بهاء طاهر: لم أفهم التاريخ جيدا عندما هتفت يسقط حكم البكباشي!

30/07/2014 - 12:43:04

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

حوار: شيرين صبحي

نظرة حزينة تعلو وجه فلاح بجلباب ممزق، كانت هي اللوحة التي تعتلي أحد جدران منزل الأديب الكبير بهاء طاهر. في أي عهد يعيش هذا الفلاح، قبل أن يأتي الزعيم جمال عبد الناصر أم بعد رحيله؟ ولماذا يمسك طاهر بهذه اللحظة وتلك النظرة؟!


في منزله بالزمالك استقبلنا طاهر بابتسامة ودود تشبه روحه الحالمة، استعاد معنا زمن الحلم الجماعي وأحلام المصريين الكبري، تلك الأحلام التي تنكسر وتخبو تارة، ثم تعود لتنهض من تحت الرماد تارة أخري. طاهر الذي هتف يوما "يسقط حكم البكباشية"، يرفض تماما من يهتفون اليوم "يسقط حكم العسكر"، يؤكد أنهم لم يقرؤا التاريخ جيدا.. لا يزال بهاء طاهر كالناسك يتعبد في محراب ثورة يوليو


> سألت الأديب الكبير: بعد قيام ثورتين في 25 يناير و30 يونيه هل غابت شمس ثورة يوليو؟


- أجاب قاطعا: بالطبع لا!


> فما الذي تبقي من ثورة يوليو؟


- من نتائجها هاتين الثورتين. نفس الولاء، ونفس المباديء التي تنادي بها. ومن أجل هذه الأهداف قادت 23 يوليو معارك كبيرة جدا.


> وهل نجحت في المعارك التي قادتها؟


- أظن أكبر دليل علي هذا أنها قامت بالإصلاح الزراعي، توزيع الأرض علي الفلاحين، معركة تأميم قناة السويس، والسد العالي، أظن أنها خاضت معارك من أجل تثبيت الاستقلال الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذه المعارك في معظم الوقت كانت ناجحة.


> يري الأديب محمد البساطي أن مكاسب ثورة يوليو انتهت ولم يتبق منها سوي العسكر؟


رحم الله محمد البساطي. لا أوافقه تماما، وأرفض كلمة العسكر رفضا نهائيا. الجيش المصري العظيم لا يمكن أن يوصف بأنه عسكر. هذه الكلمة التي كان يطلقها المصريون علي المماليك. والجيش المصري لا يمكن أن يقارن بالمماليك أو غيرهم من القوي الأجنبية التي عاشت في مصر. تاريخ الجيش في الوطنية بدأ من نصف القرن ال 19 واستطاع أن يلتحم بالشعب وبلغ ذروته في الثورة العرابية التي شهدت احتضان الجيش للشعب واحتضان الشعب للجيش في ملحمة فريدة لم تنته النهاية المرجوة، لكنها كانت فترة حاسمة ومجيدة في التاريخ المصري.


> كثيرون يرون أن من أكبر أخطاء الثورة أنها لم تكن تحمل مقومات الاستمرار وماتت بموت زعيمها؟


- هل تعتقدين أنها انتهت بنهاية عبد الناصر؟ّ!


> لم تستمر في فترة السادات ولا مبارك؟


- نعم هذا حقيقي، لكن آثارها الإيجابية استمرت دائما، بمعني أن لا أحد من هؤلاء أعاد قناة السويس إلي مغتصبيها من الفرنسيين والإنجليز، ولا استطاع أحد أن يطرد الفلاحين من الأرض التي تملكوها، ولم يستطع أحد أن يحرم العمال من المكاسب التي اكتسبوها من حيث تحديد ساعات العمل ومستوي الأجور، وغيرها إلخ.


> لماذا لم تحقق ثورة يوليو أهدافها الخاصة بالديمقراطية أم أنه كان هدفا شكليا؟


- لأن الثورة من أول يوم لها كانت تتعرض لمخاطر، فكان لابد أن تحصن نفسها بإجراءات في بعض الأحيان كانت صعبة وقاسية وحتي مرفوضة، لكنه كان نوعاً من المقاومة لتحقيق الثورة.


> أليست هذه ذريعة لعدم تطبيق الديمقراطية مثل الحديث عن الثورة المضادة؟


- لكن هذا صحيح. اقرأي رواية "قالت ضحي" وأنت تعرفين.


> لكنك أدنت ثورة يوليو في روايتك "قالت ضحي"؟


- إدانة أم تحليل؟ أعتقد الأفضل القول بأنه تحليل. هناك من قال إن الحرب علي الثورة حرب ضارية ولابد من احتمال التدابير القاسية لتحمي نفسها.


> لماذا دائما تأتي الحرية والديمقراطية في آخر الأولويات؟


- لماذا عندنا نحن فقط؟ متي كانت أولوية عند أحد في العالم! عند الثورة الفرنسية مثلا؟ لم تتحق الحرية إلا بعد فترة طويلة. التاريخ لا يرسمه الأماني ولا النوايا الطيبة بل يرسمه الواقع. عندما تتحقق الظروف المواتية لقيام الديمقراطية، تقوم الديمقراطية، وعندما تؤدي الظروف إلي نوع من القمع، يحدث القمع!


> لكن غياب الديمقراطية يجعل هناك دائما حنيناً للفترة الليبرالية قبل ثورة يوليو؟


- بمن فيهم أنا! لأننا عشنا هذه الفترة الليبرالية. لكن بالرغم من أن هذه الفترة بها أشياء نشعر بحنين إليها؛ هناك أشياء عندما نذكرها نحمد الله علي قيام الثورة، أتذكر مثلا أن هذا الشارع الذي أسكنه كان نصف الناس يمشون به حفاة، وكان هناك مشروع اسمه مكافحة الحفاة.. كانت الطبقات المطحونة؛ مطحونة بشكل حقيقي. والثورة جاءت لترفع من مستوي هذه الطبقات المطحونة.


> بعد قيام ثورة يناير أدان الكثيرون 60 عاما مضت أضاعت أحلام المصريين وبالتالي هذا إدانة لثورة يوليو؟


- هذا نتيجة جهل بالتاريخ. أنا وجيلي ومنهم محمد البساطي، لولا الثورة ما تعلمنا التعليم الجامعي. تعلمنا في الجامعة بفضل المجانية التي طبقتها الثورة.


> حتي هذه المجانية يرددون أنها ليست مشروع عبد الناصر بل طه حسين؟


- لكنها نفذت في عهد من؟ أليس عبد الناصر؟!


> هل تعتقد أن عبد الناصر كان مستوعبا للدور الثقافي في مشروعه؟


- الحقيقة لا، وهذه من أخطائه الكبري. في كتابي "أبناء رفاعة" هناك فصل بعنوان الثورة علي المثقفين. عبد الناصر لم يكن يستوعب دور ووجود المثقفين. وهذه كانت من أهم أسباب انتكاسة الثورة.


> وهل الثورة اليوم تستوعب دور المثقفين؟


- اليوم أيضا لا.


> هذا ينبئنا أيضا بحدوث انتكاسة؟


- لا أتنبأ.


> هل حاول عبد الناصر ترويض المثقفين لخدمة أغراضه؟


- يمكن استخدام هذا التعبير. لكن لا أحب استخدام كلمة "ترويض" لأن المثقفين ليسوا وحوشا. لكن عبد الناصر لم يكن يثق بهم. كان مع أهل الثقة، وإن كان هناك مثقفون أدوا أدوارا هائلة في عهده.


> يعود الحديث اليوم عن أن 23 يوليو كانت انقلابا وليس ثورة.. بالطبع من يقود هذا هم الإخوان لكن هناك أيضا من يتبنون نفس وجهة النظر؟


- الإخوان لا يمكن أن يرضوا أبدا عن ثورة يوليو.


> يدللون علي هذا بالحديث عن العلاقة بين عبد الناصر والمخابرات الأمريكية وأن 23 يوليو من صنع الأمريكان؟


- دعيهم يستذكرون قليلا، ويرون كيف حاربت أمريكا ثورة يوليو من أول يوم لها حتي النهاية. يرون كيف تآمرت أمريكا علي مصر في حرب 67 وعبد الناصر كان يقول كلما اكتشفت أن أمريكا ضدي أعرف أنني أسير في الطريق الصحيح. لأن فعلا أمريكا كانت ضد الثورة، ليس فقط المصرية بل في العالم كله. أمريكا تستغل الظروف الدولية لكسر الثورات.


> بعد ثورة يوليو أصبحت القاهرة عاصمة لحركات التحرر في الوطن العربي والإفريقي.. لماذا لم تستطع ثورة يناير أن تجعل القاهرة عاصمة لثورات الربيع العربي وربما من استطاعت أن تحتل هذا المكان بعض الشيء هو تونس؟


- مصر باعتبارها أهم بلد عربي، يشار إليها دائما عند الحديث عن ثورات الربيع العربي. كنت في جنوب إفريقيا بعد الثورة، وكانوا جميعهم يتحدثون عن الربيع باعتبار أن مصر هي مهد هذا الربيع، فلا أحد يستطيع أن يغفل دور مصر التاريخي ولا الجغرافي. تونس علي عيني ورأسي وأنا أحبها جدا. لكنها من حيث الحجم والموقع هي غير مؤهلة لأن تقود العالم العربي. مصر هي المؤهلة لهذا الدور.


> يدور هذا الحديث أكثر بعد ثورة 30 يونيه وليس 25 يناير؟


- علي من يقولون هذا الكلام أن يذاكروا التاريخ جيدا. الثورة المصرية بعد 30 يونيه، استطاعت أن تنقذ العالم العربي ومصر من سيطرة التيارات المتطرفة مثل داعش وبوكو حرام وكل هذه الأشياء الكارثية. من يريد النظر إلي التاريخ لابد أن يكون لديه أفق أوسع. وينظر من منظور أشمل.


> ربما لأنهم غير راضين عن مسار الثورة؟


- لابد أن يدركوا أن هذه الثورة أنقذت مصر من مصير مؤلم مثل "داعش". القيادة المصرية علي صواب كامل عندما تقرر أن التيارات التي تدعي أنها دينية، هي في حقيقة الأمر تسعي للسلطة السياسية، وعلاقاتها بالخارج مشبوهة. هذه مسألة مهمة جدا.


> هتفت يسقط حكم البكباشية.. كيف تري من يهتفون اليوم بسقوط حكم العسكر؟


- أكرههم جدا. "مش مذاكرين تاريخ ولا إحنا كنا مذاكرين. لازم تذاكروا".


> لم تتصالحوا كشبان ولم يتصالح الشعب مع ثورة يوليو أو يعترف بعبد الناصر زعيما إلا بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي علي مصر.. ماذا يحتاج الثوريون اليوم للتصالح مع "العسكريين" أو مع السيسي؟


- أولا بمراجعة التاريخ جيدا. ثانيا عندما تستطيع الثورة أن تتغلب علي المشاكل في البلاد.


> أي مشاكل تحديدا التي تسببها التيارات الدينية أم المشاكل الاقتصادية أم ماذا؟


- كل هذا.


> لكن الأمر يأخذ وقتا طويلا جدا؟


- هذا هو التاريخ. لكن التغلب علي المشاكل الاقتصادية يحدث مصالحة أسرع.


> الأجواء بعد 30 يونيه تشبه أجواء 23 يوليو فهناك حديث عن قمع حريات ومحاكمات مشكوك في نزاهتها وقانون يمنع التظاهر؟


- لا شيء يسمي أن التاريخ يعيد نفسه مطلقا. فهناك مسار مستقل لكل فترة زمنية.


> قبل وصول السيسي للحكم كان هناك من يشبهه بعبد الناصر.. لكن ألا تري أن سياساته الاقتصادية أقرب للسادات؟


- لا ينفع عمل تماثل أو تناظر بين شخصيتين تاريخيتين في ظرفين تاريخيين مختلفين. الناس تتمني أن يكون السيسي عبد الناصر. وهو تمني طيب جدا لأنهم يحبون عبد الناصر.


> لكنهم وجدوا أمرا مختلفا؟


- بل وجدوا ظرفاً تاريخياً مختلفاً.


> عند الحديث عن الانحياز للفقراء يكسب عبد الناصر.. أم أن التجربة لم تكتمل بعد؟


- الحكم علي السيسي الآن مبكر جدا.


> نجيب محفوظ قال إن عبد الناصر أضاع فرصة تاريخية نادرة لينقل مصر نقلة حضارية أشبه بما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.. فهل أمام السيسي هذه الفرصة لنقلة حضارية في مصر وهل يستطيع أم سيضيعها مثلما فعل عبد الناصر؟


- أرفض التنبؤ.


> بعد 62 عاما هل يمكن أن نعيد تقييم ثورة يوليو أو نعيد لها اعتبارها؟


- إذا قرأتم التاريخ والظروف التي كانت تعيشها ثورة يوليو سوف تقدرونها.