المثقف الموسوعى.. وزيراً

22/09/2015 - 1:11:03

  النمنم فى مكتبه وزيراً للثقافة النمنم فى مكتبه وزيراً للثقافة

بقلم - أحمد النجمى

حدث من قبل.. أن تم اختيار “مثقف موسوعي”، وسنشرح معنى هذا الاصطلاح فى سطور قريبة، لشغل منصب “وزير الثقافة” فى الحكومات المصرية المتعاقبة، ينطبق هذا الوصف فى حقيقته.. على د. ثروت عكاشة، الذى شغل المنصب نفسه فى الستينيات، وحقق فيه الكثير على أرض الواقع.. شكّل - ولايزال - قيمة خاصة، أثرت المنصب، بل أصبح عكاشة فى حقيقة الأمر أكبر من المنصب ذاته.. والكاتب الكبير والمحقق والمؤرخ والمثقف الموسوعى “حلمى النمنم”، الذى تم اختياره وزيرًا للثقافة وحلف اليمين أمام الرئيس عبدالفتاح السيسى صباح السبت الماضى، قد يصل إلى نفس المكانة، إذا ساعدته الظروف، ظروف المكان والزمان سواء بسواء!


فأما ظروف المكان.. فوزارة الثقافة ليست مكاناً يقع خارج دولاب الدولة المصرية، تلك الدولة التى صار “الفساد” فيها جزءًا أساسياً من المعادلة، لا تختلف حقيبة الثقافة عن سائر الحقائب الأخرى فى هذا الشأن.. وزارة الثقافة لا تسكنها الملائكة، بل البشر.. وهم يخطئون، ويرتكبون جرائم فى بعض الأحيان، جرائم متصلة بالمال العام، وجرائم - فيما يتعلق بوزارة الثقافة - متصلة بالعقل المصرى والروح المصرية، وزارة الثقافة - تحديدًا - لها حساسيتها فى هذا الشأن، بل لا نبالغ إذا قلنا إن توجه وزارة الثقافة، هو مرآة صادقة لتوجه الدولة ومنطلقاتها الفكرية الحقيقية.


من هنا فلا عجب وراء اعتصام المثقفين ضد وزير الثقافة الإخوانى “علاء عبدالعزيز” حتى أسقطوه - بل سقطت دولة “المحظورة” كلها فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ المجيدة - فقد خشى آلاف المثقفين المصريين على العبث بهوية الدولة المصرية وقالبها الفكرى، ولا عجب أيضًا وراء وقوفهم ضد د. عبدالواحد النبوى - وزير الثقافة السابق - خشية تحويل مسار الوزارة إلى اتجاهات لا تحمد عقباها.. !


إذن فوزير الثقافة الجديد - أى وزير ثقافة، لا النمنم وحسب - عليه التصدى لهاتين المهمتين، أو عليه أن يقوم بعمله فى ضوء هذين المبدأين: التصدى للفساد المالى وخراب الذمم الذى لا نرمى به جميع العاملين بالوزارة، بل نعلم أن فيهم شرفاء كثيرين، وكذلك الحفاظ على هوية الدولة المصرية، وإبعاد الثقافة الوطنية عن كل ما قد يعلق بثوبها من الأدران الفكرية!


وهذا هو الفارق بين د. عكاشة والنمنم.. الفرق فى الظرف التاريخى لتولى كل منهما هذه الحقيبة!


ثروت عكاشة شغل منصب وزير الثقافة أكثر من مرة.. الأولى ١٩٥٨ - ١٩٦٢، وكان اسمها وزارة الثقافة والإرشاد القومى.. ثم فى المدة ما بين ١٩٦٦ و١٩٧٠، فضلًا عن مناصب ثقافية محلية ودولية متعددة.. أما حلمى النمنم فيشغل المنصب رسمياً منذ ١٩ سبتمبر ٢٠١٥، عكاشة كان وزير ثقافة جمال عبدالناصر، والنمنم وزير ثقافة السيسى، عبدالناصر زعيم من عصر الحرب الباردة، حين كان ممكنًا للرئيس أن يملك جميع السلطات بموجب شعبيته الكاسحة، وقد كان ناصر فعلًا صاحب شعبية كاسحة، كان عصره عصرًا تتوافر فيه فكرة المشروع القومى الكبير، الذى يجب أن يكون فيه للثقافة نصيب وافر من الأهمية، فهى - هنا - رأس حربة فى مواجهة الرجعية، التى تحاول الانقضاض على المشروع الناصرى، وقد كانت فترة جمال عبدالناصر فترة الحلم القومى الكبير، والتوجه الاشتراكى، والمشروعات القومية العظمى، وقد جاء د. ثروت عكاشة خير تعبير عن هذه الأركان الثلاثة للدولة المصرية.. فعكاشة هو المثقف الموسوعى الكبير، الذى جاء من المؤسسة العسكرية، ولم يكن اختيار ناصر له عبثًا.. هو يعرفه جيدًا، كان عكاشة من تنظيم الضباط الأحرار الذى تزعمه ناصر لإسقاط أفسد ملك عرفته مصر.. فاروق، وحين تولى الوزارة، قاد ثورة ثقافية حقيقية، ترجمت ٢٣ يوليو المجيدة إلى واقع، واقع يقرؤه الناس، ويشاهده الناس، ويتذوقه الناس، فى الكتاب المطبوع والرواية والقصة القصيرة والمسرحية والفيلم والفن التشكيلى.. وخرجت مئات المواهب من تحت يديه لتسطع أنوارها الثقافية، وأوجد حركة ثقافية مصرية جديدة، نفتقدها إلى الآن.. !


حلمى النمنم، يشغل المنصب للمرة الأولى.. فهو عضو - وزير - فى حكومة المهندس شريف إسماعيل التى جاءت ترفع مبادئ التطهير، ومكافحة الفساد، وإنجاز العدالة الاجتماعية، ودفع المشروعات القومية إلى الأمام، وهى وزارة فى عصر عبدالفتاح السيسى، هنا نتوقف قليلًا لنلمس الاختلاف التاريخى فى ظروف شغل عكاشة والنمنم للمنصب.. فعصر السيسى يحمل شعار الشرعية الدستورية، الرئيس لديه شعبية كاسحة، تحيل المتأمل لها إلى شعبية جمال عبدالناصر، نعم.. لكن الرئيس السيسى منتخب انتخابًا حرًا مباشرًا، وجاء عقب ثورة شعبية هائلة أطاحت حكم المحظورة - ٣٠/٦ - وعقب دستور محترم أقره المصريون بأغلبية كاسحة.. إذن، العصر اختلف.. فهل صار مطلوبًا وزير ثقافة يوجد مناخا تعبوياً كالذى أوجده عكاشة؟ هل المطلوب من النمنم هو نفسه ما كان مطلوبًا من عكاشة؟ لا أظن هذا، العصر اختلف.. وتعبئة المثقفين المصريين لم تعد واردة، بل لهم أن يختلفوا كيف شاءوا فيما بينهم، أو مع وزير الثقافة ذاته، أو حتى مع الدولة، ما دام هذا الخلاف لن يكون متصلًا بالإرهاب.. المثقف المصرى ليس فقط متحدًا مع الدولة فى معركتها ضد الإرهاب، بل هو أكثر جذرية وشراسة منها فى الحرب ضد الإرهاب.. يتبقى إذن، فتح الأبواب أمام المثقفين المصريين لكى يطلقوا إبداعاتهم المتنوعة، وليغردوا.. داخل السرب أو خارجه، لا فرق.. التنوع مطلوب والاختلاف مكفول، لكن بقى أن نقول ان مشروع السيسى للدولة المصرية، يتطلب ليس فقط ضخ الثقافة بل استقبالها أيضًا، ليس فقط إنتاج الكتب والمسرحيات والأعمال الفنية، بل استكشاف المواهب فى شمال الريف وجنوبه، لأن هذه المواهب، هى الرصيد الحقيقى للدولة المصرية، سواء فى حربها ضد الإرهاب، أو ضد الفساد، أو فى خططها الاقتصادية - الاجتماعية التى تسعى إلى تنفيذها.. !


التشابه فى أمر واحد فقط بين عكاشة والنمنم.. مصطلح المثقف الموسوعى، وهو ذلك المثقف الذى يلم بأطراف الثقافة من جوانب عدة، كلاهما وثيق الصلة بالتاريخ، عكاشة من أهم الكتاب - على مستوى العالم - فى تاريخ الفن، والنمنم من أهم الكتاب الذين رصدوا فكرة الدولة المدنية فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر.. ولكى يتمكن المثقف من هذا التخصص تحديدًا، لابد له من الإلمام بعلوم السياسة، والاقتصاد، والفلسفة، فضلًا عن امتلاكه قلمًا رشيقًا.. وقدرة خاصة على التغيير والحق أن النمنم يملك قلمًا رائعًا، طالما أمتع به قراءه فى الصحف والمجلات على مدار ما يقترب من ثلاثين سنة تقريبًا، وهو - بخلاف عكاشة - عمل بالصحافة زمنًا طويلًا، ثم صار رئيسًا لدار الكتب، ومؤخرًا جمع بينها وبين هيئة الكتاب، بعد أن أنهى الوزير السابق عبدالواحد النبوى تعاقد الوزارة مع أحمد مجاهد.. !


عاش هذا الوزير - حلمى النمنم - بين جنبات دار الهلال، المؤسسة التى نعتز بها، ونعمل فيها، سنين طويلة.. كان مشهورًا بأن مكتبه بمجلة «المصور» فيه آلاف الكتب، ولطالما استعرنا منه عناوين مهمة، بعضها لم نرده إليه، كان مفرطًا فى الكرم فى التبرع بالكتب، لم يفهم كثيرون أن هذا الكرم ليس فقط كرمًا، بل هو فى حقيقته رسالة.. المثقف الحقيقى يسعد - بشدة - حين يكون سببًا فى تنوير الآخرين.. كان النمنم رجلًا خلوقًا دمثًا مهذبًا، منعزلًا إلى حد ما.. وهو هنا بيننا فى دار الهلال، إنها عزلة المثقف الشهيرة، المهموم بالتفكير فيما وراء الأشياء، فإذا فاجأته بدخول مكتبه، وتجاذبت معه أطراف الحديث فى أى موضوع، أفاض النمنم فى هذا الموضوع إفاضة تدهش من لا يعرفه حق المعرفة، ولا تدهش من يعرفه.. إنه - النمنم - يشكل وجهة نظر كاملة فى جميع الأمور التى يسمع عنها، ويحتفظ به لنفسه، فإذا طلب أحدهم النصيحة منه، فاجأه بنصيحة شاملة كاملة دقيقة، من الصعب جدًا التفريط فيها.. !


إذن.. فالنمنم يجمع بين الروح الإنسانية الجميلة، الودود، التى تزن الأمور بميزان دقيق، وبين القدرة على خوض حرب حقيقية عاجلة ضد الفساد، ولصالح الثقافة فى مصر.. الأمر كله يتوقف على قدرته على إدارة الأمور فى دولاب الوزارة، تلك الإدارة التى نتمنى له فيها كل توفيق، ويتوقف كذلك على حسن اختيار لمعاونيه، ونثق بأنه سيحسن الاختيار، ولكن المشهد الثقافى - برمته - فى حاجة إلى الانتظار قليلًا، ريثما يرتب المثقف الموسوعى حلمى النمنم أوراقه، ويبدأ فى عرضها على الرأى العام، ونتمنى له كل توفيق، لأن هذا التوفيق لن يكون من نصيب صديق عزيزًا فقط، بل لأنه أيضا سوف يخدم الوطن كله فى معركة فكرية ضروس، يشتبك فيها هذا الوطن بالفعل فى هذه المرحلة.. !