دموع الأقوياء

25/09/2015 - 10:42:31

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

أنت رجل لا تبكي، كلمة أستاء بشدة عندما أسمعها، إنها تلقين سلبي يؤدي إلى شخصية يصيبها التوتر فيما بعد في مشوار الحياة، من قال إن الرجل حجر؟ لماذا نزرع في عقولهم هذه الأفكار التي تؤثر على خريطتهم الانفعالية فيما بعد؟ الدموع، هذا السائل البللوري النبيل ما هو إلا رسالة من المخ للغدد الدمعية ناتجة عن انفعالات داخلية مثل الحزن والندم والألم والفرح أحيانا، هل يخلو إنسان من هذه الانفعالات؟ وعندما يلبي نداء مشاعره يصبح موصوما بأنه ليس رجلا؟ وأين نحن مما قاله سيدنا علي بن أبي طالب"ما بكت عين إلا ووراءها قلب" يعني هذا أن الدمعة استجابة لمشاعر قلب، تذرف من إنسان يمتلك قلبا، فهل نصر أن يصبح الرجل كيانا بلا قلب ثم نحاسبه على جمود مشاعره؟ ماهذه الازدواجية التي نعامله بها؟ الدموع ذرفتها أعين نبيلة، أعين قوية، وأحيانا أعين لبشر اتصفوا بالشراسة، ليست حكرا على أحد ولا ينبغي أن نحرم منها أحدا، الدموع تساهم في انخفاض ضغط الدم لمن يتعرض لصدمة أو مفاجأة أو محنة، وهي تحمي القرنية وتعالج الاكتئاب، ومن لا تدمع عيناه يصاب بجفاف العين، لا يوجد إنسان لا يبكي، لكننا بانتقادتنا لدموع الرجل نجعله يكتمها في أحرج الأوقات فيصاب بأمراض كان من الأفضل أن نحميه منها، وينتهز الفرصة لبيقى وحده فيذرفها، فنعوده على ازدواجية التصرف، هل هذا ما نبغيه؟!


****


قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله"، هو اعتراف بالدموع بل وبقيمتها أيضا، وخشية الله عندما تبكي إنسانا فهي تؤكد أن هذا الإنسان إنما يمتلك قلبا نابضا ونفسا راقية، ولم يقتصر الأمر على الخشية فقط، بل أن الحبيب المصطفى بكى في أكثر من موقف، بكى عندما استشهد ابن عمه حمزة رضى الله عنه، وبكى عندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، بكى عندما مات صغيره إبراهيم عليه السلام، فسأله عبد الرحمن بن عوف: تبكي وقد نهيتنا عن البكاء؟ فرد عليه قائلا:"إنما نهيت عن النوح، أما هذه- يعني دموعه على فراق صغيره- رحمة، ومن لا يَرحم، لا يُرحم"، معنى هذا أن بكاء الحزين على فقد من يحب ليس ضعفا ولا اعتراضا لكنه رحمة، النبي يعقوب عليه السلام هو أيضا بكى على ابنه يوسف عليه السلام حتى ذهب بصره، يعني هذا أنه لم يبك يوما ولا يومين، لكن هزمه حزن الفراق رغم أنه نبي ويعرف معنى كلمة قدر الله وما شاء فعل، الدموع لا نخترعها هي تأتي لنعزف عليها سيمفونية حزننا ولا حيلة لنا فيها.


*****


سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه بكى من الألم، عندما هاجر مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا في الغار، وضع الرسول رأسه الشريف على فخذ أبي بكر ليستريح قليلا فنام على وضعه هذا، لاحظ أبو بكر أن في الغار فتحة قد يأتي منها ثعبانا أو حشرة تؤذي الحبيب المصطفى، فمد رجله ليغلق الفتحة بكعب قدمه، وبالفعل لدغ الثعبان كعب أبي بكر فكان الألم شديدا، وضع أبو بكر كم ثوبه في فمه حتى لا يأتي بأي صوت يوقظ الحبيب النائم، لكنه ولأنه إنسان لم يتحمل الألم فعبرت دموعه عن ألمه، سقطت هذه الدموع على وجه الحبيب فصحا من غفوته، وسأل أبا بكر عما يبكيه وعرف السبب فقام بعلاجه، هذه دموع الألم، سيدنا عمر بن الخطاب، الفاروق رضي الله عنه كان هناك حدث كلما تذكره بكى، وهو مواجهته لشقيقته التي أسلمت دون علمه، ولم يكن وقتها قد دخل الإسلام، هذه المواجهة التي أسفرت عن لطمة على خدها لطمة شقت أذنها، كلما تذكر هذه الواقعة بكى، هذه هي دموع الندم.


****


الأمر ليس قاصرا على الأنبياء على أساس أن قلوبهم تحمل كل المشاعر النبيلة، ولا على الأتقياء على أساس أن الله وضع الرحمة في قلوبهم، بل هناك من الشخصيات التي حيرت العالم بشراستها أحيانا وطغيانها أحيانا بكت عيونهم، نيكولاي تشاوشيسكو، طاغية رومانيا الذي عرف بإجرامه في حق شعبه ومعارضيه، بكى كما يبكي الأطفال عندما تم اقتياده لتنفيذ حكم الإعدام، نفس الشىء حدث مع موسوليني الذي عاث في الأرض فسادا ولم يترك خطأ إلا ارتكبه، ولم يجد ظلما إلا اقترفه، إنها دموع الخوف، دموع الرعب، وهذا هو هتلر، ماذا قال في مذكراته؟ قال إنه بكى كثيرا لكنه كان يحرص ألا يراه الآخرون وهو يبكي حتى لا تهتز صورته، كان يذهب إلى مكتبه ويبكي كما يبكي الأطفال، بكى عندما انهزمت ألمانيا على آبواب ستالينجراد، بكى عندما تراجع الألمان في نورماندي، وبكى عندما مات رومل، إنها دموع الخسارة، أما نابليون بونابارت فقد بكى وهو يودع مصر، وبكى على سفينته إيطاليا التي كان يتفاءل بها عندما أغرقتها المقاومة المصرية، إنها دموع الحسرة.


*****


أنواع الدموع كثيرة من ألم لحسرة لغيظ لإحساس بالظلم، لحزن، لفرح، كثيرة هي الأسباب، وتبقي أنبل الدموع هي دمعة  خشوع لله عز وجل، ودمعة حزن لفراق حبيب رحل عن عالمنا، يستوي في هذا الرجل والمرأة فاطلق عنان مشاعرك أيها الرجل ولا تعبأ بمن يحاول إشهار الإشارة الحمراء في وجه إنسانيتك، ففي ندوة علمية عقدت بالبرازيل في فترة ماضية أكد العلماء أن مقولة الرجال لا ينبغي أن يبكون ساهمت بشكل كبير في نقص مناعة الرجل ضد الأمراض الجسدية منها والنفسية، شخصيا أنصح بأن ندرب أنفسنا كبشر رجالاً كنا أم نساءً ألا نهدر أنفسنا بالبكاء أمام الآخرين وأن نعود أنفسنا على الثبات الانفعالي واستثني من هذا دموع الحزن ودموع الخشوع ودموع الفرح، فهي دموع الأقوياء.