الأقصى صامد .. ولو كره الإسرائيليون

22/09/2015 - 12:38:28

تقرير: نهال الشريف

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يقتحم فيها يهود إسرائيل المسجد الأقصي المبارك أولي القبلتين وثاني الحرمين مسري النبي محمد عليه الصلاة والسلام، في سعي دائم وخبيث لهدمه بادعاء آثار هيكل سليمان المزعوم تحته. لن تهدأ خطط اليهود المتطرفين لإخراج أهل القدس العرب من مدينة السلام والأديان والرسل لتصبح تحت سيطرتهم الكاملة لا مكان فيها إلا ليهود إسرائيل فقط..


علي مر السنين تعرض الأقصي الذي كتب الله له أن يظل شامخاً صامداً لحملات مسعورة تستهدفه منذ سقوط القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي عام ١٩٦٧. ففي ذلك العام استولي جنود الاحتلال علي المسجد وصادروا مفاتيح باب المغاربة وعطلوا الصلوات داخل الأقصي الشريف لأول مرة منذ تحريره من أيدي الصليبيين علي يد صلاح الدين الأيوبي عام ١١٨٧. ثم بعد ذلك تعرض الأقصي لحوادث متكررة وعديدة لم تنته حتي يومنا هذا


تعتبر أحداث الماضي خير دليل علي ما شهده الأقصي الشريف من مؤامرات. ففي عشية الاحتفال بعيد رأس السنة اليهودية “روش هاشناه” الأحد الماضي أعلن اليهود عند نيتهم للقيام بزيارات مكثفة “لجبل الهيكل” وهو موقع المسجد الأقص واشتعلت المخاوف من رغبة اليهود الاستيلاء علي المكان المقدس. وبناء علي ذلك دخلت قوات الشرطة الإسرائيلية للمسجد لتفريق الفلسطينيين المحتجين وجماعات المرابطين والمرابطات الذين اعتصموا بالمسجد حماية له وقاوموا بإلقاء الحجارة لمنع اقتحام الأقصي.


وقد تصاعدت الأحداث وتحولت المنطقة المحيطة بالأقصي لما يشبه الثكنة العسكرية بعد إصابة ٢١ فلسطينياً و٣ من الشرطة الإسرائيلية ومقتل مدني إسرائيلي رشق الفلسطينيون الغاضبون سيارته بالحجارة.


تبع ذلك تعهد نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في اجتماع طارئ لحكومته بتشديد الاجراءات ضد الفلسطينيين. وقال أن إسرائيل ستتخذ كل الخطوات اللازمة لمواجهة من يقومون بإلقاء الحجار وقنابل النار والألعاب النارية والقنابل الأنبوبية.


وقال أيضاً إن إسرائيل ملتزمة بالابقاء علي الوضع الراهن في الأماكن المقدسة. ولكن المتظاهرين لن يمنعوا الزائرين من الدخول. في الوقت نفسه أقرت لجنة الشئون الخارجية والدفاع بالكنيست استدعاء قوات الاحتياطي من شرطة الحدود لتعزيز اجراءات الأمن في القدس. وبالفعل تم نشر ٨٠٠ جندي من قوات الاحتياطي في المدينة تحسباً لمزيد من تصاعد الأحداث بعد الدعوة لجمعة الغضب للفلسطينيين.


كذلك أقر النائب العام الإسرائيلي ايهودا فاينشتاين استخدام بنادق القنص الأمريكية من طراز راجر ضد قاذفي الحجارة. وأصدر وزير الدفاع موشي يعلون منع مجموعات المرابطين والمرابطات من دخول المسجد. وألقت الشرطة القبض علي أطفال في أعمار تقل عن العاشرة بسبب إلقائهم الحجارة صوب قوات الاحتلال بالمدينة.


وقد امتدت الأحداث خلف أسوار المدينة العتيقة إلي الضفة الغربية وأطلقت الشرطة الإسرائيلية النار علي ٨ فلسطينيين وأصيب شرطي إسرائيلي بمقذوف ناري. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين الفلسطين الذين خرجوا عقب صلاة الجمعة احتجاجاً على الاجراءات الإسرائيلية. وامتدت الاشتباكات بين الشرطة الإسرائيلي والفلسطينيين في مدن بيت لحم والخليل وقلندية.


منذ عام ١٩٦٧ واحتلال إسرائيل للقدس الشرقية سمح لليهود بزيارة الحرم الشريف بشرط ألا يؤدوا الصلاة فيه واتخذت الترتيبات بحيث يكون لهيئة الأوقاف الإسلامية إدارة الشئون الدينية والمدنية تحت إشراف الأردن بينما تتولي إسرائيل الشئون الأمنية.


ويعتبر هذا هو “الوضع الراهن” للأماكن المقدسة الذي ذكره نتنياهو في كلمته. والذي يتمسك به الفلسطينيون والعرب والمسلمون وفي كلمة مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط نيكولاس ماليندوف دعا كل الأطراف للامتناع عن الأفعال والأقوال الاستفزازية وقال المتحدث باسم البيت الأبيض لابد من الحفاظ علي الوضع التاريخي للمكان المقدس بالقول والفعل.


الأقصي بين السياسة والدين


الصراع حول الأقصي ذو بعدين أولهما سياسي حيث تتضاءل آمال الفلسطينيين في تحقيق دولتهم المستقلة المنشودة وعاصمتها القدس. ناهيك عن تجاهل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للأحياء العربية بالقدس وعدم منح الفلسطينيين تصاريح للبناء في المدينة وتوسيع الأحياء اليهودية لتطويق وخنق الأحياء العربية. والأكثر من ذلك قيام جماعات متطرفة ومسلحة من اليهود بشراء المنازل في قلب الأحياء الفلسطينية بعد إجبار سكانها الرحيل. وقطع كل صلة ممكنة بين القدس والضفة الغربية.


والبعد الثاني هو بعد ديني فقد تزايدت زيارات اليهود للحرم القدسي للصلاة هناك خلسة حيث يمنعهم القانون ولكنهم في بعض الأحيان يدعون أنهم يتحدثون في هواتفهم المحمولة حتي لا يقعوا تحت طائلة القانون.


وإلي جانب المنع القانوني لصلاة اليهود داخل الأقصي الذي يدعي اليهود أنه أقيم فوق بقايا هيكل سليمان، هناك أيضاً فتوى دينية تحـظر الصعود علي جبل الهيكل - هضبة الحرم - خوفاً من صعود غير الأطهار بما يدنس قدس الأقداس أي أكثر الأماكن قداسة من بقايا الهيكل المزعوم. ورغم ذلك يصر اليهود المتطرفون علي أداء هذه الزيارات ويضغطون من أجل الحصول علي ساعات محددة لهم نهاراً يمنع خلالها المسلمون من دخول الأقصي. وذلك بنفس الكيفية التي تجرى بها الأمور في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل أي التقسيم الزماني والمكاني.


وعلي مدار سنوات الاحتلال البغيضة تعرض الأقصي لعمليات حفر تهدد أساساته بالتصدع كما أزيلت من حول المسجد المعاهد والمساجد والأسواق والمساكن والمقابر المجاورة لحائط البراق والذي يطلق عليه اليهود حائط المبكي ويعتبرونه آخر ما تبقي من الهيكل ويسمح لهم بالصلاة إلي جواره.


هدم الأقصي هدف كل المتطرفين


في إسرائيل توجد العشرات من الجماعات المتطرفة المختلفة ولكن السمة المهمة التي تجمع بينها هي الرغبة في هدم الأقصي واعادة بناء هيكل سليمان. والهيكل في اللغة العبرية هو بيت الإله. من أبرز هذه الجماعات جماعة أمناء جبل الهيكل التي تأسست عام ١٩٦٧ وتهدف لتهويد منطقة الحرم القدسي ومركزها الرئيسي القدس ولها فروع أخري في أمريكا ويقدم متطرفون مسيحيون التبرعات المالية للحركة حيث يعتقدون أنه لابد علي اليهود إعادة بناء الهيكل الثالث وذلك للتحضير لمجئ المسيح المخلص وحاولت الحركة أكثر من مرة إرساء حجر أساس الهيكل المزعوم ولكنها فشلت.


كذلك توجد جماعة باسم حي فاكيام - الحي القيوم - ومن زعمائها موردخاي كاربال ويهودا عتسيون الذي وضع خطة لتفجير المسجد الأقصي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وخططت الحركة عدة مرات لنسف الأقصي واعتقل عدد من أعضائها عدة مرات. ومن الجماعات الشهيرة أيضاً حركة كاخ التي أسسها الحاخام المتطرف مائير كاهانا عام ١٩٧١ وشعارها السيف لتحقيق أهدافها.


وقد قام باروخ جولد شتاين أحد أتباع الحاخام المتطرف بارتكاب مذبحة الحرم الإبراهيمي عام ١٩٩٤ في مدينة الخليل. هذه الحركة محظورة بقوة القانون. وانضم أعضاؤها بعد حل الجماعة إلي حركات أخري متطرفة. ومن أتباع كاهانا أيضاً جودمان الذي نفذ هجوماً علي الأقصي عام ١٩٨٢ وحاولت حركة كاخ تفجير قبة الصخرة دون أن تنجح في ذلك. ومن عباءة كاخ ظهرت جماعات أخري لا تختلف عنها في الأهداف منها كاهانا - حي وحشمونائيم التي حاولت تفجير قبة الصخرة إلا أنها فشلت.


وهناك أيضاً جماعة جوش أمونيوم - كتلة المؤمنين - التي أسسها الحاخام المتطرف موشي ليفنجر عام ١٩٧٤ والتي تؤمن بالعنف كوسيلة لتحقيق أهدافها الاستيطانية في الضفة الغربية وغزة وتدعو لهدم الأقصي لإقامة الهيكل المزعوم.


الذي بدونه لا تكتمل عبادتهم ليقدموا عليه ذبائحهم فتكفر ذنوبهم وتمحو خطاياهم.


ولا يقتصر الأمر علي أعضاء وجماعات اليهود المتطرفين فنجد وزراء وأعضاء كنيست يدخلون المسجد الأقصي منهم وزيرة الثقافة ميري ريجييف حزب الليكود - ووزير الزراعة أوري آرتيل - حزب البيت اليهودي. ولا يمكن لعربي أو مسلم أن ينسي اقتحام آريل شارون رئيس الوزراء الأسبق - حين كان زعيماً للمعارضة علي رأس حزب الليكود قبل ١٥ عاماً للمصلي المرواني وأطلق ذلك شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولي.


ولا يسأم اليهود من محاولات اقتحام المسجد الشريف في مناسبات دينية مختلفة مثل عيد رأس السنة اليهودية عام ٢٠١٣ وفي مناسبات أخرى مثل عيد الغفران وعيد العرش.


ويتوجس المسلمون من نوايا اليهود إقامة كنيس صغير فوق المصلي المرواني - الذي يطلق عليه اليهود اسطبلات سليمان - من الجهة الجنوبية الشرقية للمسجد الأقصي. المعروف أنه في عام ٢٠٠٨م ألغى أكثر من مائة حاخام فتاوي سابقة بتحريم الدخول إلي المسجد قبل نزول المسيح المخلص.


في عام ١٩٦٧ صدرت فتوي حاخامية تحظر الصلاة في الأقصي بزعم أن ترابه يحتوي بقايا من جثث اليهود القدماء. ولا يجوز الصلاة فيه إلا بعد تشييد الهيكل الثالث. وقد كشفت صحيفة معاريف في يناير من عام ٢٠١٤ أن وفداً من منظمة جبل الهيكل توجه إلي إيطاليا لمطالبة روما باعادة مقتنيات الهيكل الثاني المهدم التي حصل عليها القائد الروماني طيطوس كغنائم للحرب التي قادها ضد اليهود في فلسطين ودمر خلالها هيكلهم المقدس.


 



آخر الأخبار