حجة الوداع.. وحقوق الإنسان

22/09/2015 - 12:31:38

أ.د. أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء رئيس جامعة الأزهر سابقا

إن واجب أمتنا الإسلامية فى مشارق الأرض ومغاربها أن تتمعن- جيداً- أهم بيان نبوى، وأعظم وثيقة عرفتها البشرية لحقوق الإنسان، عبر الزمان.


لقد كانت هذه الوثيقة العظمى تمثل المحجة البيضاء التى ترك رسول الله صلى عليه وسلم أمته عليها.


إنها خطبة الوداع فى حجة الوداع، قبل أن يودع الحياة والناس، وعلى الأرض المقدسة أرض عرفات خطب الناس وقال:


“إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شىء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضعة وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعاً فى بنى سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع- (أى باطل) وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة اللة..”


إلى أن قال: “.. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس، اللهم اشهد اللهم فاشهد ثلاث مرات” رواه مسلم.


• لقد أكد على حرمات النفس والمال والعرض، وأبطل ما كانوا عليه فى الجاهلية من العدوان والقتل وإراقة الدماء، كما أبطل الربا وبدأ بأهل بيته فقال: وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبدالمطلب.


• وأكد على حرمة النساء وحقوقهن وأمر الناس أن يتقوا الله فى النساء.


• ثم قرر أنه يتركهم على المحجة البيضاء إن اعتصموا بكتاب الله فلن يضلوا.


وقرر هذه الحرمات والحقوق وأكد عليها فى خطبته فى حجة الوداع فى يوم النحر.


عن أبى بكر أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب فى حجته فقال: “ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان، ثم قال:


“أى يوم هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، ثم قال: أى شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، ثم قال: أى بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليست البلدة- (أى البلد الحرام مكة) قلنا: بلى قال: “فإن دماءكم وأموالكم- وأحسبه قال- وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدى ضلا لا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه”.


رواه أحمد، والبخارى فى التفسير وغيره، ورواه مسلم، قال الله تعالى:


“إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم..” سورة التوبة (٣٦).


وفى ثانى أيام التشريق وسمى بيوم الرءوس لأنهم كانوا يأكلون فيه رءوس الأضاحى كان لرسول الله صلى عليه وسلم خطبة أخرى، عن سراء بنت نبهان رضى الله عنها أنها قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس فقال: “ أتدرون أى يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أوسط أيام التشريق، هل تدرون أى بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم وإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد هذا ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت؟”


وعن أبى نضرة رضى الله عنه أنه قال: حدثنى من سمع خطبة النبى صلى الله عليه وسلم فى أوسط أيام التشريق أنه قال: “أيها الناس إن ربكم واحد، وإن آباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على اعجمى ولا لأعجمى على عربى، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن سورة “النصر” أنزلت وسط أيام التشريق، وهى : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا


وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع، فركب ناقته القصواء، ووقف عند العقبة، واجتمع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.


“ أيها الناس إن ربكم واحد، وإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا فى موقفى هذا..” ومن أجل ذلك سميت هذه الحجة: حجة الوداع.


لقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إبطال الربا وبدأ بربا عمه العباس، ليكون فى هذا التحريم النهائى للربا وقال صلى الله عليه وسلم: “وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب”.


وقرر عليه الصلاة والسلام فى حجة الوداع حرمة النفس والمال والعرض، “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا..”


وأكد عليه الصلاة والسلام - فى حجة الوداع على مكانة المرأة وحذر من ظلم النساء ووجه الأمة فى ذلك توجيها مؤكداً حين قال: “اللة الله فى النساء فإنهن عوان بينكن أخذ تموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله”.


كما أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على التمسك بالكتاب والسنة، وحذر من عدوان الناس بعضهم على بعض فقال: “لاترجعوا بعدى ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض”.


وأكد على مبدأ المساواة ونادى الناس جميعاً قائلاً: “يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أيامكم واحدة ألا لا فضل لعربى على اعجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى.. كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.


ولايخفى ما لمبدأ المساواة من أهمية عظمى لدرجة أن سمة الحجاج البارزة فى زيهم وشكلهم وإحرامهم هى المساواة فهم جميعاً زيهم واحد: الإزار والرداء، ليس في هذا تمييز لأحد إنهم يخلعون ملابسهم الدنيوية التى تظهر التميز والفرق بين الغنى والفقير، أما في الحج فلا يستطيع أحد أن يميز بينهم لأن جميع الناس سواء فى شكلهم وفي زيهم حال إحرامهم.


وهكذا نرى أن حجة الوداع قد أكد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقوق الإنسان، ما يتعلق منها بالنفس أو بالمال أو بالعرض، وحقوق المرأة، وحق المساواة بين الجميع، إنها مبادئ الحق والعدل والإنصاف يترك الرسول صلى الله عليه وسلم أمته عليها، موضحاً أن تمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها واعتصامها بحبل الله فى ذلك كله النجاة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.


ولقد كان له صلى الله عليه وسلم فى يوم عرفة دعاؤه الذى أعلن فيه توحيد ربه، وحمده وشكره له، والإقرار بأنه يراه ويسمع كلامه، ويعلم سره وعلانيته ثم يعطى القدوة من نفسه لأمته وهو يتسغيث بربه ويستجير به قائلاً:


“لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شىء قدير، اللهم لك الحمد كالذى تقول وخيرا مما تقول، اللهم لك صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى، وإليك مآبى ولك ربى تراثى. اللهم إنك تسمع كلامى، وتري مكانى وتعلم سرى وعلانيتى، لايخفى عليك شىء من أمرى، أنا البائس الفقير، والمستغيث المستجير والوجل المشفق، والمقر المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه وذل جسده، ورغم أنفه.


“اللهم إنى أعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، وأعوذ بك من شر ما يلج فى الليل، وشر ما يلج فى النهار، وشر ما تهب به الريح وشر بوائق الدهر، اللهم كن لى رءوفا رحيما فاشرح صدرى ويسر لى أمرى، واجعل فى صدرى نورا وفى قلبى نورا، وفى سمعى نورا، وفى بصرى نورا، ولا تجعلنى بدعائك رب شقيا، ياخير المسئولين وياخير المعطين”.