجع بضع خطوات لمواجهة موظفة المطار ..................... أختم الأوراق وأخطو إلى الداخل أو إلى الخارج .. لا أعرف» (ص ٣٨٤) .