الديمقراطية أشد الصادرات الأمريكية فتكا

20/09/2015 - 12:28:28

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

ويليام بلوم - ترجمة : د. فاطمة نصر

الإرهـــــــــاب


ظل المؤيدون لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، ومنذ 11 سبتمبر 2001، يرددون مقولة إن سياسة الولايات المتحدة لمجابهة الإرهاب قد آتت ثمارها ويبرهنون على ذلك بعدم حدوث أية هجمات إرهابية ناجحة بالداخل الأمريكي  منذ ذلك اليوم المشئوم.


هذا صحيح، بيد أنه، أيضاً، لم تحدث أية هجمات إرهابية بالداخل الأمريكي طوال السنوات الست السابقة على 11 سبتمبر 2001، إذ كان آخر تلك الهجمات هو تفجيرات أوكلاهوما سيتي في 19 أبريل عام 1995، حيث يبدو أن المعيار هو عدم حدوث مثل تلك الهجمات، سواء في وجود حرب على الإرهاب، أو في ظل عدم وجودها.


الأهم من ذلك هو أن الولايات المتحدة، قد ظلت طوال السنوات منذ 11/9، هدفاً للهجمات الإرهابية في عشرات المناسبات، ولا نشير هنا إلى أحداث العراق وأفغانستان، حيث وقعت هجمات على أهداف عسكرية ودبلوماسية ومدنية ومسيحية وغيرها، أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا ومنطقة المحيط الهادي، وبلغت في باكستان وحدها ما يربو على عشر هجمات. تشمل تلك الهجمات اثنين من الأندية الليلية في بالي بإندونيسيا في أكتوبر 2002، نجم عنهما مقتل ما يربو على مائتي شخص جلهم من الأمريكيين، أو مواطني أستراليا وبريطانيا، حلفاء أمريكا في الحرب، وفي العام التالي تعرض فندق ماريوت بچاكارتا، والذي تديره الولايات المتحدة حيث تقيم فيه السفارة حفلات الاستقبال الدبلوماسية واحتفالات عيد الاستقلال في الرابع من يوليو، تعرض لتفجيرات قوية، وفي السنوات التالية وقعت هجمات مروعة في مدريد ولندن، وهما من حلفاء الولايات المتحدة، اعتراضاً على الحرب.


أرض الأحرار، وموطن الحرب على الإرهاب:


دافيد ميكس، مواطن أسترالي في الحادية والثلاثين من العمر، قضي، وفقاً لمقايضة قضائية، ثمانية أشهر في المعتقل، معظمها بأستراليا. كان هذا في أعقاب خمس سنوات قضاها بمعتقل جوانتانامو، من دون توجيه تهمة إليه، ومن دون محاكمة أو إدانة. وفقاً للمقايضة، تعهد هيكس بعدم التحدث إلى المراسلين الصحفيين لمدة عام، وبالتنازل، إلى الأبد، عن تحقيق أية أرباح نظير روايته لقصته، وبالخضوع لاستجوابات الولايات المتحدة، والإدلاء بشهادته أمام المحاكم الأمريكية والدولية، وعدم الإدلاء بأية «مزاعم» تتعلق بسوء المعاملة أو الاحتجاز دونما سند قانوني. علّق بن ويزنر، محامي هيكس على تلك المقايضة بقوله لو أن الولايات المتحدة لا تشعر بالخزي من سلوكها، لما اختبأت وراء الأمر بتكميم الأفواه هذا.


ومثل غيره من «الإرهابيين» الذين احتجزتهم الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، فقد تم «بيع» هيكس للجيش الأمريكي نظير مبلغ مُجز قدمته الولايات المتحدة، وكثيراً ما تكررت تلك الظاهرة في أفغانستان، حيث كان المسئولون الأمريكيون يعلمون أنه بعرضهم النقود على المناطق المدقعة نظير تسليمهم أشخاصاً «متهمين» يصبح أي فرد ضحية مشروعة.


أيضاً، فقد تم تسليم «إرهابيين» آخرين للثأر منهم وعلى أساس من الكراهية الشخصية والعداوات. كما تم احتجاز الكثيرين غيرهم، بالخارج وبالولايات المتحدة - لمجرد أنهم كانوا يعملون لتنظيمات خيرية أو يتبرعون لها بالأموال. ووجهت إليهم الاتهامات بأن لهم روابط مع التنظيمات الإرهابية وفقاً لقوائم وزارة الخارجية الأمريكية، ذات الطبيعة السياسية البيّنة.


تم الكشف، مؤخراً، عن إطلاق سراح شخص عراقي مقيم في بريطانيا من معتقل جوانتانامو بعد احتجازه لمدة أربع سنوات وكانت تهمته هو أنه رفض العمل كمخبر مع المخابرات الأمريكية والبريطانية، ومازال شريكه في العمل محتجزاً بجوانتانامو بالتهمة نفسها.


وأخيراً، هناك الكثيرون من المظاليم الذين تم القبض عليهم لأنهم كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. بين الچنرال مارتن لوسنتي، النائب السابق لقائد جوانتانامو أن معظم المحتجزين لم يكونوا يقاتلون، بل كانوا يهرولون في محاولة منهم لتجنب الأمريكيين.


تم الإلقاء بآلاف الأشخاص في جهنم الأرضية تلك من دون أية أسباب. ظلت الوسائط الإعلامية تحفل بقصص ما تعرضوا له من رعب ومآسٍ لأعوام طويلة. قال الچنرال جاي هوود، القائد السابق لجوانتانامو، إنهم كانوا يعتقلون، أحياناً، أشخاصاً خطأ، وكأنما كان التعذيب الذي تعرضوا له سيصبح مبرراً لو أنهم كانوا الأشخاص «الصواب».


تم القبض على هيكس في أفغانستان عام 2001، وكان قد اعتنق الإسلام مؤخراً، ومثل كثيرين غيره ممن ذهبوا إلى أفغانستان لأسباب دينية، فقد قاتل في صفوف طالبان في الحرب الأهلية التي اندلعت في أوائل التسعينيات، وتلقى تدريباته العسكرية في معسكر لطالبان. كانت الولايات المتحدة تصر على تسمية تلك المعسكرات «معسكرات تدريب الإرهابيين» أو «معسكرات تدريب الإرهابيين المعادين لأمريكا» أو «معسكرات تدريب إرهابيي القاعدة». يتم توجيه الاتهام بعضوية القاعدة أو الارتباط بها إلى كل شخص أو مجموعة من المناهضين لسياسة واشنطن الخارجية في محاولة لوصمهم وتلويث سمعتهم، وكأنما ثمة تمايز محدد بين الذين يثأرون ضد بشاعات الإمبريالية الأمريكية فيما هم أعضاء بالقاعدة، وبين من يثأرون من نفس البشاعات من غير أعضاء القاعدة!!.


علينا أن نذكر هنا أن الجزء الأكبر من جنوب فلوريدا ظل، ولحوالي نصف قرن، يستخدم كمعسكر لتدريب الإرهابيين المعادين لكاسترو. لا توجد أي من تلك المجموعات - والتي نفذت مئات الهجمات الإرهابية بالداخل الأمريكي، وبالخارج كان من بينها تفجير طائرة ركاب وهي في الجو - لا توجد على قوائم وزارة الخارجية. وكذلك الحال مع أفراد عصابات الكونترا بنيكاراجوا في ثمانينيات القرن العشرين، والذين ساندتهم الولايات المتحدة بقوة وقال عنهم ستانسفيلد ترنر مدير السي آي إيه السابق في شهادته إنه يعتقد بلا مواربة أن عدداً من عمليات جماعات الكونترا هي عمليات إرهابية، إرهاب ساندته الدولة. ينطبق الأمر ذاته على مجموعات في كوسوفو والبوسنة، كانت على علاقة وثيقة بالقاعدة، وبأسامة بن لادن في الماضي القريب، لكنهم تحالفوا مع أچندة واشنطن في يوغوسلافيا السابقة منذ تسعينيات القرن العشرين. والآن، فنحن على علم بوجود جماعة باكستانية تدعمها الولايات المتحدة تسمي جند الله بقيادة أحد أعضاء طالبان، والتي أعلنت مسئوليتها عن اختطاف وقتل أكثر من عشرة جنود ومسئولين إيرانيين في هجمات عبر الحدود، هذا على الرغم من أن «جند الله» مدرجة ضمن الجماعات الإرهابية على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية، وكذلك عدد آخر من المليشيات الإثنية التي تدعمها السي آي إيه كي تشن عمليات قصف إرهابية واغتيالات في الداخل الإيراني. وكذلك الحال مع مجموعات كثيرة أخرى مدرجة على القائمة، وبخاصة تلك التي تعارض السياسات الأمريكية والإسرائيلية، من أجل اجتذابها لأچندة واشنطن.


وسط الضغوط المتصاعدة من بلادهم الأصلية ومن ناشطي حقوق الإنسان، تمت إعادة العشرات من محتجزي جوانتانامو إلى أوطانهم، في هدوء، في السنوات الثلاث الأخيرة. والآن، يذهب تحليل جديد قام به المحامون الذين مثلوا المحتجزين إلى أن هذه السياسة تقوض مزاعم واشنطن حول التهديد الذي يمثله كثيرون من نزلاء ذلك المعتقل. يوضح التقرير، الذي يستند إلى ملفات للحكومة الأمريكية تخص معتقلين سعوديين تم إعادتهم إلى بلادهم في غضون السنوات الثلاث الأخيرة، قد تم إعفاؤهم من الاحتجاز أو الرقابة خلال أسابيع قليلة من عودتهم. ثبت أن نصف الحالات التي تمت دراستها أن المحتجزين سُلِّموا إلى قوات الولايات المتحدة بواسطة قوات الشرطة أو الجيش الباكستاني نظير جوائز مالية. اتهم كثيرون آخرون بوجود روابط لهم مع الإرهابيين ذلك لأن أسماء الشهرة العربية التي كانوا يستخدمونها تطابقت مع أسماء بعض أعضاء القاعدة الموجودة في قواعد بيانات الكمبيوتر. في ديسمبر، كشف مسح أجرته الأسوشيتد برس أن 84% من المحتجزين الذين أطلق سراحهم قد سلموا إلى بلادهم الأصلية كي تضعهم في الاحتجاز لديها. وفقاً لأنانت راوت، الكاتب المشارك للتقرير، فإنه على الرغم من وجود بعض الأشرار المحتجزين في معتقل جوانتانامو  لكن هناك أيضاً حالات لا يفهم سبب احتجازها، وفي غياب وجود منطق للاحتجاز، يرجح أن الاعتقال كان عشوائياً.


ينص التقرير على أن كثيراً من محاولات الولايات المتحدة إيجاد روابط بين المحتجزين والمجموعات الإرهابية كانت تقوم على شواهد وصفها كاتبا التقرير بأنها كانت ظرفية ومشكوكاً فيها بدرجة كبيرة مثل مسارات الطيران التي كان المحتجزون قد اتبعوها وهم ينتقلون من بلد شرق أوسطي إلى آخر، وكان المسئولون الأمريكيون يربطون بين بعض مسارات السفر وبين القاعدة هذا على الرغم من أن التقرير يقول إن تلك المسارات كانت تقتضيها الحاجة إلى تغيير الطائرات في بعض المطارات الدولية الكبري. أما الاتهامات الموجهة على أساس تطابق الأسماء فيذكر التقرير أن ذلك التطابق كان ينجم عن نسخ اسم المحتجز بحيث يتماثل مع اسم موجود على هارد ديسك أحد الكمبيوترات.


قال راوت، أحد كاتبي التقرير، إنه أصيب بالذهول من عدد المحتجزين السعوديين الذين ألقي القبض عليهم وقامت القوات الباكستانية بتسليمهم للسلطات السعودية. قال، إنه على مستوى الواقع، فإن الولايات المتحدة لم تكن على علم مباشر بأنشطة نصف الأشخاص في أفغانستان الذين ورد ذكرهم وألقي القبض عليهم واعتقلوا.


حينما أُخبر مايكل شوير، الضابط السابق بالسي آي إيه والذي ترأس وحدة بن لادن، أن أكبر مجموعة في جوانتانامو قدِمت من المعتقل في أفغانستان، أعلن أن لديهم الأشخاص الخطأ. على أية حال، فقد لقوا جميعهم المعاملة نفسها، واحتجزوا في الحبس الانفرادي، وأجبروا، وهم مصفدون ومعصوبو الأعين، على اتخاذ أوضاع جسدية ملتوية مفرطة الإيلام لفترات طويلة، ومنعت عنهم الأدوية، وأخضعوا للحرمان الحسي، والحرمان من النوم وعشرات وسائل التعذيب الأخرى التي لا يعترف المسئولون الأمريكيون بأنها وسائل تعذيب.


في 2003، قال أحد كبار مسئولي الدفاع الأمريكيين إن الفكرة هي إيجاد بيئة كوكبية معادية للإرهاب بحيث يصبح الإرهاب في غضون 20 أو 30 عاماً موصوماً مثل تجارة الرقيق.


متى سيتم وصم إلقاء القنابل على المدنيين الأبرياء من جانب الولايات المتحدة، وغزو بلادهم واحتلالهم من دون أن تهاجم الولايات المتحدة أو تهددها؟ متي يصبح استخدام اليورانيوم المنضب والقنابل العنقودية وعملية تسليم السي آي إيه للمعتقلين ليجري تعذيبهم أشياء يشعر حتى الأشخاص من أمثال چورچ دبليو. بوش وديك تشيني بالإحراج بدرجة لا تمكنهم من الدفاع عنها؟


بيَّن چون بيلجر الصحفي الأسترالي / البريطاني أن في رواية 1984 للكاتب چورچ أورويل شعارات ثلاثة تسيطر على المجتمع: الحرب سلام، والحرية عبودية والجهل قوة. يعكس شعار اليوم: الحرب على الإرهاب، المعني أيضاً، فالحرب هي الإرهاب ذاته.


شكراً للرب، نجونا مرة أخرى:


ظلت حكومتنا تبقي علينا في حالة مستدامة من الخوف -حالة ذعر جماعي، ووهج وطني مستمر- مع تواتر الصيحات عن وجود:


«حالة طوارئ قومية. دائماً ما ظل هناك شر مستطير في الداخل، أو قوة أجنبية مهولة تستعد لالتهامنا إذا لم نحتشد خلفها وندفع لها المبالغ الطائلة التي تطلبها. لكننا إذا استعرضنا تلك المخاوف الآن، نجد أنه لم يحدث أي من تلك المآسي، بل إنها لم تكن حقيقية»


- الچنرال دوجلاس ماك آرثر (1957)


والآن، ما فتئت السلطات وإعلامها تحاول إقناعنا أننا قد نجونا، بمعجزة، من محاولة تفجير عشر طائرات متجهة من بريطانيا إلى


الولايات المتحدة والفضل يرجع إلى مصلحة الأمن الداخلي البريطانية. وشكراً أيضاً للحيلولة دون تدمير برج سيرز بشيكاغو، وإنقاذ الجزء السفلي من مانهاتان من الطمر بواسطة فيضان على أيدي الإرهابيين، وإحباط محاولة إرهابية ضد كندا والقبض على سبعة عشر مشتبهاً، والتصدي لمؤامرة من جانب القاعدة كانت تهدف إلى اصطدام طائرة مختطفة بإحدي ناطحات السحاب!!


كان چورچ دبليو هو من أعلن، بفخر، عن مؤامرة لوس أنجليس في عام 2006، تلك المؤامرة التي ثبت كذبها وأن لا أساس لها من الصحة.


أما حالة الهلع التي أثارها اكتشاف مادة الريسين السامة مع أحد الأشخاص في بريطانيا، ذلك الاكتشاف الذي استخدمه ديك تشيني في الإعداد لغزو العراق عام 2003 حيث قال «إن خطورة التهديد الذي نواجهه تأكد في الأيام الأخيرة حينما ألقت الشرطة البريطانية القبض على إرهابيين مشتبه بهم، ووجدت معهم كمية صغيرة من الريسين، تلك المادة الأشد فتكاً على مستوى العالم». ثم ظهر فيما بعد أنه لم يكن ثمة مؤامرة، بل لم يكن ثمة ريسين أيضاً، حيث اكتشفوا أن المادة لم تكن ريسين، لكنهم لم يعلنوا ذلك سوى بعد ما يربو على العامين.


مما سبق، بالإمكان أن نرجح أن جريمة الأشخاص الذين تم إلقاء القبض عليهم ببريطانيا في 10 أغسطس 2006 كانت جريمة فكروا فيها Thoughtcrime وفقاً لمسمي چورچ أورويل في روايته «1984»، أي أنهم لم يفعلوا أي شيء على أرض الواقع، بل فكروا في فعل شيء ما تصنفه الحكومة على أنه «إرهاب». بل ربما أنهم حتى لم يفكروا تفكيراً جاداً، بل عبروا عن غضبهم إزاء العنف البالغ الذي مارسته بريطانيا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتمنوا،بصوت عالٍ، لو أن بإمكانهم لو أذاقوا بلير بعضاً من هذا العنف. هنا، سمع كلماتهم الغاضبة شخص نقلها إلى السلطات. (في حالة «إغراق» مانهاتان، كان «الإرهابيون» الخطرون قد ذكروا شيئاً في إحدي الدردشات على الإنترنت عن تفجير شيء ما).


ثمة من الأمثلة على التهديد الإرهابي «الرهيب» أعلن في أكتوبر 2010 حيث قيل لنا إنه تم اكتشاف طردين مُرسلين إلى شيكاغو على متن طائرتي شحن أمريكيتين، أحدهما في دبي، والآخر في إنجلترا، وكان كل منهما يحوي آلية قابلة للانفجار، وقالت السلطات إنها لا تعرف ما إن كان الهدف هو تفجير الطردين أثناء الطيران أم في شيكاغو. أي أن السلطات تخبرنا أن الإرهابيين كانوا في سبيلهم لإرسال طردين إلى الولايات المتحدة. بالطبع، لو أن هذا كان هدفهم لكان عليهم إبعاد أية شبهات عنهما حتى لا تُثار ريبة مؤسسة الأمن الأمريكية. لكنهم، بدلاً من ذلك، أرسلوهما من اليمن وعنونوهما على المعبد اليهودي بشيكاغو.


حقوق الإنسان،


الحقوق المدنية، والتعذيب


التعذيب الذي يمارس على الإنسان ولا يختفي أبداً:


ينتهي تقرير نُشِرَ في عدد مارس 2007 من دورية «أرشيفات الطب النفسي العام» التي تصدرها الجمعية الطبية الأمريكية، وهو تقرير مؤسس على حوارات مع مئات من الناجين من صراعات التسعينيات في يوغوسلافيا، ينتهي إلى أنه:


«لا تبدو أساليب الاستجوابات، أو إجراءات الاحتجاز التي تتضمن الحرمان من الاحتياجات الأساسية، والتعرض لأحوال بيئية سيئة غير ملائمة، والإجبار على اتخاذ أوضاع جسدية تؤدي للإجهاد والضيق، وتغطية الوجه والرأس أو تغمية العينين، والعزلة، وتقييد الحركة، والعُري الإجباري، والتهديدات، والمعاملة المهينة، وغير ذلك من الإساءات النفسية، لا تبدو أنها تختلف كثيراً عن التعذيب الجسدي من حيث ما تتسبب فيه من معاناة نفسية وعقلية، والميكانيزمات الأساسية لإجهاد الرضوض النفسية، وآثارها الأليمة طويلة المدى».


يضيف التقرير أن تلك الاستنتاجات لا تدعم التمييز بين التعذيب و«المعاملة الأخرى القاسية غير الإنسانية والمهينة». (وهو تعبير ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ويُستعمل كثيراً في المواثيق والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان). وعلى الرغم من أن تلك المواثيق تحظر التمييز بين «التعذيب» و«الأشكال الأخرى من المعاملة غير الآدمية والقاسية والمهينة» إلا أن التقرير يبين أن مثل ذلك التمييز يدعم الفهم الخاطئ بأن المعاملة السيئة تسبب أذي أقل، وبالتالي، فهي مسموح بها في ظل الظروف الاستثنائية.


تتعارض تلك الاستنتاجات مع ما يعلنه چورچ دبليو. بوش والبنتاجون... إلخ من أنهم «لا يقومون بتعذيب المعتقلين»، وهم بذلك يحاولون إقناع العالم بأن التعذيب النفسي العدواني ليس تعذيباً في واقع الأمر، وهذا على الرغم من أن التعذيب غير البدني قد أدى في عدد من المناسبات، إلى وفاة المعتقلين. كذلك فإن استنتاجات ذلك التقرير لا تتصدي لمقولات أشخاص من أمثال آلان دورشويتز، الأستاذ بكلية القانون بهارفارد والذي يذهب بالقول إلى أنه في حالة الاعتقاد بأن قنبلة قد زرعت في مكان ما وأن انفجارها قد يؤدي إلى موت العديدين وأن المعتقل وحده يعرف مكانها، فلا ضرر في تلك الحالة من استخدام التعذيب لانتزاع المعلومات منه.


المواقف الجادة وغير الجادة من التعذيب:


في كمبوديا، تجري، مجدداً، محاولات لإجراء محاكمات لكبار مسئولي الخمير الحمر، كي تأخذ العدالة مجراها حول ما ارتكبوه بين عامي 1975 و1979 من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.


في محاكمة نظمتها الأمم المتحدة، اعترف كاينج جويك إياف، الذي كان رئيس مركز للتعذيب تابع للخمير الحمر، بارتكاب البشاعات لكنه أصر على أنه كان ينفذ الأوامر. وكما نعلم جميعاً، فقد رفضت محكمة نيورمبرج هذا الدفاع الذي قال به المتهمون النازيون ولم يعد أحد يقبل بدفاع كهذا سوى إدارتي بوش وأوباما، ونورد هنا ما قاله ليون پانيتا رئيس السي آي إيه:


«لقد عبرت عن قلقي، وكذلك عبّر الرئيس، من أن الذين عملوا وفقاً للقواعد التي وضعها المدعي العام لتفسير قانون التعذيب واتبعوا هذه القواعد، لا يجوز معاقبتهم. كما أنني لا أدعم التحقيق مع هؤلاء الأفراد أو مقاضاتهم، لأنني أعتقد أنهم قاموا بما تستوجبه وظائفهم».


بإيجاز فقد أطاع هؤلاء الأوامر ونفذوها.


ينص ميثاق الأمم المتحدة ضد الإرهاب، والتي صادقت عليه الولايات المتحدة، بوضوح على أنه لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة من مسئول أعلى أو سلطة عامة لتبرير التعذيب، من ثم، أصبح حظر التعذيب أحد الأركان الأساسية في القانون الدولي ومثيلاً لحظر الحرق أو الإبادة الجماعية.


بالطبع، فإن من يعطي الأوامر يعتبر مداناً بنفس الدرجة. في نفس يوم تنصيب أوباما، استند مُقرِّر الأمم المتحدة للتعذيب على ذلك الميثاق في مطالبته الولايات المتحدة بملاحقة الرئيس السابق چورچ دبليو. بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفلد لمسئوليتهما عن تعذيب معتقلي جوانتانامو وإساءة معاملتهم.


في مناسبات عدة، أظهر الرئيس أوباما عدم تحمسه لاتهام مسئولي إدارة بوش بارتكاب جرائم حرب وذلك بقوله إنه، من ناحية، يعتقد بأنه لا يوجد شخص فوق القانون، لكنه، من ناحية أخرى يعتقد بأنه يجب النظر للأمام، بالتقابل مع النظر خلفاً. وتلك هي نفس الذريعة التي استند إليها هون يسن، رئيس وزراء كمبوديا، لعدم محاكمة قادة الخمير الحمر.


لكن أوباما يقول، في واقع الأمر، إن مسئولي إدارة بوش فوق القانون، وذلك من خلال عدم مقاضاتهم، أو حتى التحقيق فيما ينسب إليهم من جرائم. في هذا الصدد، قال مايكل راتنر، أستاذ القانون بجامعة كولومبيا، إن مقاضاة مسئولي إدارة بوش ضروري من أجل إرساء سياسة مضادة للتعذيب في المستقبل.


قد يكون أحد أسباب عدم المقاضاة تلك هي أن المحاكمة الجادة لمسئولي إدارة بوش الذين أسهموا في سياسات التعذيب قد تكشف العديد لعدم معارضة الحزب الديمقراطي بل وتورّطه.


أيضاً، يجب أن نذكر أن الولايات المتحدة مضت في دعمها للمدعو Pol Pot، والخمير الحمر لعدة سنوات بعد أن أطاح بهم الفيتناميون من السلطة. بدأ ذلك الدعم في ظل إدارة كارتر، ومستشاره للأمن القومي، زبيجنيو برچنسكي واستمر في ظل رونالد ريجان. وقد يرجع ذلك لشعور مقاتلي الحرب الباردة بالمرارة للهزيمة المهينة التي ألحقها الفيتناميون بدعم من الاتحاد السوفييتي، بالأمريكيين.


كما لا يجوز أن ننسي، أنه ما كان للخمير الحمر الوصول للسلطة، أو محاولة ذلك، إن لم يقم الأمريكيون بقصف كمبوديا حتى سووها بالأرض فيما بين عامي 1969 و1970، والإطاحة بالأمير سيهانوك بمساعدة منهم عام 1970، وإحلال آخر، شديد التبعية لأمريكا، محله. والفضل في هذا يرجع إلى ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر.


مؤخراً، أعلنت المحكمة العليا بإسبانيا بأنها في سبيلها لبدء تحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبها أحد وزراء الدفاع الإسرائيليين السابقين ومعه سبعة من كبار رجال الأمن وذلك لدورهم في شن هجوم في عام 2002 قُتِلَ على إثره أحد قادة حماس ومعه أربعة عشر مدنياً في غزة. ظلت لإسبانيا، منذ بعض الوقت، الريادة العالمية كممارسة لاختصاصات الولاية القضائية على مستوى العالم في جرائم انتهاك حقوق الإنسان، ولنا في تقديمها لائحة اتهام ضد أوجستو بينوشيه، ديكتاتور شيلي السابق مثال على ذلك. كانت الاتهامات ضد إسرائيل تشمل قصفها منزل أحد قادة حماس وكان من بين القتلي عدد كبير من الأطفال. تقوم الولايات المتحدة، بأسلوب متكرر، بارتكاب جرائم كتلك في أفغانستان وباكستان. من ثم، ونظراً لرفض الرؤساء الأمريكيين تنفيذ ولايتها القضائية المحلية ضد المسئولين الأمريكيين ممن ارتكبوا جرائم حرب، فلا يسعنا إلا أن نأمل أن تتذكر السلطات الإسبانية أشخاصاً مثل بوش وتشيني ورامسفلد وپاول وكونداليزا رايس، وفيت وپيرل وغيرهم ممن فقدوا ضمائرهم. والجدير بالذكر أنه ليس ثمة حاجة للجوء للقانون الدولي إذ إن ثمة قانوناً وافق عليه الكونجرس بغالبيته من الحزب الجمهوري عام 1996 لعقاب جرائم الحرب.


حاول الصحفي الإسرائيلي المرموق أوري أفنري وهو يكتب عن الحالة الإسرائيلية الإلمام بكنه روح المجتمع الإسرائيلي الذي ينتج مجرمي الحرب هؤلاء وما يرتكبونه من جرائم حرب، حيث قال:


«يعمل هذا النظام على غرس التوجهات القبلية العنيفة ذات المركزية الإثنية التامة التي لا ترى في التاريخ بأكمله سوى قصة لا تنتهي لليهود كضحايا. إنه دين الشعب المختار، لا يبالي بالآخرين. دين يعوزه التراحم مع أي شخص غير يهودي، يمجد أعمال الإبادة الجماعية التي أمر بها الرب وفق وصفها في سفر يوشيا».


يمكننا، بكل سهولة تطبيق تلك المقولة على الولايات المتحدة بعد استخدام «الأمريكي» محل «اليهودي»، و«الاستثنائية الأمريكية» محل «شعب الله المختار».


يشترك البَلدان أيضاً في أمر مهم فقد قام كل من البلدين على إبادة السكان الأصليين، أي أنهما اختارا نفس الحل: القتل دونما مسوغ قانوني، ومن دون رحمة.


هل تستخدم إدارة أوباما التعذيب؟


يحلو لـ«الأوبامويين» الدفاع عن رجلهم بالزعم أنه ألغى التعذيب، بيد أنه لا يوجد سبب وجيه يدفعنا لتصديق هذا الزعم. عقِب تنصيب أوباما، صرّح هو ومدير الاستخبارات الجديد ليون بانيتا، بوضوح، بأن تسليم المعتقلين لبلدان من أجل تعذيبهم مازال جارياً، ووفقاً لما أوردته لوس أنجليس تايمز، فمازال للسي آي إيه السلطة لتنفيذ ما يعرف بـ«تسليم المعتقلين Rendition» ليتم تعذيبهم، بعد اختطافهم سراً ونقلهم إلى بلدان تتعاون مع الولايات المتحدة وتدين لها بالتبعية، أي أن «التعاون» هنا يعني التعذيب، وكذلك النقل والتسليم، حيث لا يوجد أي سبب آخر لتسليمهم إلى ليتوانيا ورومانيا ومصر والأردن وكينيا والصومال وكوسوفو وجزيرة دييجو جارسيا بالمحيط الهندي، وغيرها وغيرها والتي يزورها، بصفة منتظمة، فريق الأمن المحلي الأمريكي. من المرجح أن كوسوفو ودييجو جارسيا، والتي تضم كلتاهما قواعد أمريكية سرية كبيرة، وكذلك بعض المواقع، مازالتا تفتحان أبوابهما لبزينس التعذيب ومعهما جوانتانامو. علاوة على ذلك، فإن القرار التنفيذي الخاص بالتعذيب والصادر في 22 يناير 2009 يحوي فتحات ومنافذ تُسهّل عملية التعذيب دونما توقيع عقوبة.. مثلاً ينص القرار على أنه ينطبق فقط في «أي نزاع مسلح». من ثم لا يُحظر ما يقوم به الأمريكيون من عمليات تعذيب خارج مناطق «النزاعات المسلحة»، الأمر الذي يشمل معظم أجزاء العالم حيث لا توجد بها نزاعات.


تطلبت أوامر أوباما أن تستخدم السي آي إيه فقط أساليب الاستجواب المبينة في «كتيب الميدان الإرشادي» والذي يحوي إرشادات عن معاملة المعتقلين واستجوابهم، لكن تلك الإرشادات تسمح بالحبس الانفرادي والحرمان الحسي والإدراكي (تعطيلها) والحرمان من النوم، وإحداث مشاعر الخوف واليأس، وتناول عقاقير تغيير الفكر، والتلاعب بالمحيط الذي يتواجد به المعتقلون مثل التلاعب بدرجات الحرارة وإحداث الضوضاء، واتخاذهم أوضاع جسدية مؤلمة ومرهقة وتحميل المراكز الحسية بما لا تطيقه.


الحق في إعمال التفكير:


«يواجه البشر الآن، وبأكثر من أي وقت سابق، مفترق طرق. يؤدي أحد الطرق إلى اليأس وفقدان الأمل تماماً، فيما يؤدي الآخر إلى الفناء التام. فلندعُ معاً أن يكون لنا من الحكمة ما يؤهلنا للاختيار الصائب».


الممثل وودي آلن


ثورات الجياع في عشرات البلاد في القرن الحادي والعشرين. هل هذا هو ما تخيلناه أثناء فترة مابعد الحرب الثانية، أي مستقبل البشر المُشرِق؟.


أكد هنري ميلر الكاتب الأمريكي (1891 - 1980) ذات مرة على أن دور الفنان هو «تحرير أذهان البشر من الأوهام». من ثم، ورغبة منا في تحرير أذهان الذين مازالوا يعتقدون واهمين أن باستطاعة الولايات المتحدة أن تلعب دوراً إيجابياً في مكافحة الفقر، نورد هنا بعض الحقائق.


في 14 ديسمبر 1981، تم تقديم اقتراح للجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار التعليم والعمل والرعاية الصحية والتغذية الصحيحة والتنمية ضمن حقوق الإنسان وتمت الموافقة على القرار بغالبية 135 صوتاً مع اعتراض دولة واحدة، هي الولايات المتحدة. وتكرر هذا على مدي عامين متتاليين، وكان هذا في عهد إدارة الرئيس ريجان.


وفي ظل إدارة كلينتون عام 1996 تم عقد مؤتمر القمة العالمي للطعام تحت رعاية الأمم المتحدة حيث أكد المجتمعون على حق الجميع في الحصول على الطعام الآمن المغذي، أما الولايات المتحدة فقالت إنها لا تعترف بهذا الحق وتبنت التجارة الحرة وسيلة رئيسية للقضاء على الفقر المتسبب الرئيسي في الجوع وذلك لخشيتها، وفقاً لقولها، من أن «الحق في الطعام قد يؤدي بالدول الفقيرة التي تبحث عن المعونات وتسعى للحصول على شروط تجارية خاصة، إلى رفع دعاوى على الدول الغنية».


ولم يتحسن الوضع في ظل إدارة جورچ دبليو. بوش. في عام 2002 وافق مؤتمر قمة عالمي آخر عقد في روما برعاية الأمم المتحدة على إعلان يقضي بحق كل فرد في الحصول على الأطعمة الآمنة المغذية. ثابرت الولايات المتحدة في معارضة ذلك البند لخشيتها، مرة أخرى، من أن هذا سيفتح الطريق لبلدان «المجاعات» لرفع دعاوى قانونية ضد الأمم الغنية.


علاوة على ذلك، كان دافع الذين دافعوا عن معارضة الولايات المتحدة لـ«حق الإنسان في الطعام» هو أن ذلك لم يُنص عليه في الدستور الأمريكي، وأنه مرتبط بالأنظمة الاشتراكية اللاأمريكية، وأن الاعتماد على الذات هو جوهر أسلوب الحياة الأمريكي، وأن التحرر من العوز هو من إبداع الرئيس فرانكلين روزفلت، وأن القلق على الطعام هو تحدٍ يشحذ الطاقة ويحشد همم المعوزين للتغلب على ظروفهم السيئة، وأن تبني «حق الإنسان في الطعام» سيؤدي إلى التزامات باهظة التكلفة.


من كتاب


America’s Deadliest Export


The Truth About US Foreign Policy


and Everything Else


المؤلف: William Blum


دار نشر: Zed Books 2014


يصدر هذا الشهر عن "سطور الجديدة".