«رد قلبى» رَد ثوار يوليو على خلاعة سينما زمانهم

30/07/2014 - 1:38:48

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

بقلم: طارق سعد الدين

جاء أول تصريح عن السينما فى عهد الثورةعلى لسان اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة ونشرته مجلة الكواكب فى 11 نوفمبر 1952 وفيه تهديد ووعيد ووصف لنوعية السينما وقتها بالميوعة والخلاعة والانحناء نحو التجارة، وقال إن هذا لايمكن السكوت عليه، لأننا بذلك نسئ إلى أنفسنا ونهوى بها إلى الحضيض وندفع جيلاً من الشباب إلى الهاوية.


وهو التهديد الذى جعل السنيمائيين ينافقون السلطات الجديدة ورجالها فيعلن حسين فوزى عن فيلمه الإستعراضى (جنة ونار) بطولة نعيمة عاكف وعبدالعزيز محمود، والذى عُرض فى ديسمبر 1952 بأنه ?الفيلم الاشتراكى الاستعراضى الكبير".


وتماشياً مع التوجه الجديد للسنيما فى نفاق الثورة وضباطها يعلن انور وجدى فى حملته دعاية لفيلم «دهب» الذى عرض فى مارس 1953 "فيلم جديد ونظيف فى عهد جديد ونظيف، وعلى نفس المنوال غنى إسماعيل ياسين لمحمد نجيب مشيداً بما قام به لصالح الوطن اغنية «20مليون وزيادة» فى فيلم «اللص الشريف» الذى عرض لأول مرة فى 2نوفمبر 1953 وهو فيلم تجارى من إخراج حماده عبدالوهاب، وتأليف على الزرقانى، ومن بطولة شادية وإسماعيل ياسين ولولا صدقى.


العفريت الثورجى


وكان مجلس قيادة الثورة قد قرر تعيين الصاغ وجيه اباظه ضابط الشئون العامة بالقوات المسلحة مسئولاً عن السينما فى أوائل عام 1953، وقد بقى كذلك لعدة سنوات.


كان اول فيلم يتناول الثورة هو فيلم «عفريت عم عبده» عن قصة وسيناريو وإخراج حسين فوزى والفيلم عرض لأول مرة فى 16 فبراير 1953، وهو من بطولة ممثلة إسمها حبايب وهاجر حمدى وشكرى سرحان وإسماعيل ياسين وعبدالسلام النابلسى.


كان فيلم «الله معنا» هو أول فيلم يقدم تنظيم الضباط الأحرار سينمائياً، من خلال شخصية عماد حمدى الضابط الذى يفقد ذراعه فى حرب 1948 بسبب الأسلحة الفاسدة، ثم البدء فى تكوين تنظيم من الضباط العائدين من الحرب الثائرين على الأوضاع السائدة فى البلاد، ويساند الضباط صحفى شاب يتناول فى كتاباته موضوع الأسلحة الفاسدة، والذى يقف القصر بكل قوته ضد فتحه بسبب مشاركة الملك فى هذه الصفقات، ويدور الصراع بين الضباط والملك وحاشيته حتى ينجح الضباط فى حركتهم ضد الملك.


ثلاث ضباط


الفيلم الثالث والأهم والأشهر فى محاولة التأريخ للثورة هو فيلم (رد قلبى)، والذى عرض لأول مرة فى الأسكندرية فى ديسمبر 1957، وقد حضر جمال عبد الناصر شخصياً العرض الأول للفيلم فى القاهرة 10 ديسمبر فصناع الفيلم من زملائه فى الكلية الحربية، فالمنتجه آسيا بذكائها وجدت ان أفضل طريقة للتعبير عن الثورة سينمائياً بطريقة ترضى المسئوليين الجدد هو بالإستعانة بأصدقائهم من ذوى المواهب الفنية فجمعت يوسف السباعى، وعزالدين ذوالفقار، وأحمد مظهر وكلهم تزاملوا مع عبدالناصر فى الكلية الحربية فى دفعتى 1937و 1938.


فمؤلف قصة الفيلم هو يوسف السباعى خريج دفعة 1937 حربية وعمل ضابطاً بسلاح الفرسان.


أما مخرج الفيلم وكاتب السيناريو والحوار له فهو عز الدين ذوالفقار، تخرج فى الكلية الحربية فى 1937 ترقى فى الجيش حتى رتبة «اليوزباشى» وهى تساوى النقيب برتب هذه الأيام، إلتحق بسلاح المدفعية ولكن نجاح شقيقه الأكبر محمود ذو الفقار فى التمثيل والإخراج السينمائى دفعه للاستقالة من الجيش والعمل كمساعد مخرج مع محمد عبد الجواد فى عام 1944, وبداية من عام 1947م أصبح مخرجاً وتوالت نجاحاته كمخرج للأفلام الرومانسية.


وكان العسكرى الثالث فى الفيلم هو أحمد مظهر الولود فى 8 أكتوبر عام 1917 وتخرج في الكلية الحربية عام 1938 وهي الدفعة التي كانت تضم جمال عبدالناصر وأنور السادات وعبداللطيف البغدادي وحسين الشافعي.


أثناء الحرب العالمية الثانية كانت مهمته في الجيش رصد الألغام البحرية التي تلقيها طائرات الألمان في قناة السويس حتى يمكن تطهير القناة منها وكانت مهمة محفوفة بالمخاطر لأنه الوحيد الذي يكون موقعه خارج الخنادق أثناء القصف .


عندما قامت ثورة يوليو كان مظهر في فرنسا في الطريق إلى فنلندا حيث دورة هلسنكي الأوليمبية وكان ضمن الفريق المصري للفروسية ولأنه كان أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار فقد عينوه في منصب قائد مدرسة الفروسية وهو مازال في الخارج .


الضابط الرابع


وكان الضابط الرابع فى (رد قلبى) ضابط شرطه وكان مازال فى الخدمه أثناء تمثيل الفيلم وهو صلاح ذو الفقار شقيق المخرج عزالدين ذو الفقار.


في أعقاب تخرجه عين صلاح ذوالفقار مدرساً بكلية الشرطة، واختار سرية المستجدين ليتولى تعليم كل من يدخل الكلية قواعد السلوك العسكري وآدابه .


ونقل الضابط الشاب صلاح الدين أحمد مراد ذوالفقار إلى سجن مصر العمومي، وأسندت إليه مهمة حراسة المسجونين في قضية مقتل أمين عثمان، ومن بينهم الرئيس الراحل أنور السادات ، ونشأت بينهما علاقة كان الرئيس السادات يتذكرها ويشير إليها في أحاديث في عيد الفن.


وفي عام 1952 تطوع صلاح ذوالفقار في بلوكات النظام بمنطقة قناة السويس وتصادف أن كان في إجازة عندما حاصرت قوات الاحتلال الإنجليزي محافظة الإسماعيلية يوم 25 يناير عام 1952 ، وقد استشهد أبطال الشرطة الذين كانوا يدافعون عن مبنى المحافظة في ذلك اليوم.


أما كيف بدأ صلاح مشواره الفني ومن الذي أقنعه بالوقوف أمام الكاميرات ، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى المنتج جبرائيل تلحمي الذي أقعنه بتمثيل دور البطولة في فيلم ( عيون سهرانه) عام 1956 أمام شادية وإخراج شقيقه عز الدين ذوالفقار ، خاصة وان الدور لضابط شاب وبالفعل حصل على تصريح من وزير الداخلية بتمثيل الفيلم ، ثم حصل على تصريح آخر لتمثيل دوره في فيلم ( رد قلبي ) في نفس العام ، ولم يفكر في ترك الشرطة إلا عندما توفي والده الروحي عميد كلية الشرطة وقتها وأغراه باتحاذ القرار نجاح الفيلمين اللذين مثلهما.


الشاطر حسن


يظل فيلم (رد قلبى) هو أكثر أفلام السنيما المصرية اقتراباً من محاولات التأريخ لها وللأحداث التى أدت لها.


الفيلم حاول التأريخ لأسباب الثورة اجتماعياً وسياسياً، من خلال الوضع البائس لأسرة عبد الواحد الجناينى فى قصر احد نبلاء العائلة المالكة، ويبدأ الضباط الأحرار فى تكوين تنظيمهم بعد هذه الحرب وتكون شرارة ثورتهم هى حريق القاهرة فى 25 يناير 1952م، وتنجح الثورة ويرحل الملك عن البلاد، والطريف أن مشهد مغادرة الملك فى الفيلم وهو مشهد تمثيلى هو المشهد الذى يظهر فى كل الوثائقيات التى تتناول هذا الحدث، لأن المشهد الحقيقى لمغادرة الملك للبلاد لم يتم تصويره.


والفيلم مستلهم من قصة الشاطر حسن فى الفلكلور الشعبى، حيث يقع خولى الجنينة فى حب بنت الأمير.


ومرت سنوات كثيرة حتى ظهر فيلم «غروب وشروق» الذى تدور أحداثه فى الشهور الأخيرة التى سبقت الثورة ومهدت لها، فيبدأ من نهاية إخماد حريق القاهرة فى 25 يناير 1952م، حيث رئيس البوليس السياسى عزمى باشا ( محمود المليجى فى الفيلم) الذى يبدو مسيطراً على الموقف الداخلى فى البلاد، ولكن محاولته إخماد فضيحة خيانة ابنته الوحيده «سعاد حسنى» لزوجها «إبراهيم خان» بقتله وتزويجها لمن خانت معه زوجها «رشدى أباظه»، يجعله يضع جاسوساً عليه وعلى أنشطته فى بيته، مما يؤدى لغضب الملك عليه وعزله قبل ثورة يوليو بساعات.


الفيلم من إخراج كمال الشيخ وعن قصة لجمال حماد أحد الضباط الأحرار وكاتب بيان الثورة، والمؤرخ العسكرى بعد ذلك وصاحب كتاب (أطول ليلة فى تاريخ مصر) عن ثورة يوليو، وقد كتب السيناريو والحوار للفيلم رأفت الميهى.