مصر بين ثورتين

30/07/2014 - 1:10:22

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

بقلم : رجــــائى عطية

تهب هذه الأيام أنسام الاحتفال الثانى والستين بذكرى ثورة يوليو 1952 ، بينما احتفلنا من أيام بالذكرى الأولى لثورة 30 يونيه 2013 .. وقد قيض لى أن أعيش الثورتين ، استقبلت أولاهما وأنا فى الرابعة عشرة من عمرى ، وعشت معها ولازلت أعيش حتى عشت مقدمات الثورة الثانية .. ومع أنه بين الثورتين واحد وستون عامًا؟ إلاَّ أن بينهما قرابة تورى بالعديد من أمارات الاتفاق بينهما ، وإن لم تبلغ حد الانطباق .. وإن اتفقتا فى الأهداف والغايات ، وفى التطلعات والآمال .


يجمع بين الثورتين ، أنهما مع اختلاف تفاصيل الفصول والمشاهد باختلاف الزمن والظروف ، أنه قد التأم فيهما شمل الجيش والشعب .. فى كل من الثورتين حمل الجيش المصرى مسئوليته فى حماية المصير الوطنى ، كما حمله عبر التاريخ فى صفحات مجيدة كان هو فيها الدرع والحصن والأمان .


وتتفق الثورتان ، فى أن حضور الجيش فى كل منهما، قد اقترن بحضور الشعب وإن اختلف الترتيب واختلفت الفصول والمشاهد .. فى 23 يوليو 1952 تقدم الجيش ليحدث بنفسه ما آمن ضباطه الأحرار بأنه واجب التغيير ، فاستقبله الشعب بالترحيب الذى تحول إلى احتضان جعل من حركة الجيش ثورة .


وفى 30 يونيه 2013 ، تقدم الشعب ثائرًا بنفسه ، طالبًا التغيير ساعيًا إليه، وعيونه على جيشه طالبًا منه أن يثور ، ومن قبل المشهد الشعبى الرائع فى الثلاثين من يونيه .. ويلح ويمعن فى الإلحاح عليه أن يثور على نظام حكم طال عواره جميع الميادين وقلب حياة الناس إلى جحيم ، حتى إذا ما وصلت الرسالة أن تقدم الجيش يعطى الفرصة للمتربصين بمصر لتصوير الأمر على أنه انقلاب عسكرى ، قنع الناس وكنت شاهدًا على ذلك فى احتفالية أعياد سيناء بمسرح الجلاء ، وفى مناورة الفرقة التاسعة المدرعة بدهشور ، بأن يتقدم الشعب للعالم بثورته ، وأن يقنع من قواته المسلحة بأن تحميه وتحمى ثورته من قوى الظلام المتربصة ، ومن ميليشياتها المسلحة التى ألقت بالوطن على مدار عام من توليها دست الحكم فى «غيابات» ودوائر جهنمية لممارسات غير مشروعة وغير عاقلة ، أرادت بها أن تختطف مصر من بنيها، مثلما خطفت 25 يناير 2011 ، وأن تسخر الوطن لفصيلٍ وظهرائه، وتهدم كل أسس الشرعية والدولة الدستورية وأصول الحكم التى اتفقت عليها الشرائع والقوانين الوضعية على السواء .


ثورة 23 يوليو 1952، بدأت بحركة للجيش حماها الشعب واحتضنها حتى صارت باندماجه فيها ثورة ، وثورة يونيه 2013 ثورة شعب هب وانتفض ، حماها الجيش وحرسها حتى وصلت كلمتها إلى أسماع العالم ، وفرضت إرادتها ، وأعادت مصر إلى شاطئ الأمان بعد الأهوال التى عاشتها على مدار نيف وعام !


الجيش المصرى ، القاسم المشترك فى الثورتين ، الحائز على لقب خير أجناد الأرض ، بتوصيف نبوى شريف لجند مصر ـ هو أقدم جيش نظامى عرفه التاريخ ، ومنذ تكونه من أكثر من خمسة قرون قبل الميلاد ، وهو يسطر صفحات مجيدة فى انتصاراته ـ بل وفى انكساراته أيضًا ـ فى حماية مصر وشعب مصر . هذه الصفحات المشرقة الوضاءة ضاربة فى أعماق التاريخ .. من خمسة قرون قبل الميلاد، وإلى القرن الحادى والعشرين بعد الميلاد.


كان الجيش المصرى ولا يزال ، عدة مصر وحصنها ودرعها .. به انتصرت مصر وتوحدت فى عهد مينا فى القرن الرابع قبل الميلاد ، وظل منذ هذا التاريخ درع الوطن وحارسه وأمانه .. صد غزوات «الهكسوس»، وطردهم من مصر ، فى القرن السادس عشر قبل الميلاد ، بقيادة العظيم أحمس الأول رأس الأسرة الثامنة عشرة ، وحقق نصرًا أسطوريًا بقيادة أعظم الملوك تحتمس الثالث فى معركة مجدو» التى جرت بفلسطين سنة 1468 ق.م ، وهزم الحيثيين نحو سنة 1274 ق.م فى معركة «قادش» على نهر العاصى بالشام بقيادة رمسيس الثانى ، وهو هو ـ هذا الجيش الباسل ـ الذى اضطلع بالعبء الأكبر فى معركة «حطين» (1187م).. أم المعارك ، بقيادة الناصر صلاح الدين ، وأجلى الصليبيين عن بيت المقدس .


وهو هو الجيش الباسل ، الحامى لوطنه ، الذى انتصر نصرًا مؤزرًا عام 1221م فى معركة دمياط على الحملة الصليبية الخامسة فى عهد الملك الكامل الأيوبى ، ثم لم تكد تمضى ثلاثون عامًا ، حتى تصدى للحملة الصليبية السابعة ، وحقق سنة 1250 م نصرًا كبيرًا فى معركة. المنصورة التى بدأت رحاها وقد أسلم الملك الصالح نجم الدين أيوب الروح ، وأخفت شجرة الدر الخبر حتى لا تفت فى عضد الجيش الذى لم يخيب ظن شعبه ، وانتصر فى المعركة انتصارًا هائلاً .. وأخذ الملك لويس التاسع ليوضع أسيرًا فى دار ابن لقمان بالمنصورة.


ومن معركة المنصورة عام 1250م ، إلى معركة «عين جالوت» سنة 1260م ليصد غائلة المغول ويرد التتار عن الشام ومصر ، بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس .


حتى فى أيام الانكسارات ، كان هو الدرع الذى يصون الشعب ويحميه ويدفع عنه ، خاض مع قنصوه الغورى معركة «مرج دابق» ضد السلطان سليم الأول والعثمانيين فى أغسطس 1516م ، ومعركة «الريدانية» بقيادة طومان باى فى يناير 1517 م ـ وكان هو الدرع الواقىة فى ضرب الإسكندرية وحصارها فى مارس 1810م ، وفى معارك العرابيين ضد الغزو الإنجليزى حتى معركة التل الكبير ـ آخــر معــــارك العرابيين ـ عام 1882 م.


من قبل الحملة الفرنسية (1798 م ) ، إلى ما بعد الثورة العرابية ( 1881 م ) ، ومصر وشعبها فى حبات عيون الجيش المصرى ، وظل أحد أركان الكفاح «الرباعية» التى تشكلت منه ومن الشعب والأزهر والكنيسة .. كان إلى جوار الشعب فى «ثورة القاهرة» الأولى ( 1798م ) ، وفى الثورة الثانية ( 1800م ) التى فى أعقابها قُتل الجنرال كليبر ، ثم فى الثورة الثالثة ( 1804/1805 م ) التى انتفضت على حكم المماليك ثم على حكم الوالى التركى ، ثم فى الثورة العرابية ( 1881 م ) فى مواجهة السراى والحكم الاستبدادى الذى كان يعصف بالبلاد .


هذا الجيش الباسل ، هو الذى تصدى لحملة «فريزر» الإنجليزية على مصر سنة 1807 م ، وخاض المعارك المظفرة فى الحجاز والسودان واليونان والمورة والشام ، وفى المكسيك .. وهو هو الذى وقف وخاض المعارك لحماية مصر والعالم العربى من الاحتلال الصهيونى الاستيطانى ، وتصدى للعدوان الثلاثى فى أكتوبر / ديسمبر 1956، ثم خرج من مرارة نكسة 1967، إلى ملحمة الانتصار الرائع فى حرب رمضان / أكتوبر 1973 .


تتفق الثورتان : يوليو 1952 يونيه 2013 فى أنه من رحمهما ظهرت زعامتان تاريخيتان : جمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسى .. بلا فوارق إلا فى ترتيب الفصول والمشاهد بدأ عبد الناصر ضمن ثورة تصدرها اللواء محمد نجيب فى عيون الناس، ولكن ما إن انقشعت الهجمات المضادة وبعض القلاقل التى اعترضت المسار فى البدايات حتى بزغ نجم جمال عبد الناصر القائد الحقيقى للثورة وبدت إنجازاته تتصل تباعا بالجماهير عبر قرارات كبرى .. مؤتمر باندونج سنة 1955 وتوابعه فى سياسة العالم وحركة عدم الانحياز التى كان أحد أضلاعها الثلاثة مع نهرو وتيتو وإعادة تسليح وتدريب الجيش الوطنى بدءًا من صفقة الأسلحة التشيكية السوفيتية 1955 وتحقيق الجلاء أوائل 1956 وفقا لاتفاقية الجلاء 1954 وتأميم قناة السويس 23 يوليو 1956 ومواجهة العدوان الثلاثى الأنجلو فرنسى الإسرائيلى أكتوبر ـ ديسمبر 1956 مع ولاء عميق وانحياز كامل للجماهير وللعدالة الاجتماعية منذ إعلان مبادئ الثورة الستة .


ولاختلاف الزمان والظرف ظهر عبد الفتاح السيسى كأمل تعلقت به قلوب وروح الشعب من قبل المشهد الرائع الذى تجمع فى 30 يونيه 2013 .. ولكن فى حماية وحراسة الجيش الذى عرف الشعب سلفًا أنه لن يتخلى عنه ولن يتركه لقمة سائغة لخفافيش الظلام وميليشياتها المسلحة .. ترك الجيش المشهد للشعب ليسطر بنفسه صفحات ثورته الرائعة أمام العالم ويغلّق التقولات المتربصة بأن ما سوف يجرى هو انقلاب عسكرى وليس ثورة شعب .. هذه الثورة التى أبهرت العالم بخروج أكثر من ثلاثين مليونا ملأوا ربوع البلاد .


تتفق الزعامتان اللتان خرجتا من رحم العسكرية المصرية فى إعلاء سيادة الشعب واستقلال الوطن وقراره ، وصد كل من تسول له نفسه أن يتدخل فى شئون الوطن .. والتحرر من كل صور التبعية الظاهرة أو الخفية لتمارس مصر والمصريون حقهما الطبيعى فى صناعة الحياة على أرض الوطن.


واتفقت الزعامتان التاريخيتان اللتان خرجتا من رحم الثورتين ومن رحم العسكرية المصرية الموالية للشعب حتى النخاع فى الانحياز للشعب وجماهير البسطاء والفقراء والمهمشين وفى السعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية مع الحرية .. ورفع العبء عن الكادحين ومحدودى الدخل .. سعى عبد الناصر لتحقيق هذه الغاية من خلال قوانين الإصلاح الزراعى والقوانين الاشتراكية وتمصير الاقتصاد .. ويسعى عبد الفتاح السيسى إلى ذات الغاية وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال رؤية تستوجب رد الدماء إلى شرايين الاقتصاد التى جفت، ليكون لدى الدولة ما تعدل فيه وبه بين فئات المجتمع ورد السواء إلى الموازنة العامة التى اختلت خللا رهيبا من المحال أن تمضى به مصر فى مسيرتها وتحقيق الآمال التى تصبو إليها .. ومن خلال إشعال الروح الوطنية لدى الجميع ليسهم كل منهم بأقصى مستطاعه ـ وعن رضا واقتناع ـ لانتشال الاقتصاد المصرى من الوهدة التى يعانى منها وتفجير طاقات الناس ـ كل الناس ـ لبعث آمال متجددة أن يندفع الوطن والمواطنون فى اتجاه العمل والإنتاج ولعلاج أسقام الاقتصاد المريض من الجذور ليتعافى وتمضى مصر فى مسيرتها المرتجاة إلى غدٍ تفسح فيه لنفسها مكانًا تحت الشمس .


كان من حظى أن عاصرت ثورتين مجيدتين فى تاريخ مصر الحديث .. شاهدت وتعايشت وانفعلت وقلت وعملت، وكان من حظى أكثر أن أرى مصر وأنا أتهيأ للرحيل على أعتاب مستقبل مشرق وضاء بمشيئة الله .