أضواء

20/09/2015 - 12:24:26

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

مريم حسين - قاصة مصرية

    أعتقد أن حوض الريحان العملاق ترصد بى تحديدا صابّا كل رائحته الغالية التى اختزلها لى طوال اليوم، حيث ظل كاتما أنفاسه لحين خروجى من مبنى عملى المرح "تدريس الموسيقى". حييت الأعواد النضرة فى سرى، وواصلت المسير ثم تراجعت بعد عدة خطوات، وذهبت فورا لقطف عود ريحان، استنشقته بعمق غير عابئة بجيوبى الأنفية، وجاءت رائحته فى مقتل حيت لمحت فى اللحظة نفسها فرعا طويلا من اللمبات الملونة.


    تراصت اللمبات فى رصانة، كل مستقلة بلونها، حتى الشفافة تألقت بلمعان شفافيتها. التفت اللمبات حول كتلة من الأسلاك الملتصقة ببعضها بخيط لحام فوقه خيط اللمبات المدلاة كرؤوس تم شنقها للتو.


    إنها الثالثة ظهرا فى منتصف أكتوبر الودود، فشلت أشعة الشمس فى التسرب خلسة من بين طبقات السحاب الثقيلة العملاقة، لذا انعكس فقط ضوء السحاب الشجاع، ومع ذلك تألقت اللمبات الملونة المتراصة بعشوائية لونية وهى تترنح بغير انتظام مع هبات الهواء النادرة فى ذلك التوقيت من اليوم. امتد الفرع أمامى بطول حوالى خمسة أمتار على رصيف يفصل بين اتجاهين، أحدهما مبنى عملى والآخر ترعة المنصورية المسكينة. لم أشغل بالى بمناسبة تعليق فرع، ولكنى لاحظت رغبة اللون الأخضر لأنواع عديدة من الشجر أن يكون خلفية لمعظم اللمبات.. وكان هو...


    أحببت بشدة تلك اللمبة الخضراء فى مقدمة رواق مكتبه، كل المكتب مظلم ماعدا تلك اللمبة.. هى فى الحقيقة تضيؤنا ونحن جالسان على كرسيين توأمين، لكل منهما أيد ضخمة تمنع تقاربنا مما يدفعه للجلوس على تلك الأيدى بينما أظل أنا أنظر له.. أنظر لأعلى فى ذهول وأنا لا أقدر سوى على ابتسامة متجهمة.. إنه قريب للغاية.. سوف أتمكن من لمسه حالا... أصف له بدقة كيف أتمكن من صنع لمبات ملونة أعلقها على الحائط، وتلقى إعجاب جميع أفراد العائلة، أحضر اللمبات الصفراء المحترقة "من نوع مسمار" وأكسّر بمؤخرة مفك حجر البازلت تلك المادة الصلبة السوداء المسدود بها اللمبة، أضرب بقوة وبحذر حتى لا أكسر اللمبة، وبعد عدة ضربات تتفتت الكتلة الحجرية، وأخرج الأسلاك المحترقة من داخل اللمبة، ثم أغسلها وألمّعها بجورنال طرى، بينما أكون قد نقعت أنابيب ألوان فلوماستر فى المياه وأتفنن فى عمل درجات لونية مختلفة، أضع المياه الملونة فى اللمبات ثم أسد فتحة اللمبة بجورنال مبلول حتى لا تقع فيها حشرات، وأعلقها بخيط دوبارة من فتحتين فى الجزء المعدنى المتبقى فى رأس اللمبة.


    أعلقها بعشوائية على الحائط وأطفئ كل أنوار المنزل إلا لمبة صفراء سليمة معلقة فى المكان نفسه، أنظر لتلك اللمبة وأنا أضحك وأحك كفي ببعضهما "مش حتتحرق بقى ولا إيه ياجميل"، بأداء: بكره تندم ياجميييل.


    ماذا تقول اللمبة عنى؟ وأى القرارات سوف تتخذ إذا أتيحت لها فرصة الاختيار؟


    على باب مكتبه أيضا لمبة خضراء لونها أفتح قليلا من التى بالداخل، وتدعم بشدة درجة البيج المطلى بها الباب، نعبر الجزء المظلم أمام الشقة المقفولة المقابلة لمكتبه، ونقف فى انتظار المصعد، أخبط مشط رجلى فى الأرض وأضغط على شفتي بأسنانى وأنا أستفسر عن وجود كاميرا فى المصعد.. أود تقبيلك بداخله.. يجيب بالنفى وهو يضحك، وأضحك أنا أيضا بصوت مرتفع، يحذرنى من أن الضحك بصوت مرتفع سوف يزعج روح الضابط.


ـ روحه هتطلع تلطشنا ع الصوت العالى ده.


    ضابط قامت أخت زوجته بسمّه، لأنه تسبب لأختها بانهيار عصبى جعلها تقفز من شرفتها فى الدور العاشر.


ـ روحين فى دور واحد، مابتخافش بالليل وانت لوحدك؟


    يضحك بخبث: ده لما باكون لوحدى.


    أزغر له بتحفز غاضب، فيلحقنى بخفة ظله وروحه الحميمة: أنا بيكون معايا.


وأضحك بفرح بصوت عال.


    لا أعلم حقا كيف أتمكن من الحملقة فى عين الشمس هكذا دون أدنى مقاومة أو ضيق، أفعل ذلك دون أى تحد، فقط أنظر فأظل أنظر.


    تابعت الشمس التى تقافزت فى نهايات الشوارع المفتوحة ذات البيوت قليلة الأدوار. أنظر لها دون رمشة عين، بينما يتحاشاها معظم ركاب الميكروباص بأيديهم أو نظاراتهم الغمقاء.


    يحدث ذلك أيضا مع أضواء فوانيس السيارات.. أظل أحملق وأحملق وأتناقل بين ألوانها وأحجامها المختلفة.. عادى.. عينى فيها مغناطيس يجذب الضوء، الضوء هو الذي يخاف النظر إليّ أصلا..


    فى سيارته التي يحرص على تنظيفها دائما "عموما هذا شيء يسعدنى" يبهرنى انعكاس أضواء عواميد النور وفوانيس السيارت المجاورة على سطح السيارة الأسود الأنيق، ومع لمعان عينيه، حينها أرى الأضواء دوائر ضبابية متداخلة لتأثرى بدموع طفيفة ورعشة مربكة، يشعر هو بكل ذلك ويزيد الأمر فوضوية ويشغل داليدا "أنا مريضة"، بينما يتأملنى مبتسما الضوء التركواز على شاشة الكاسيت.


    وحين اضطربت الأمور بعثت برسالة "كنت باكتب قصة كلها أضواء فجأة النور قطع فالورق نور لوحده، انت نور بيروح وييجى، أنا مش متضايقة بس والنبى والنبى اوعى تعمل ماس وتحرقنى".


    فى المرحلة الأخيرة قبل الوصول للمنزل فى شارعنا الضيق الهادئ اليوم على غير العادة (فبائعة الخضار والترزى قررا غلق محليهما اليوم، عملا طيبا)، فقط جلس صاحب السرجة المفتتحة حديثا والمنظمة بدقة حتى وإن احتل جزءا من الرصيف على استحياء، جلس على كرسى بجانب المحل بعد أن كنس أمامه ونثر بعض المياه وأجلس على قدمه اليسرى طفلا من المفترض أن يكون عائدا من مدرسته الآن. وألقيت فى أذنى الجملة بصوت رجولى رخيم.. "فقرر يروح للملك ويقوله هاتجوزها"، اندهشت.. رجل يحكى حدوتة!! طفل يستمع لحدوتة!! هل مازال يحدث ذلك الطقس إلى الآن أم أننى أتخيل بشدة كالعادة، ابتسمت متعجبة وأنا أفكر يا ترى ما القصة التى تكون تقريبا نهايتها أن شخصا ما قرر يروح للملك ويقول له "هاتجوزها"؟ هل سيكافئه الملك على جرأته تلك ويقيم له الأفراح والليالى الملاح سبعة أيام؟، أم سوف يقطع رأسه أمام الجموع الواقفة تتصعب وتحملق كى لا تفوتها تفصيلة؟


    أميل للتخيل الأول، فيه سوف تكون الأضواء مبهرة، مئات القناديل وزجاج ملون وشموع ومشاعل تعاكس نيرانها الجواهر المطلة من فساتين الحاضرات تشاهد العرس، حتى فى الأحياء الفقيرة سوف تضفى حركة نار المشاعل القليلة "العشوائية المضطربة" ضبابية ملهبة تنفخ بهدوء هباتها لتلسع الأعين والقلوب وتظهر بشكل خاطف لمعة الأسنان أثناء تبادل القبلات خلف الأبواب الخشبية العملاقة وفى الردهات المظلمة المضيئة.


    تنفست بعمق وسعادة، وأسرعت بخطواتى للمنزل وأنا أدقق فى تأليف بداية الحكاية.