مراجعة دستـورية لا تعنى قلة الاحتــرام ولا نية الإهـدار!

22/09/2015 - 12:40:47

بقلم - رجائى عطية

أحترم الدستور احترامًا ينبع من وجوب أن يكون للبلاد دستورٌ يحكم قوانينها، ويكفل الحقوق والواجبات فيها، ويضبط اختصاص وأداء سلطاتها، ويكون حَكَمًا بين هذه السلطات، وبين الحاكم والمحكوم.


بيد أن الاحترام وهو واجب، لا يعنى القداسة، فلا قدسية لغير كلام الله، والكمال لله وحده، والدستور ـ أى دستور ـ عمل بشرى، معرض للصواب والخطأ، ومراجعته سنة واجبة من سنن الحياة، وليس فى هذه «المراجعة» قلة احترام أو عزم على إهداره، فالتزام كل نص من نصوصه واجب ما بقى قائما، ولكن افتراض دوام أى نص، يخالف المنطق وواقع الحياة، وهذا الواقع تثبته مراجعة تواريخ الدساتير فى العالم، والتاريخ الدستورى فى مصر.


عرفت مصر أول وثيقة دستورية فى القانون الأساسى «السياستنامة» التى أصدرها محمد على سنة ١٨٣٧، وأبقت على الحكم المطلق وانعدم فيها الفصل بين السلطات المبدأ الذى ينادى به العالم المتحضر منذ دعوة «مونتسكيو» (١٦٨٩/١٧٥٥) فى كتابه «روح القوانين»، ثم تلتها «لائحة مجلس شورى النواب» سنة ١٨٦٦، ثم بعد كفاح طويل وضع الشعب المصرى أول دستور حقيقى سنة ١٨٨٢ فيما سُمَّىَ «اللائحة الأساسية»، وتابع الشعب المصرى نضاله رغم الاحتلال الإنجليزى حتى توج بصدور «دستور ١٩٢٣»، وكان دستورًا رائعا فى أوانه، وتعرض للإلغاء سنة ١٩٣٠ فى عهد حكومة إسماعيل صدقى التى استبدلته بدستور ١٩٣٠، ولكن سرعان ما عاد دستور ١٩٢٣ للحياة بضغوط شعبية فرضت على الملك إلغاء دستور ١٩٣٠ وإعادة العمل بدستور ١٩٢٣، الذى ظل يحكم مصر حتى قيام ثورة يوليو ١٩٥٢.


وتعاقبت بعد ذلك دساتير الثورة، فبدأت بإعلان دستورى صدر فى ١٠ فبراير ١٩٥٣، ثم بصدور دستور ١٩٥٦، ثم دستور الوحدة للجمهورية العربية المتحدة سنة ١٩٥٨، ثم دستور ١٩٦٤ الذى صدر تحت عنوان «الدستور المؤقت» إلى أن يتم مجلس الأمة وضع «الدستور الدائم»، ثم شكل فى ٢ يونيو ١٩٦٦ لجنة تحضيرية لدراسة دستور ١٩٦٤ المؤقت ومواضع النقص والقصور فيه تمهيدًا لوضع الدستور الدائم الذى كرر الوعد به بيان ٣٠ مارس ١٩٦٨، وفى ٢٤ مايو ١٩٧١ شكلت لجنة تحضيرية من خمسين عضوًا زيدت وتفرعت إلى مجموعات ثم لجان، وتمت الموافقة فى النهاية على مشروع الدستور الذى طرح للاستفتاء الشعبى فى ١١ سبتمبر ١٩٧١، ثم صدر ما عرف بدستور ١٩٧١ الذى ظل ساريًا إلى فبراير ٢٠١١، ولكن أدخلت عليه عدة تعديلات فى مايو ١٩٨٠، ثم فى مايو ٢٠٠٥، ثم فى مارس ٢٠٠٧.


وجدير بالذكر أن الموقف حيال دستور ١٩٧١ قد تأرجح إثر يناير ٢٠١١، فاتجه الرأى فى البداية ـ فى فبراير ـ إلى «تعطيل» العمل به، والنظر فى تعديلات بعض مواده، ففى ٨ فبراير ٢٠١١، نشر بالجريدة الرسمية القرار الجمهورى ٥٤/٢٠١١، وأشار إلى ما أسفر عنه الحوار الوطنى لنائب الرئيس (عمر سليمان) مع ممثلى الأحزاب والقوى الوطنية وبعض ممثلى شباب ٢٥ يناير، وما اتفقوا عليه للإصلاح السياسى الديمقراطى المنشود، وشكل القرار لجنة من عشرة برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى وعضوية بعض مستشارى النقض والدستورية العليا وأساتذة القانون الدستورى، لدراسة واقتراح ما تراه من تعديلات دستورية للمواد ٧٦، ٧٧، ٨٨ وغيرها من الدستور لتحقيق الإصلاح المنشود، على أن تنتهى من عملها فى موعد غايته آخر فبراير الجارى، ولكن توالت الأحداث، وتخلى الرئيس الأسبق عن منصبه فى ١١ فبراير، وعهد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، فأصدر الإعلان الدستورى الأول فى ١٣ فبراير وتضمن «تعطيل»العمل بأحكام الدستور وليس إلغاءه، وحل مجلسى الشعب والشورى، وإعادة تشكيل لجنة تعديل بعض مواد الدستور، والتى صدر بتشكيلها القرار رقم ١/٢٠١١ برئاسة المستشار طارق البشرى، وعضوية من تضمنهم القرار وكان منهم محامٍ من الإخوان، وارتأت هذه اللجنة تعديل المواد ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٨٨، ٩٣،١٣٩، ١٤٨ من دستور ١٩٧١، وإلغاء المادة ١٧٩ منه، وإضافة فقرة أخيرة للمادة ١٨٩ ومادتين جديدتين برقمى ١٨٩ مكررًا و ١٨٩ مكررًا (١) إلى الدستور. وبناء عليه صدر قرار بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء يوم ١٩/٣/٢٠١١ على هذه التعديلات والإضافات، وأجرى الاستفتاء فى موعده وأعلنت نتيجته يوم ٢٠ مارس بالموافقة بنسبة ٧٧٪ من الأصوات الصحيحة فى الاستفتاء؛ وذلك بإدخال هذه التعديلات التى أقرها الشعب على دستور ١٩٧١.


ولكن صدر فى ٣٠ مارس ٢٠١١ إعلان دستورى معزز بالتعديلات التى أقرها الشعب، مع إسقاط السلطات الواسعة المقررة للرئيس فى دستور ١٩٧١، والاستعاضة بمواد انتقالية، وتحت ضغوط مليونيات الإخوان ومن جرى مجراهم، تقرر أن تسبق انتخابات مجلسى الشعب والشورى وضع الدستور المزمع للبلاد، ولم يكن جاهزًا لهذه الانتخابات سوى الإخوان والسلفيين فكان هذا الترتيب فى مصلحتهم، ثم صدر فى ١٩ يوليو ٢٠١١ المرسوم بقانون ١٠٨/٢٠١١ بأن تجرى الانتخابات بالجمع بين القوائم الحزبية المغلقة والنظام الفردى بنسبة النصف لكل منهما، رغم أن المستقلين أضعاف أضعاف الحزبين، وتحت ضغوط ومظاهرات وما سمى «مليونيات» الإخوان، صدر فى ٢٥ و ٢٦/٩/٢٠١١ إعلان دستورى ثالث بتعديل المادة (٣٨) والمرسوم ١٢٠/٢٠١١ ـ ومضمونهما تعديل النسبة بين القوائم الحزبية والمقاعد الفردية للمستقلين لتكون بنسبة الثلثين للقوائم والثالث للفردى، ثم تحت المزيد من الضغوط و»المليونيات» إيّاها، صدر المرسوم بقانون ١٢٣/٢٠١١ بإلغاء المادة الخامسة من الرسوم بقانون رقم ١٢٠ / ٢٠١١ والتى كانت تحظر على الحزبين أن يجمعوا بين القوائم والفردى، وتشترط للمنافسة على المقاعد الفردية ألا يكون المرشح منتميا لأى حزب سياسى، وإذا فقد هذه الصفة بأن انتمى إلى حزب سياسى سقطت عنه العضوية. ومن ثم جاء هذا الإلغاء إمعانًا فى تمييز الحزبين أو بالأحرى حزب الإخوان وأحزاب السلفيين، بما أخل إخلالاً جسيمًا بمبدأ المساواة، وهو ما قضى لاحقا بعدم دستوريته.


والخلاصة أنه نجم عن ذلك كله، إعطاء الإخوان والسلفيين بهذا التمييز فرصة لتحقيق «أكثرية» لكل منهما و»أغلبية» لهما معا فى مجلسى البرلمان، ونجم عن ذلك فوضى ضاربة الأطناب، يمكن لمن يريد المزيد أن يتابعها فى مقالاتى «توابع الفوضى» ونشرت بجريدة المال وغيرها اعتبارًا من ٣/٩/٢٠١٢، وأعيد نشرها بالمجلد /٦ من كتاب «من تراب الطريق» ( ص ٩٤ ـ ١٦٦ )، وفى مقالاتى «بناء من خزف وأعمدته من طين» ونشرت بجريدة المال وغيرها اعتبارًا من ٥/٦/٢٠١٣، وأعيد نشرها بالمجلد / ٧ من كتاب «من تراب الطريق» ( ص٨٨ ـ ١٧٢ ثم ص ٣٠٨ / ٣١٠ )، ثم بكتاب «القضاء والإخوان ـ أصل الحكاية» ـ دار الهلال سبتمبر الجارى، وهو ما زدته بيانا فى كتاب «لماذا سقط حكم الإخوان؟!»، ولكنه لا يزال تحت الطبع.


عوادم ممارسات الإخوان


وما سبق يناير ٢٠١١


حينما شرعت مصر ـ بعد انقشاع الغمة ـ فى صياغة دستور يعبر عنها وعن صحيح أمانيها، وما يتطلبه التقدم إلى مستقبلها الذى تتطلع إليه، كانت تعانى من عوادم الفوضى التى ضربت، ومن عوادم أداء وحكم الإخوان الذى أساء فى كل باب، وتعانى من نواتج تراكمات الظلم وطول الشوق إلى الإنصاف، مما فجر مطالب، وفجر انحيازات فئوية وغير فئوية، وصار أسلوب «المحاصصة» لا مفر منه فى تشكيل الجمعية التأسيسية المنوط بها وضع مبادئ وصياغة مشروع الدستور قبل عرضه على الشعب للاستفتاء.


وأسلوب «المحاصصة» له عوادمه، فهو يتقيد بإرضاءات واعتبارات قد تفوّت الانصراف إلى الكفاءة المجردة، ومع كامل الاحترام لكل أعضاء لجنة الخمسين، وفيهم أكفاء كبار، إلاَّ أن «المحاصصة» أدت إلى ترك قامات وخبرات لا يجوز تجاهلها، وإلى دخول عناصر لا خبرة لديها بصناعة الدساتير، لا من حيث «المبادئ» ولا من حيث «الصياغة» ، فضلا عن انصراف أتباع كل فصيل إلى إرضاء مطالب الفصيل الذى ينتمى إليه ويعبر عنه، وقد بدا أثر ذلك فى «التصويت» أحيانا، مثلما بدا فى اختيار الأعضاء.


على أن الجمعية التأسيسية التى وضعت مشروع الدستور المستفتى عليه فى يناير ٢٠١٤، كان وراءها أيضا ميراث ثقيل مقلق من الممارسات السابقة، سواء ما سبق يناير ٢٠١١ من تورم فى الممارسات الرئاسية واستسهال العبث بالدستور فى تعديلات كانت تتغيَّا تمرير التوريث، أم فى ممارسات الإخوان التى نضحت فى البرلمان، وفى قوانين غير دستورية، وفى إعلانين دستوريين باطلين أراد بهما رئيس الإخوان أن يقتنص ويفرض لنفسه سلطات ليست له، خلاصتها أنه رب المصريين الأعلى، وأن قراراته مقدسه لا يجوز الطعن عليها بأى حال، مع تحصين مجلس الشورى الباطل، والجمعية التأسيسية الباطلة، وإصدار قرارات عفو ما أنزل الله بها من سلطات لمجاملة الأحباب من أرباب الجرائم، وفيهم محكوم عليه بالإعدام وبالمؤبد، فضلا عن محاولات أخونة وإخضاع الصحافة، وضرب القضاء بمشروع مغرض تم إعداده بليل وانتفض القضاء ومصر كلها لمقاومته.


هذا الميراث الرئاسى المزعج، كان راقدًا ولا شك فى أعماق الجمعية التأسيسية، وتعانق معه ما ألمحت إليه من قلة خبرة البعض، وانحيازات التصويت، فأثمر ملاحظات جرت على عدة محاور، يحسن أن نتوقف إزاءها بإمعان، فبعضها يحتاج إلى محض استكمال بإصدار تشريعات تفعّل النصوص الدستورية، وبعضها يحتاج إلى النظر فى ذات بعض النصوص، وأخطرها ما تعلق بالتوازن الواجب بين سلطات الرئيس وسلطات البرلمان، لأن الإخلال بهذا التوازن يعرض البلاد لأزمات تؤدى لعدم الاستقرار.


وربما يقال أن شعبية الرئيس السيسى ضمان لسواء الأمور بلا قلق، بيد أن الدساتير لا تتوقف على أشخاص، ويجب أن تتساند إلى معايير موضوعية رشيدة وصائبة وراسخة.


صعوبات فى الطريق!


يعترض الأمل المعقود على مجلس النواب القادم فى التعامل مع النصوص، وفى تدارك ما يستوجب التدارك، أو فى إصدار ما يجب إصداره من قوانين مكملة للدستور، أن مجلس النواب القادم سيكون فى غالب الحال «مجلس أقليات»، يصعب توفير التوافق فيه بما يحقق النصاب اللازم، سواء للتصويت بعامة، أم للتصويت على القوانين المكملة للدستور، سيما وقد توسعت المادة ١٢١ من الدستور فى تصنيف القوانين المكملة للدستور، فمدتها إلى كافة القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية، والنيابية، والمحلية، والأحزاب السياسية، والسلطة القضائية، والمتعلقة بالجهات والهيئات القضائية، والمنظمة للحقوق والحريات الواردة فى الدستور، واشترط النص الدستورى نصابًا خاصًّا لإصدار هذه القوانين، فلا تصدر إلاَّ بموافقة ثلثى عدد أعضاء المجلس وليس مجرد عدد الحاضرين، مما يجعل تحقيق هذا النصاب صعبًا إذا ما وضع فى الاعتبار الغيابات التى لا بد تقع من وقت لآخر فى حضور الجلسات!


وربما ساهم فى زيادة هذه الصعوبة، أن نص المادة (١١٧) من الدستور صَاَدَر مصادرةً غير محمودة على تشكيل هيئة المكتب، الرئيس والوكيلين، فاشترط ألاَّ ينتخب أحد منهم لأكثر من فصليين تشريعيين متتاليين، وفضلا عن أن هذه المصادرة غير منطقية على أعضاء برلمان يفترض فيهم العلم والخبرة وحسن الاختيار، فإن واقع تشكيل المجلس المنتظر قد لا يكفل توافر الكفاءات الموازية لانتخاب من يحوزون الشخصية والمقدرة والكفاءة لشغل هيئة المكتب التى يزداد دورها أهمية فى مجلس أقليات تتعدد فيه الفصائل والفئات والانحيازات!


أزمة المادة (١٥٦) من الدستور


فات صياغة هذه المادة، أن مجلس النواب القادم ـ قادم إثر فترة غابت فيها السلطة التشريعية بحكم الظروف الصعبة التى مرت بها البلاد، مما يرشح لوجود عدد غير قليل أو كبير من القرارات الجمهورية التى صدرت من الرئيس الأسبق، ومن الرئيس المؤقت، ثم من الرئيس الحالى، ويتعين عرضها وإقرارها من البرلمان، وهو ما جرت عليه الدساتير المصرية السابقة.


ولكن نص المادة (١٥٦) جاء تعجيزيا، فاشترط عرض هذه القرارات بقوانين ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوما من انعقاد المجلس، تصير إثنى عشر يوما إذا حذفنا يومى العطلة الرسمية ويوم انتخاب هيئة المكتب، والطامة أن النص وضع جزاءًا غريبًا ومدمرًا لم يقرها المجلس خلال هذه المدة، بأن يزول بأثر رجعى ما كان لها من قوة القانون، ودون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، الأمر الذى يؤدى إلى انهيار تشريعى بالبلاد، وإلى المساس بالمراكز القانونية التى اكتسبت فى ظل سريان هذه القوانين !


الإخلال الخطير بالتوازن الواجب


بين سلطات رئيس الدولة وسلطات مجلس النواب


تستقر الأوطان، حين يكون هناك توازن بين السلطات، فتوزن اختصاصات كل منها بموازين دقيقة محسوبة بعناية، بحيث لا تتغول سلطة على أخرى، وإلاَّ دفعت الأوطان الثمن من مسيرتها واستقرارها وسواء أحوالها.


وقد كان من المتفق عليه ولا يزال، أن يجرى مزج واع بين النظام الرئاسى والنظام البرلمانى، بشكل يحقق هذا التوازن، إلا َّ أنه يبدو أن الميراث المرّ لممارسات رئيس الإخوان والرئيس الأسبق قبل يناير ٢٠١١، قد مال بالكفة إلى البرلمان ميلاً زائدًا يخل إخلالاً خطيرا بالتوازن الواجب بين السلطات، ويجر البلاد إلى ما قد لا تحمد عقباه !


انحياز ضرير


تكشفه مقارنة المواد ١١٠، ١٣١، ١٦١، ١٣٧!!


اشترطت المادة (١١٠) من الدستور، لإسقاط عضوية عضو مجلس النواب إذا ما فقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية، أو أخل بواجباتها ـ أن يصدر قرار إسقاط العضوية بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس، وليس عدد الحاضرين. مع أن الحالة لا تستوجب هذا النصاب شبه التعجيزى مادام العضو قد فقد الثقة والاعتبار أو فقد أحد شروط العضوية أو أخل بواجباتها.


وعلى نقيض هذا “المعيار”، جرت صياغة المادة (١٣١) من الدستور، فأعطت مجلس النواب ـ وبأغلبية الأعضاء فقط ـ سلطة سحب الثقة من رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم، وهذه التفرقة فى “معيار» سحب الثقة تفرقة ضريرة بلا معنى، والانحياز فيها واضح سيما وأن حالة إسقاط عضوية عضو النواب تعتمد أصلاً على أسباب حاسمة لا تستلزم أى أغلبية خاصة لإعمالها!


والأدهى فى هذا الانحياز الضرير، ما جرت به المادة ١٦١ من الدستور، فهى وإن قررت أغلبية الأعضاء لاقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وشرطت موافقة ثلثى أعضائه. عادت فقررت بفقرتها الثانية أنه إذا وافقت الأغلبية (بلا نصاب خاص) على قرار سحب الثقة ـ “يُعْفى” رئيس الجمهورية من منصبه ويُعَد منصبه خاليًا وتجرى الانتخابات الرئاسية المبكرة خلال ستين يوما من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، مع أن النص لم يشر أصلاً إلى استفتاء. وأقل ما يقال عن هذا النص أن به خللاً واضطرابًا فى الصياغة يؤدى إلى اضطراب واختلاف التفسير.


ويزداد هذا الانحياز وضوحًا وجلاءً, بمراجعة المادة (١٣٧)، فقد بدأت بتعبير رافض بقولها «لا يجوز” لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب، ثم اشترطت لجواز الحل شرطين، أولهما توافر “الضرورة”، وثانيهما بقرار مسبب، مع أنها شرطت شرطًا أعم يَجُبّ هذين الشرطين، بأن شرطت ألا يكون الحل إلاَّ “بعد استفتاء الشعب”، فإذا كانت موافقة الشعب على الحل بالاستفتاء هى الأساس والمناط، فما الحاجة للشرطين اللذين بدأت بهما المادة، واللذين لا وجود لما يقابلهما فيما قررته المادة (١٦١) لمجلس النواب من سلطة سحب الثقة من رئيس الجمهورية وإعفائه من منصبه؟!


إخلال خطير بالتوازن وبسلطات رئيس الدولة بما يفرغها من المضمون الحقيقى ويهدد بأزمات تطيح باستقرار البلاد


أناطت المادة ١٣٩ من الدستور، برئيس الجمهورية، رئاسة الدولة ورئاسة السلطة التنفيذية، وأوكلت إليه رعاية مصالح الشعب والمحافظة على استقلال الوطن ووحدة أراضيه، والالتزام بأحكام الدستور، وحظرت عليه بمقتضى المادة ١٤٠ أن يشغل أى “منصب حزبى” طوال مدة الرئاسة، وهو حظر مفروض عليه وحده، ولم يفرضه الدستور على رئيس الوزراء الذى سوف نرى أن الدستور توسع فى السلطات الممنوحة له، فلم تفرض عليه المادة ١٦٤ هذا الحظر الذى فرضته على رئيس الجمهورية، ولا تعليل لذلك إلاَّ بخطورة منصب الرئيس والسلطات المفترض أن تكون ممنوحة له، وحتى لا يجرى الخلط فى ممارسته لهذه السلطات وبين الحزب الذى يشغل منصبًا فيه. وهذا كله مفهوم ولا تثريب عليه.


إلاَّ أن الدستور مال ميلاً واضحًا وغير حكيم ولا مبرر، فيما سنه بالمادتين ١٤٦ و١٤٧.


فمع أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة والرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية التى يتلوه فيها رئيس الوزراء، نرى المادة ١٤٦ وقد نصت على أن يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا لمجلس الوزراء بتشكيل الحكومة، سنت قاعدة غاية فى الغرابة، فلا تدعوه إلى عرض برنامجه على رئيس الجمهورية الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية الذى كلفه، وإنما بعرض برنامجه على “مجلس النواب”، وهذا بالغ الغرابة، وغير مسبوق فى كافة الدساتير المصرية، ولا يسيغه المزج بين النظامين الرئاسى والبرلمانى.


والأعجب أن تنص المادة على أنه إذا لم يحصل رئيس الوزراء المكلف من رئيس الجمهورية على “ثقة” أغلبية أعضاء مجلس النواب (وليس الحاضرين) وخلال ثلاثين يوما على الأكثر، على رئيس الجمهورية أن يكلف رئيسًا آخر لمجلس الوزراء، ولكن تكليفه لا يجرى باختياره برغم رئاسته للدولة وكونه الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية، وإنما بترشيح الحزب أو الائتلاف الحائز على “أكثرية” (وليس أغلبية) مقاعد مجلس النواب.


ولا يفوت أن المادة تحدثت عن “أكثرية” لا عن “أغلبية”، ومقتضاها أن أى حزب أو ائتلاف يكون تعداده “أكثر” من تعداد باقى الفصائل بالمجلس، يكون هو صاحب السلطة فى أن يفرض على رئيس الجمهورية مرشحًا بعينه لرئاسة مجلس الوزراء، وعلى الرئيس أن يصدع وأن يلبى وأن يكلف بتشكيل الوزارة هذا الشخص الذى لم يقع عليه اختياره والذى سيرأسه ومسئول أمام الشعب عن سياسته وأعماله وأعمال وسياسة وزارته، وهذا قلب للأوضاع، وخلخلة غير مقبولة لوحدة وتماسك السلطة التنفيذية التى يرأسها رئيس الجمهورية، وهى خلخلة لا يَجْبُرُها أو يَجْبُر أضرارها أن يستطرد النص إلى اعتبار مجلس النواب منحلاًّ إلى لم تحصل هذه الوزارة على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب. فالأكثرية التى رشحته وراء ترشيحها له، ثم أن افتراض حسن النوايا والابتعاد عن الانحيازات لا يعالج ما يمكن أن يتشأ عن هذا الوضع “المقلوب” من أزمات لا يُعْرف مدى تداعياتها ولا تُحمد عقباها!


ولم تكتف المادة بهذه “القيود” الغريبة، فنصت على قيد عام آخر ألاَّ يزيد مجموع مدة الاختيار كلها على ستين يوما، و إلاَّ !!! ولكن المادة لم تضع إجابة ولا بيان لما إذا بلغت المدة واحدًا وستين يوما مثلا، هل ينهدم المعبد فى هذه الحالة على من وما فيه؟!


ثم أقحمت المادة فى عجزها قيدًا آخر غير مفهوم، هو أن اختيار رئيس الجمهورية لوزراء السيادة الدفاع والداخلية والخارجية والعدل، والذين يعملون بتعاون وثيق مع رئيس الجمهورية، لا يجوز إلاَّ “بالتشاور” مع رئيس مجلس الوزراء، ولم تضع المادة تعريفًا ولا معيارًا ولا حدودًا لهذا “التشاور” وكيفيته، وماذا إذا لم يسفر هذا “التشاور” عن اتفاق أو حتى توافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء على اختيار هؤلاء الوزراء أو بعضهم أو أحدهم، وما هو الحكم والمصير فى هذه الحالة، سيما إذا كان رئيس الوزراء “مفروضًا” على رئيس الجمهورية بمقتضى ترشيح الحزب أو الائتلاف الحائز على “أكثرية” بالمجلس، والذى قد يكون هو والرئيس على طرفى نقيض، فتتصادم الأمور وتتنافر وتتأزم داخل السلطة التنفيذية التى يترأسها رئيس الدولة بحكم الدستور؟!!!


وتتجلى أبعاد الأزمات المتوقعة نتيجة هذا الإخلال الجسيم بالتوازن الواجب بين السلطات، إذا ما راجعنا القيود الإضافية التى سنتها المادة ١٤٧ إذا أراد رئيس الجمهورية “إعفاء” الوزارة، أو إجراء “أى تعديل” فيها، فهو مقيدٌ فى ذلك رغم رئاسته ومسئوليته، ومشروط عليه ألاَّ يكون “إعفاء” الوزارة التى هو رئيسها الأعلى والمسئول عن سياستها وعملها ـ إلاَّ بشرط موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، وليس الحاضرين. وأنه لا يستطيع إجراء “أى تعديل” وزارى إلاَّ بعد “التشاور” مع رئيس الوزراء وكذا “موافقة” مجلس النواب بالأغلبية المطلقة وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس. وللمرة الثانية لم يتضمن الدستور “معيارًا” لهذا التشاور وكيفيته وحدوده، ولا ماذا يجب أو يجوز أن يسفر عنه، بل وزاد على ذلك شرطًا ثانيا أن يوافق مجلس النواب على التعديل الوزارى الذى يريده الرئيس لتنتظم أعمال الوزارة المسئول عنها.


هذا “التعدى”، ولا أجد كلمة أخرى، على صلاحيات وسلطات رئيس الدولة، يضعه فى وضعية غير مقبولة وينذر بأوخم العواقب!


ثم ماذا لو صرنا فى حالة حرب


أو أعلنت الحرب ودارت رحاها ؟!


لاشك أن ما نواجهه الآن فى سيناء، وفى داخل البلاد، من هجمات وجرائم ومذابح الإرهاب، هو حالة حرب فعلية بكل مقاييس الحروب، وقد يحدث أن تفرض حرب أكبر على مصر، وأن تعلن حالة الحرب وتدور رحاها، بما تحمله من أخطار جسيمة وتفرضه من مواجهات لحفظ التراب الوطنى وكيان الوطن والدفاع عن أراضيه وأجوائه ومياهه، وصيانة الشعب وتأمينه من عوادم هذه الحرب.


تواجه كافة دول العالم حالات الحروب، سواء الفعلية أو الرسمية المعلنة، بإعلان حالة الطوارئ أو ما يسمى اختصارًا بالأحكام العرفية.


وإعلان حالة الطوارئ منوط برئيس الجمهورية، بحكم رئاسته للدولة، وبحكم كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهو أمر جرت عليه كافة الدساتير المصرية، ونصت عليه المادة ١٥٤ من دستورنا الحالى، فأناطت بالرئيس إعلان حالة الطوارئ بعد أخذ رأى مجلس الوزراء، وأوجبت عليه عرض هذا الإعلان على مجلس النواب خلال السبعة أيام التالية ليقرر ما يراه بشأنه، فإذا حدث الإعلان فى غير دور الانعقاد، وجب دعوة المجلس فورًا للعرض عليه وتجنب موافقته بأغلبية عدد أعضائه، فإذا كان المجلس غير قائم، عرض الأمر على مجلس الوزراء للموافقة، على أن يعرض الأمر على مجلس النواب الجديد فى أول اجتماع له.


وهذا كله صواب، وواجب، ولا اعتراض عليه.


بيد أن النص أوجب ألا تجاوز مدة إعلان حالة الطوارئ ثلاثة أشهر، ولا تمد إلاَّ لمدة مماثلة وبشرط موافقة ثلثى أعضاء مجلس النواب.


وهذا القيد قيد خطير، ليس على الرئيس وحده، ولا على مجلس النواب وحده، وإنما هو قيد عجيب على مصر كلها، ألا تعلن حالة الطوارئ رغم الحرب الدائر رحاها
إلاَّ لمدتين لا يجاوز مجموعهما ستة أشهر، بعدها على مصر أن تخوض الحرب الدائرة بلا احتياطات وبلا أحكام عرفية ولتذهب مصالح مصر وشعب مصر فى تأمين داخلها أثناء الحرب إلى الجحيم أو إلى حيث ألقت!


هل افترض النص أن الحرب ـ أى حرب ـ لن تمتد لأكثر من ستة أشهر؟!


هذا خطأ فادح، وغير مفهوم، وغير مبرر، ولا علة له سيما والنص ذاته يشترط لحالة الطوارئ موافقة البرلمان وبأغلبية ثلثيه، إضافة إلى قرار رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة. فكيف تدور رحى حرب بلا أحكام عرفية تصون وتحفظ لمصر أمنها القومى !!


ماذا بعد ؟!


لم أتوقف هنا عند ملاحظات أخرى كان يجب تلافيها، منها الخلط بين ما يوضع فى الدساتير وبين ما ينبغى أن تقتصر معالجته على القوانين، حتى يتجنب الجمود الذى يفرضه الثبات النسبى للدساتير، ويتيح فرصة التعامل مع المتطورات ـ بالقوانين المتاح تعديلها بيسر لمواكبة المستجدات والمتغيرات.


ولم أتوقف أيضا عند “مجاملات” فئوية استدعتها “المحاصصة” والرغبة فى الإرضاء، أو عند التطرق إلى تفاصيل البنية القضائية ودرجات التقاضى مما جرت التقاليد الدستورية والتشريعية والقضائية على تركه للقوانين، وهى أنسب لتقدير العناصر التفصيلية والاعتبارات العملية.


ومع ذلك فليس يفوت أن تضمين الدستور “حصانة المحامين” أثناء الجلسات أو أداء واجبات الدفاع، قد شابه عدم دراية أدت إلى تفريغ الضمانة أو الحصانة من مضمونها تماما بالنص على عبارة “فيما عدا حالات التلبس” فكل ما يمكن أن ينسب للمحامى أثناء مباشرته الدفاع، وبغض النظر عن صحته أو بطلانه، يصدق عليه أنه فى “حالة تلبس”، وكان الأجدر ترك هذه الضمانة لما نص عليه قانون المحاماة والنصوص القانونية الإجرائية، وهى تؤدى الغرض المقصود فيها، ولكن النص الدستورى أفسدها وسحب “الضمانة” من حيث أراد أن يعززها دستوريا، ولم يكن فى حاجة إلى ذلك !!!


لا شك فى حسن نوايا الجمعية التأسيسية التى صاغت


ولا شك بداهة فى حسن نوايا الشعب الذى وافق فى الاستفتاء


لست أشك، ولا يشك منصف أو عاقل، فى أن الجمعية التأسيسية اجتهدت وبذلت أقصى مستطاعها، وأنها أرادت الخير لمصر والكمال لدستورها، واجتهدت بإخلاص لتحقيق هذه الغاية.


وما من شك، فى أن شعب مصر الذى أقر هذا الدستور فى الاستفتاء الذى أجرى يومى ١٤، ١٥ يناير ٢٠١٤، أراد الخير لمصر والكمال لدستورها، كما أرادت الجمعية التأسيسية التى صاغته، وأنه حدت الجميع مقاصد نبيلة ونوايا حسنة، ولكنها كانت مستخلصة تحت ضغط ظروف ثقيلة مخيمة، وضواغط شديدة محيطة بالبلاد، ورغبة مخلصة فى تجاوز ليل الأحزان، وشتاء العواصف، ووضع مصر على الطريق الشرعى والدستورى الذى تتمناه ويتمناه شعبها، ولا بأس بعد ذلك من تدارك أو رتق أو إصلاح ما عساه يفوت أثناء الأداء المدفوع بالأمل، المضغوط بالظروف، المتطلع إلى الخلاص.


ليس الدستور هو الذى يصنع مصر، وإنما مصر هى التى تضع دستورها، وتوجه مسيرتها إلى حيث تصبو ويصبو شعبها، لتتوالى مسيرتها مشرقة وضاءة فى كفالة دستور ترتضيه وتلتزمه ويعينها على تحقيق أمانيها وآمالها.. من نحو قرنين من الزمان قال “شاتوبريان” (١٧٦٨ / ١٨٤٨) “ليس الدستور هو الذى أعطانا الحرية؛ وإنما هى حرية الرأى التى أعطتنا الدستور”.


ويطيب لى بتحوير بسيط، أن أقول: “ليس الدستور هو الذى أعطانا مصر؛ وإنما مصر هى التى تعطينا الدستور”.