هذا مارآه فار الغيط

20/09/2015 - 12:26:25

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

جار النبي الحلو - روائي مصري

    أخيراً اشترى "فار الغيط" حمارا بعد أن باع حطام نورج قديم، "وحلتين نحاس، وطشت".


    الحمار سيحمله من الدار للغيط للسوق، ويساعده في الشغل حمالاً للبرسيم والبصل، حتى يربي أولاده الثلاثة الذين مازال كبيرهم يبول على نفسه.


   هذا ما ظنه "فار الغيط".


    لما ركب الحمار في يومه الأول لبس في قدميه الشبشب أبو صابع، وعدل من وضع طاقيته كالحة اللون، وكان في جلبابه البني المثقوب من لسعة السجائر مزهواً بدرجة كبيرة، فيما رأى الآخرون أنه صام وفطر على بصلة لأن الحمار الهزيل يمشي بأي اتجاه يريده مهما فعل صاحبه، وازدادت السخرية من "فار الغيط"، لكنه يتمضمض بالماء ويبخه على البطة، ويقول لزوجته:


ـ حمارتك العرجاء ولا سؤال اللئيم.


   زوجة "فار الغيط" تهمس للنسوان:


ـ والنعمة نسيت اسمه الحقيقي، ولكن أمه قالت إنها ولدته في الغيط فصار اسمه "فار الغيط".


   في الصبح تطل عليه زوجته وتدعو له بالعافية، ويحميه من عين الحسود، وتقصد "أم عزيزة" التي تبص من خلف شيش الشباك الموارب وتقول لنفسها:


ـ والله وركب الفار الحمار.


    الزوجة مدت يدها للعطار، وأخذت قرطاس البخور، وأطلقت البخور في الدار وحول الحمار.


   في المغربية يرجع "فار الغيط" ينط من فوق الحمار برشاقة قبل أن يعبر حماره عتبة الدار، الحمار يدخل الزريبة المظلمة التي بها خمس دجاجات بلدي، وبرص، وثلاثة فئران.


   يرتمي "فار الغيط" على الأرض، ويركن ظهره لجدار الطوب الأحمر، وربما يغفو قبل أن يأكل لقمة العشاء.


    في تلك الليلة.. قبل أن يأكل لقمة العشاء نظر له الحمار بعينين لامعتين واسعتين سوداوين، وانتصبت أذناه وارتعشت رعشة عنيفة، عقد "فار الغيط" ما بين حاجبيه مندهشا، وقبل أن يطيل النظر والبحلقة باغته الحمار وضرب الأرض بحافر قدمه اليمنى مرات عديدة، "فار الغيط" خيل له أن الشرر طق من الأرض فنهض كالملسوع، وفك رباط الحمار، لينطلق الحمار كما يشاء ويتقي شره، غير أن الحمار وقف ولوى رأسه لصاحبه، "فار الغيط" من رعبه نط على الحمار لا يلوي على شيء.


   مشى الحمار باختياره من الحارات الضيقة إلى الوسعاية حتى الترعة التي تغوص في عتمة الليل. سمع "فار الغيط" نقيق الضفادع وأصوات صرصار الليل، ونباحا وصراخا لغرقى وعويلاً، فارتعش، وضربته برودة، واصطكت أسنانه، فانحنى مفزوعاً ممسكاً بأذني الحمار الذي طار به وطار.


هذا مايقوله "فار الغيط" عن بداية الحكاية.


   "فار الغيط" أصبح يجلس على الكرسي في المقهى في الركن الجواني تحت رف الراديو مباشرة واضعاً رجلاً فوق رجل حتى يدخل ابن المعلم فاروق ويجلس قليلاً متوتراً يهز ساقه بسرعة ثم يضع في حجر "فار الغيط" صرة ويهرع مرتبكاً. ويمد صبي نبيل العطار رأسه ليتأكد من وجود "فار الغيط" ويعطيه الكيس البلاستيك الذي لا يخفي شكل النقود الورقية، بل شوهد الأستاذ عزمي يمرق للمقهى ويترك الظرف الأصفر المنفوخ في يد "فار الغيط"، ولكن لم يتأكد أحد أنه الأستاذ عزمي مدير الجمعية التعاونية فعلاً، لأنه كان يتخفى بلف كوفية حول عنقه وذقنه وعلى عينيه نظارة سوداء شمسية.


    صار الغرباء يدخلون المقهى ويخرجون، والزبائن وصاحب المقهى والشحات صبي المقهى يتابعون ما يحدث بدهشة.


    الحمار مربوط في حديد شباك المقهى، و"فار الغيط" يجلس، ويزغر للمارة بينما يدعك قفاه بيده.


   في الليل البهيم ينط فوق حماره، ويلكزة بكعبي رجليه، يمشي به مخترقاً الحواري والأزقة والوسعاية، ويمر على المدرسة الابتدائية والوحدة الصحية والجمعية، ويلف حول القرية ودورها ودكاكينها، ويسمع نباح كلابها، وهمسات تشي له بخيالات عجيبة.


    أصبح "فار الغيط" يجلس على كرسيه بالمقهى ويتحلق حوله الزبائن ويحكي:


   المعلم فاروق لم ينم في داره الليلة الفائتة، كان عند الست التي تكبره بسنوات، والتي تصبغ شعرها بالحناء، نعم.. رأيتها في الدور الثاني، في مندرة النوم، وكانت تخلع ملابسها قطعة قطعة، وتطرقع في ضحكتها العالية، والمعلم يزعق: ارحميني يا ست.. حتى يصير شعرها الأكرت المصبوغ بالحناء منكوشا، وأراه وهو يخرج كل ليلة بدون طاقيته الصوف، والذي لا تعرفونه أن زوجة المعلم تشتري له كل أسبوع طواقي صوف من سوق الجمعة.


   والست تسأل نفسها باستغراب: هل يأكل الرجل الطواقي الصوف؟ ولما سمعت حكاية الطاقية وذات الشعر الأكرت المصبوغ ضربت على صدرها وهي تصرخ: يا فضيحتى.


   أكل المعلم شفته السفلي من الغيظ وهو يتحسس طاقيته الصوف، وسأل بدهشة: كيف يرى "فار الغيط" ما يحكيه وأنا والست في مندرة بالدور الثاني، وليس أمام دار الست بيت أو كوم أو تل. دار تطل على خلاء، هذا الفار حلال فيه السم.


وهكذا ساوم المعلم فاروق "فار الغيط" ووكل ابنه بمهمة لقاء "فار الغيط" في المقهى كل أسبوع مرة.


    غير أن الولد "شحتة" ابن زكريا يأتي للمقهى ويجلس على كرسي القش بجوار "فار الغيط". "فار الغيط" يشد أنفاساً من الجوزة وتفوح رائحة الحشيش، ثم يمد يده في جيب الصديري الألاجا ويخرجها بنقود يدسها في يد "شحتة" الذي يقبض عليها بيده الصغيرة ويطير.


  وهذا ما قاله "فار الغيط" أمام دهشة زوجته.


زكريا غلبان.. هو وزوجته والولد "شحتة" وثلاث بنات.. غلابة، زكريا يحط أمامهم ما جمعه طول النهار من بقايا الفواكه المضروبة والحامضة، والطماطم المفعوصة والأرغفة نصف المأكولة التي جمعها من الزبالة.


   مدد "فار الغيط" رجليه عن آخرهما، وأردف يحكي لزوجته المبهورة:


   و"نبيل" العطار يوزع الأكياس البلاستيك الصغيرة معبأة بالأعشاب والحبوب ذات الألوان لزوم علاج الكحة، والنوم مع النسوان، وعلاج الجرب والإسهال.


ويحكي:


    رأيت الأستاذ "عزمي" وعاملاً وموظفين اثنين على سطح الجمعية وهم يوزعون على بعضهم الزيت والسكر والدجاج المجمد، وعلبا من كرتون أجهلها، وهم في غاية السرور.


زوجة "فار الغيط" سألت وهي لا تصدق:


ـ كيف ترى كل هذا؟!


    يبتسم ويزيح الطاقية للخلف، ويهرش شعره الخشن، ويفرد طوله على السرير ويتمتم:


ـ هذا ما أراه.


    لكن ما رآه "فار الغيط" أكثر من هذا، فقد رأى سطح "عبودة" وقد ضاق بالخراف والماعز على اختلاف أنواعها، الخراف التي تختفي في غمضة عين، والماعز التي اختفت في ظروف غامضة، خراف عاشت ترعى في الوسعاية، وأمام الدور، وفي الغيطان، أخذت في الاختفاء خروف وراء آخر، وأصحابها يضربون كفاً بكف، بحثوا عنها في أسواق البهائم، والسلخانة، وأطراف القرى، وغاصوا في الترعة، لم يجدوا حافراً، ولم يشموا لها رائحة!! "فار الغيط" رآها فوق سطح عبوده، فغر فاه ودعك عينيه، خروف "زنوبة" من لا يعرف خروف "زنوبة" ذا القرون الملوية الذي يطيح بالخراف، ولو زنق عيلاً في حائط قل يا رحمن يا رحيم، خروف "زنوبة" بين خراف تتزاحم فوق سطح لا يستره سوى أفرع من البوص.


    ولما جلس في المقهى وقال إنه يستطيع أن يعيد خروف "زنوبة" حتى رفع عبودة المطواة في وجه "فار الغيط"، واختار "فار الغيط" الفلوس بدلاً من المطواة، وابتسم عبودة.


    لبس "فار الغيط" الجاكيت على الجلابية والحذاء الكوتشي، وعلى رأسه الطاقية الصوف، وبيده أمسك منشة من ذيل البقر يهش بها يمنة ويسرة دون توقف.


   صار مقره المقهى من الضحى حتى غروب الشمس، ثم ينهض ويدخل داره يأكل البط والفراخ والخضار، فقد امتلأت داره بأشولة الذرة والأرز والقمح، وجرار المخللات مثل اللفت والبصل والجزر، يتجشأ ويركب حماره في جولته الليلية، وعندما يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود وعندما تملأ العصافير الدنيا بالزقزقة، يكون "فار الغيط" على سريره الذي جدده بتنجيد فراشه، ويغطي نفسه باللحاف القطن ذي تلبيسة الستان الأحمر. وأصبح "فار الغيط" يمتلك أكثر من "جوزة" ومنقد، فقالت الحاجة "عطيات" لصاحبة عمرها:


ـ زوجك صار يدخن الحشيش.


كان يشد أنفاس الحشيش حين قال:


ـ يا حماري .. يا حمار الهنا.


   التفتت الرءوس بفضول، وشد بعضهم الكراسي وتحلقوا حوله، ونفخوا في جمر الجوزة وسألوا.


  وهذا ما قاله "فار الغيط" في جلسة الحشيش:


    ومن لا يفرح بشراء حمار؟ بعت ما أملك لأشتريه، وقبل أن يخطو عتبة الدار اشتريت له التبن والذرة والفول، الحمار يساعدك أحسن من ابنك، ووقف أهل الدار على أرجلهم فرحاً بالحمار: زوجتي وأمي والعيال وأنا. صرت أملك شيئاً في هذه الدنيا.


دفس أحدهم سنة حشيش  في حجر الجوزة؟


وهذا ما أردف به "فار الغيط"


وعندما ركبته يوم ماتت حماتي، وكان لابد أن أركبه، لأن دار حماتي بعيدة هناك بجوار الترعة، لما ركبته تلك الليلة، شعرت للحظة أني أرتفع وأن حماري أعلى من الحصان، ثم ازداد الارتفاع، نظرت إلى الأرض وجدتها بعيدة بعيدة بعيدة، ورأيت بعيني التي سيأكلها الدود أرجل الحمار تطول وتطول، تشبثت باللجام خوفاً، لكنه – الحمار – كان يمشي كالنسمة، ولحظة رأيت المرأة العريانة والرجل العريان فوق سرير ومرتبة.. قتلني الفضول، حاولت أن أمد رقبتي، ارتفع الحمار وارتفع ووجدتني أطل عليهما من نافذة زجاجية صغيرة، لم أصدق، لدرجة أنني خفت، لكزت الحمار برجليّ المتدليتين في بطنه، فجرى كأنه طار، ورماني، أو لعلني وقعت أمام دار حماتي التي ماتت بعد ان أكلت في عشائها "الأنشوجة" والبصلة الحمراء، حملني أقارب الميتة، وأشادوا بحسن أصلي في حزني على قريبتهم التي لم أحبها يوماً.


شد نفساً طويلاً، ثم كح وكح وانتفخ وجهه واحمر، وبعد أن هدأ قال:


   في ليلة ثانية ركبت الحمار، لكزته برجلي في بطنه، فارتفع وارتفع، حتى وجدتني بجوار سطح المعلم "زعتر" كان يوزع قطع الحشيش على صبيانه، أخفيت وجهي بالطاقية الدبلان المقطعة، تبولت في جلستي على الحمار لأنني أدركت أن ما رأيته ليلة موت حماتي لم يكن صدفة، ولا هواجس وتخاريف. لكزت حماري فرماني أمام زريبته.


تعالت الآهات والدهشة، والرغبة في المزيد.


قال "فار الغيط"  وكان أنهى على حشيش الزبائن:


    أصبح السير بالحمار ليلاً غواية، أرى ما فوق الأسطح، وما خلف الشبابيك مندرة الفرن، أو مندرة الكراكيب، أو مخزن التبن، رأيت الولد يركب البنت، والرجل يستحم من جردل الماء، والمرأة تخفي غوايش الدهب في جرة المش، والعجوز مع بنت البنوت.. رأيت ما رأيت.. رأيت ما رأيت.. لأن حماري.. حماري أرجله تطول تطول تطول.


   وسقط "فار الغيط"  ميتاً على أرض المقهى، فيما ابتسم شابان ونهضا وانحرفا ناحية الترعة.


   وزوجة "فار الغيط"  تجلس أمام مقبرته كل خميس وتلعن يوم اشترى زوجها الحمار الذي اختفى يوم مات زوجها.