سينما خدش الحياء .. سبوبة العيد

25/09/2015 - 10:38:14

محمود عبد العزيز ويحيى الفخرانى محمود عبد العزيز ويحيى الفخرانى

كتب - طاهر البهي

كل عيد تنهال علينا الإعلانات في كل الوسائل من الطرق إلى القنوات الفضائية والأرضية تبشرنا بحلول "هلال" الأفلام السينمائية الجديدة وكأنها مفاجأة صكت خصيصا لنشعر معها بفرحة العيد، وأول من يقع في الفخ المنصوب بعناية هم الأطفال والمراهقون الممتلئة جيوبهم بالعيدية؛ وما هي إلا دقائق من دوران الشريط السينمائي حتى يكتشفوا "اللغم" فيتجاوبوا مع المشاهد المؤذية التي تحتوي على إيحاءات جنسية فجة، فيما تبكي غالبية "البنات" بين صفوف مقاعد العرض.


هذه الظاهرة لها نظير في تاريخ السينما المصرية، صحيح أنه تاريخ لا يمتد لأكثر من عقدين أو ثلاثة، وأن معظم الشتائم والإيحاءات الفجة التي جاءت في سينما العقد الثاني من الألفية الثالثة جاءت بشكل أو بآخر في أفلام أخرى ملونة أو أبيض وأسود.. بعضها يسب الآباء "يا أولاد الـ ...." وبعضها يداعب بلفظ عابر مثل "يا حيوان"!


الظاهرة إذن قديمة/حديثة، وإن كانت تستحق التوقف أمامها ليس بغرض "المحاكمة" ولكن بهدف وضعها في مكانها الطبيعي في مشوار السينما المصرية الرائدة.. ورصداً لظاهرة نرفضها ولا نقبلها حتى قبل مناقشة وفهم لدوافعها.


محمد هنيدي: كامننا


إذا تكلمنا عن ظاهرة ما سينمائية فيجب علينا أن نعرف مسبقاً أن للسينما اتجاهات قد تكون كوميدية أو غنائية أو تاريخية أو واقعية أو رومانسية إلى آخر هذه التقسيمات.


وكل حقبة زمنية تشهد "موجة" محددة تكون هي الغالبة على نوعية الإنتاج السينمائي، ففي البداية - بداية الثلاثينيات مثلاً - كانت السينما الغنائية التي جاءت على أكتاف أساطين الغناء بشعبيتهم الجارفة، ثم طغت الكوميديا على إنتاج الأربعينيات خاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهور طبقة أغنياء الحرب أو الأثرياء الجدد كمشاهدين للسينما، وفي الخمسينيات كانت الرومانسية هي السائدة ـ مع العهد الجديد الذي بشرت به الثورة المصرية واهتمامها بالطبقة الوسطى المثقفة، ثم أعقب ذلك الإنتاج الرصين في الستينيات، ثم أفلام المقاولات ـ الإنتاج الفقير ـ مع الانفتاح والفيديو كاسيت إلى أن عادت دورة الكوميديا لتكون في مواجهة الأزمات الطاحنة للحياة اليومية للمصريين، والتي لا تزال تطل برأسها بين فيلم وآخر.


ونستطيع أن نرصد ظاهرة تدني الحوار في حقبة السبعينيات من خلال ما اصطلح على تسميته بأفلام المقاولات والمخدرات ذات الإنتاج الصغير إلى أن خف صوت السينما المصرية تدريجياً ليعود مجدداً منذ النصف الثاني من التسعينيات الذي شهد عودة قوية للطابع الكوميدي بأفلام ذات إنتاج محدود لعل أشهرها "إسماعيلية رايح جاي" فيلم الانطلاق لمحمد هنيدي والذي تضمن عنوان أغنية لا معنى لها: "كامننا" لمؤلفها الشاعر الساخر عنتر هلال.


السينما الشبابية:


وعندما نتحدث عن الألفاظ والعبارات الغريبة في الإنتاج السينمائي لابد وأن نقرر قاعدة بديهية منطقية مفادها أن السينما في الحقيقة هي مرآة للواقع، وهي ضمير المجتمع لذلك لا ينبغي أن نطبق هذا الكلام على السينما دون النظر إلى الواقع وأن نكون صرحاء مع أنفسنا لنتبين أن لغة الشباب أصبحت لها قاموس مختلف عن الجيل الذي سبقه، ومن البديهي أيضا أن تعبُر السينما الشبابية وهذا مصطلح واقعي جداً لما تمثله السينما حالياً فأبطالها من الشباب وروادها أيضا منهم غالباً.


صدمة حنان ترك:


          لا يجب أن ننتظر أن يكتب سيناريستو هذا الجيل نفس ألفاظ وكتابات الرواد مثل يوسف جوهر ونجيب محفوظ أو حتى السيد بدير أو العبقري أبو السعود الإبياري في الأفلام الكوميدية التي قدموها للسينما المصرية، فلم يصل أحدهم إلى عبارة وردت على لسان النجمة حنان ترك في فيلم سهر الليالي " أنا زبالة قوى"!! رغم أن العمل لسيناريست واعد هو تامر حبيب.. ومرت العبارة مرور الكرام!


سينما الأحلام


كان هناك من يجمل الواقع باسم سينما الأحلام لدرجة أنه في بعض الأفلام السينمائية كان المخرج يقوم بعملية غسيل للأشجار قبل تصوير مشهد عابر، ولنا أن نتخيل أن يحدث هذا في فيلم أبيض وأسود، بإمكانك أن تطلق على هذه النوعية (سينما الأحلام) من خلال شاشة فضية رومانسية بيضاء بلون الأحلام وأصحاب هذه المدرسة يرون أنهم يأخذون بيد المشاهد بهدف الارتقاء به لحوار غاية في الرقي بأقلام نجيب محفوظ ويوسف جوهر وعمالقة الأدب.


سميرة أحمد:


عبرت النجمة القديرة سميرة أحمد عن استيائها من الألفاظ والعبارات والجمل التى تتضمنها الكثير من الأعمال التي تقدم حاليا، وأعربت عن صدمتها في الحوارات بين الأم وأولادها والتي وصفتها بالمتدنية وترحمت على نجوم الكتابة المحترمة في الدراما التليفزيونية على سبيل المثال، ولعل أبرز كتابها السيناريست الراحل المبدع أسامة أنور عكاشة الذي يكتب بلغة فصيحة ولا أقول فصحى.. وجمل ترتفع بالمشاهد إلى مستوى المباريات الفكرية.


ولكن هناك من يرى نقل الواقع كما هو وهي مدرسة عريقة بدأت في السينما المصرية على يد عمالقة المدرسة الواقعية ورموزها بداية من المخرج كمال سليم إلى صلاح أبو سيف ثم تلميذه الواعي عاطف الطيب، بدءا من العزيمة إلى الفتوة إلى سواق الأتوبيس، ومن فرط الصدق في هذه الأعمال الواقعية أرغمت الرقابة على التغاضي عن جمل حوارية معينة وصلت إلى حد السب باعتبارها جزء من ثقافة الشخصية.


العار والكيف:


          ما سبق لا يمنع وجود طريق آخر سلكه البعض وهو اختلاق الألفاظ والعبارات الغريبة بهدف تجاري بحت، كأفلام السيناريست المعروف "محمود أبوزيد" خاصة في فيلمي "الكيف" و "العار" بطولة النجم الكبير الراحل نور الشريف، فجاءت عبارات مثل " فيش الهوامش" بل وحتى الأسماء الغريبة للأشخاص مثل "أبو دأشوم والدفاس" والغناء للقفا، وغيرها بل وزحفت هذه اللغة إلى الأغاني - أقصد أغاني الأفلام - فجاءت "الكيمي كيمي كيه.. والكيمي كيمى كاه.. سقف للكيميا يا بيه" من فيلم "الكيف"، و"كامننا" في فيلم إسماعيلية رايح جاي الذي فتح الطريق أمام ملايين الشبابيك التي ذهبت لأفلام صغيرة إنتاجياً ومحدودة النجوم المشاركين فيها.


دعونا نقول إن ما نرفضه تماماً في هذه السيناريوهات هو لغة السباب والألفاظ السوقية والعبارات الخادشة لأطفالنا وللأسرة المصرية بشكل عام، ويحضرني في هذا ما قاله لي عالم من علماء اللغة العربية الدكتور مهدي علام - نائب رئيس مجمع اللغة العربية الأسبق - قبل رحيله بقليل: يا بني لماذا تسبون أولادكم في المسلسلات والأفلام، أما نحن فقد كانت جدتي تقول لي عندما تغضب منى: "روح جتك الهنا"...!


لبنى عبد العزيز:


وهو نفس المعنى الذي شددت عليه النجمة الكبيرة الفنانة لبنى عبد العزيز حينما قالت لي: لقد صدمت عندما أتوا لي ببعض الأفلام الحديثة وقالوا هذه أنجح الأفلام التجارية في الأعوام السابقة، وهالني ما وجدته من حوارات مسفة هابطة إلى أقصى درجة.. شتائم وجنس ومخدرات.. يومها سألت: "لماذا تفعلون هذا بشبابنا، لقد كنا نتسابق للفوز بقصص عظماء الأدب والرواية لنقدم لغة يحترمنا بها الجمهور.