موراكامي : القيام بأبحاث بهدف كتابة رواية يعوق الخيال

20/09/2015 - 12:30:04

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

حوار: رونالد دوكير - ترجمة : لطفي السيد - مترجم مصري

طوكيو؟ لا، على الإطلاق!


   فلكي تزور هاروكي موراكامي، ينبغي أن تذهب إلى هونولولو. هناك اختار أن يعيش: مكان غير محتمل كقصصه. الضوء، الجبال، شاطئ ويكيكي الأسطوري: المسافر الذي يحط هناك يستغرقه حلم درجة حرارته 28 درجة مئوية معبق بأريج رائحة الزهور الاستوائية. الجنة على الأرض. لكن تقريبا لا يوجد أحد هنا، على الشاطئ: منذ أن وضعت لائحة صارمة منعت التدخين والشراب والطعام عليه، أخذ السائحون يطلبون كوكتيل الماي تاي في بار فندقهم المكيف.


    موراكامي ليس فقط أحد المؤلفين الذين يذكر اسمهم كل عام من بين المرشحين لجائزة نوبل للآداب، بل يشكل كذلك، ضمن عشرة مؤلفين الأكثر مبيعا حاليا في العالم. هذ الجامع الشغوف بالأسطونات أدار في طوكيو ناديا للجاز، قبل أن ينطلق إلى مجال الأدب في عامه التاسع والعشرين. من بين رواياته الأكثر ذيوعا: "سباق على الخروف البري"، "نهاية الزمان"، "أغنية المستحيل الراقصة"، "كافكا على الشاطئ"، دون أن ننسى الكثير جدا من القصص القصيرة المنشورة في المجلات والتي ضمنها مجموعات إلا أنه لا يزال منها الكثير لم يترجم إلى الفرنسية.


*  في روايتك الجديدة "تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه"، تحكي قصة واقعية على نحو مقبول. وفيها إلى حد ما عوالم موازية وقطط تتصرف ككائنات بشرية؟


ـ أعرف بعض الأشخاص الذين كانوا قد أصيبوا بخيبة أمل من ذلك. كانوا ينتظرون شيئا آخر. لكنه بالضبط الكتاب الذي كنت أريد كتابته في هذا الوقت. ومن ناحية أخرى، لست متأكدا أنها رواية واقعية بالفعل.


*        حسنا، هناك امرأة لها ست أصابع في إحدى يديها. يبدو أن مصير الشخصيات يعتمد على الألوان التي تتصل بها. ثم، هناك جريمة قتل غامضة للغاية؟


ـ نعم، لا أعرف من خنق هذه السيدة. فقط أعرف أن جريمة القتل هذه كانت ضرورية قطعا للقصة. رواياتي وقصصي قد تكون أكثر فانتستيكية، أو أقل. لكن عندما أكتبها يكون الأمر سيان بالنسبة إلي. لكني كنت أعرف ما أحتاج. مرة أخيرة، شعرت بهذه النفثة، هذه النسمة التي تحدثني من الجانب الآخر.


* رواية "تسوكوروتازاكي عديم اللون وسنوات حجه" يدور جزء منها في فنلندا. هل ذهبت إلى هناك؟


ـ مرة، عام 1980. لكني كنت قد نسيتها كليا. وبعد أن أنهيت الرواية، عدت إليها. الجو جميل جدا هناك.


* كذلك كان بإمكانك الذهاب إليها قبل الانتهاء من الرواية!


ـ لا أحب القيام بأبحاث بهدف كتابة رواية. هذا يعوق الخيال. لكن هناك ظاهرة غريبة. كنت قد صنعت في رأسي بعض الصور عن فنلندا وعندما ذهبت إليها تأكد لي أن كل شيء هناك بالضبط كما وصفته في روايتي. إنه شعور حقيقي للرؤية المسبقة. بالضبط يشبه ما حدث في رواية "كافكا على الشاطئ".


* إلى متي يعود ذلك؟


ـ المرة الأولى التي حدث فيها ذلك، كان أثناء كتابتي رواية "سباق على الخروف البري"، منذ أكثر من ثلاثين عاما. كنت إلى طاولتي عندما انبثق هذا المخلوق الغريب من تلقاء نفسه. الرجل - الخروف. أتى من الجانب الآخر. لم أكن أعرف من هو ولا ماذا كان يريد مني. لكني كنت أعرف أنني بحاجة إليه. إنه رسالة كانت قد وجهت إليّ. حينئذ، وصفته. لم يكن لدي أي شيء آخر لأفعله.


* هل أنت متدين؟


ـ لا، أومن فقط بالخيال. ولذلك: ليس هناك سوى حقيقة واقعية. العالم الواقعي وآخر لا واقعي، يتعايشان. وهما ملازمان لبعضهما على نحو لصيق. في بعض الأحيان، يمتزجان، لما أريد ذلك، ولما أركز بدرجة عليه، أستطيع أن أعبر من هذا إلى ذاك الجانب. يمكنني أن أروح وأجيء بين الاثنين. هذا ما يحدث في كتبي. هكذا تدور قصصي، إما على المستوى الأول أو المستوى الآخر، لم أعد ألحظ حتى الفرق بينهما.


* عندما تتحدث عن" الجانب الآخر"، أتقصد نوعا من الأرواحية  الأدبية؟


ـ أعني ما يحدث أثناء الكتابة. الأشياء التي أقابلها في الخيال والتي تساعدني على حكي قصة ما. قد تكون هذه الحيوانات خرافية أحادية القرن.. خراف، أفيال وقطط، بل إن كلا من الظلام والموسيقى تمنحهما الكتابة فقط روحا. إن الأشياء تأتيني دون أن أستدعيها. يلزمني فقط أن أركز بدرجة عالية.


* تتحدث عن هذه الأشياء كما لو كانت موجودة منذ الأزل.


ـ أحيانا أشعر أني حكاء لما قبل التاريخ. يجلس البشر في كهف محبوسين، والجو في الخارج ممطر. لكني معهم وأحكي لهم بعض القصص. يغلفني الظلام، لكن هذه العناصر، هذه الأشياء الروحية، كلها من حولي، يكفي أن أمد يدي. هذا هو الحال منذ فجر التاريخ: نتبادل حكي القصص. وأنا خبير في المادة. كل ما أوده، أن أكون الحكواتي الأفضل إن أمكن. أعرف أن الحياة هناك في الداخل، في الكهف، بائسة إلى حد ما. وظيفتي أن أجعل الناس ينسون هذه الحياة. ويجب عليّ كحكاء أن أضع تكنيكا لهذا. حتى لو ظن الكثير من الناس أن الأمر شيء آخر، أقول لك: القصة لا تكون قصة جيدة إلا بالتكنيك.


* وهذا التكنيك، كيف شكلته؟


لم أتعلمه. بكل بساطة دائما ما أكتب وأعدل الكتابة بصرامة. لقد تشكل تكنيكي من تلقاء نفسه.


* في رواية "سباق على الخروف البري"، على سبيل المثال، ليس هناك سوى مخلوقات فوق طبيعية. هل أنت بالفعل روائي ياباني؟


ـ كان أبواي يقومان بتدريس الأدب الياباني في الليسيه. ربما ما تقوله يأتي في الحقيقية من تحد مبكر جدا، فقد قرأت بشكل خاص كتابا غير يابانيين: دوستويفسكي، كافكا، تولستوي، ديكنز. ثم ترجمت إلى اليابانية مجموعة من الكتاب الأمريكيين: سكوت فيتزجيرالد، ريموند كارف، وريموند شاندلر. بالرغم من أي شيء، أنا كاتب ياباني. تغوص جذوري في الأرض اليابانية.


 * في اليابان، يقال إنك كاتب لا قومي. ويأخذون عليك غلبة السمة الغربية.


ـ هذا أمر مثير للسخرية! ليس هناك سوى نوع معين من الأدب لا أحبه. لدي حساسية تامة تجاه كاواباتا أو ميشيما.


* كان هذان الكاتبان مشهورين على المستوى العالمي، وانتحر الاثنان. هل لدى اليابانيين فتنة خاصة بالموت؟


ـ كثير من أصدقائي الرائعين ماتوا هكذا. إنه أمر محزن جدا. لكن، بكل تأكيد، كان لديهم الحق في أن يفعلوا ذلك. هناك المزيد من حالات الانتحار في اليابان عما هو الغرب، هذا له علاقة أيضا وتحديدا بالمذهب البوذي الذي لم يعتبر الانتحار إثما. هناك أناس يستكشفون في هذا الفعل جمالا ما. يجدون فيه رمزًا لعزة النفس. بالنسبة إلي هو أمر غريب. أعيش حتى أستطيع الكتابة.


* وما شعورك أثناء الكتابة؟


ـ الكتابة بالنسبة إلي هي معنى الحياة. تجعل من حياتي شيئا مميزا. إن طاولة عملي بالنسبة إلي مثل كابينة التليفون لكلارك كينت: هناك أستحيل إلى سوبر مان. حين أكتب أستطيع أن أفعل كل ما أريد. لم أعد خائفا. الخيال يتيح لي خلق كل شيء. حينما أكتب، أكون قادرا على إنقاذ العالم. لكن، بمجرد أن غادر مكتبي، أصبح مجددا كلارك كينت. تسطيع أن تصدقني: أنا بالفعل أكثر إنسان عادي في العالم. أنا زوج رائع، لا أصرخ، لا أفقد أبدا دمي البارد. في الحياة العادية، لا تراودني أي فكرة يمكن أن أغذي بها أدبي. لما أمشي، أو بينما أنا في المطبخ أو على الشاطئ، لا يمر برأسي أي شيء.


* لكن ماذا تفعل إذن في هاواي؟


ـ هنا نشعر بالملل. بل، عندما أعيش في بلد ممل مثل الولايات المتحدة، أشعر أنني بمفردي تماما، ولا أشعر باندماجي في أي مكان. حينئذ أعود إلى نفسي وأشعر أني مستقل. هذا ما يرضيني. في اليابان، أجد نفسي معروضا تماما للعموم. وينتظر دائما شيء ما مني، على سبيل المثال أن أتخذ موقفا في بعض النقاشات. أنا معروف في الشارع، حتى لو أني أرفض الذهاب إلى التليفزيون. جعلني هذا الوضع أصاب بالغثيان. أشعر أني أكثر حرية عندما  لا أكون في اليابان.


* هل تعيش هنا بشكل دائم؟


ـ لدي منزل في هونولولو منذ سبع سنوات. منزل عتيق وجميل يرجع تاريخه لما قبل الحرب. كل شهرين أستقل الطائرة لأزور أمي في اليابان: لديها 90 عاما وبعض المتاعب الصحية. أمضي ثمانية أشهر هنا وأربعة في طوكيو. وبداية من العام القادم، سوف يتغير هذا كله.


   سينتهي تعاقدي مع الجامعة، ومعه سينتهي تصريح الإقامة. منذ 11 سبتمبر، أصبح الأمريكيون شديدي الصرامة. في بعض الأحيان، أسأل نفسي: هل أحمل ملامح إرهابي؟


* أبطال رواياتك من كبار المتوحدين. هل هذه حالتك أيضا؟


ـ كنت طفلا وحيدا، أحادث القطط التي كانت عندنا في المنزل. بالنسبة إلي، الوحدة، تعني الاستقلال. طوال حياتي، لم أعتمد إلا على نفسي.


* لا يبدو أنك تعاني ذلك.


ـ أعرفها كلها: الاكتئاب، القلق، التناقضات. أعرف ما هذا.


* يوجد لهذه الأمراض بعض المعالجات، التحليل النفسي على سبيل المثال.


ـ لا أحتاج إليها. لدي الكتابة. عندما أكون مكتئبا، أبدأ كتابة قصة. حينئذ يظهر حل مشكلتي الداخلية. هذا النوع من القصص دائما تكون بدايته إلى حد ما حزينة، لكن البطل بطريقة أو بأخرى دائما ما ينجح في تغيير اتجاه حياته. عندما أكتب تأتيني حلول للمشاكل الأكثر صعوبة. (عن مجلة "مجازين ليتيرير")