كان الرئيسُ صديقي .. الوطن بمرآة الحنين الجارحة

20/09/2015 - 12:21:39

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عِذاب الركابيّ - كاتب عراقي

"إن ما يعيب السياسة هو الغرام بالسلطة في حد ذاتها" ج. م. كوتسي (يوميات عام سيئ)


"يعتقد صاحب السلطة دائما أنه على حق، وأن من يعارضه خائن، أو على أقل تقدير شخص لا لزوم له" كارلوس فوينتس (كرسي النسر)


    في الروايات القصيرة تتربع اللغة على كرسي البطولة بامتياز! ليتضح لنا جليا أن الكاتب "هو أسلوبه ولغته" على حد تعبير لوكليزيو.. وأن "الكلمات تمتلك سلطة" كما يرى بورخيس.. وبفيض دافق من كلمات النوستالوجيا، وهي تزهو بمشاعر وأحاسيس الكاتب المرهفة، تقرَأ رواية (كان الرئيس صديقي) على غرار النسق الكتابي الأوتوبوغرافي، قريب من السيرة الذاتية وبعيد عنها في الآن، ولكنها "كتابة الذات" بأي حالٍ من الأحوال، إذ "لا يمكن للكاتب إلا أن يكتبَ عن حياتهِ الخاصة" حسب تعبير باولو كويليو، هذا إذا لم يكن "هو نصه" أو "هو كتابه" حسب فلسفة السيرة الذاتية وقواعدها.


    حيث تأخذُ السيرة – كتابة الذات شكل بوح الحنين الجارح، يشبه الحلم تماما، أو هو واقعٌ مصهور بالحلم.. وأن الواقع خيال أكثر تركيزا – كما يقول أرنست فيشر. ومن الموت الذهني والروحي الذي يُثقل رؤى الراوي، ويربك خطاه، إلى اليقظة العسيرة والولادة الأكثر صخبا، تؤسس حياة، ولكن هذه المرة في سرير معاناة الناس الذين يملأون الرئة بصفاء حميميتهم هواء نقيا، والراوي في هذا الانتماء الشاهدِ عليهِ نهار الوطن ِالجريح، لا يكفّر عن ذنوب عصية قديمة فحسب، بل ليطلب المغفرة، مهما بدا شاطئها الفيروزي بعيدا: "الذي دفعني للتفكير بكتابة هذهِ الحكاية رغم ما فيها من الخصوصية والسرية، هو إحساسي بالذنب، بأنني كنت شريكا في قمع الناس".


    بين الراوي صاحب الحكاية الدهرية، وبين البطل "نورس النبهان" علاقة حميمية قوية، وأقرب مما تراه العين، ملامحه هي ملامح الأخ الذي معبده المقدس الفن، وضوؤه نزيف الفرشاة والألوان وهيبة الخطوط، على قِبلة وطن مغيب، هو فنّان الكاريكاتير "علي فرزات" بلا زخارف، وما بينه وبين الراوي شعور متبادل، وإحساس بالغربة داخل الوطن، والظمأ بجنون إلى الحرية.. وأسرارهما ومعلقات عشقهما هي ملك للوطن  وحده.


    "لا بد للروايةِ أن تحقّق مركز استبصارها الأخلاقي ابتغاء تشخيص أناسها تشخيصا كاملا، منسجما مع نفسهِ ومستديما" ألبرت كوك!


    البورتريه الذي رسمه مؤلف الرواية (عدنان فرزات) لبطله (راكان الحسيني) وهو ذاته،  وضميره، وشبيهه على أقل تقدير، بريشة الندم واليقظة التي بدت عسيرة، لا يحتاج كثيرا إلى بلاغة باذخة، فاللغة بكل شاعريتها تحكي الكثير، وتجسد الكثير، وتحلم أكثر، لتبدو الأحلام أوصافا، وملامح كافية لقراءة هذه الشخصية، ومعرفة حركاتها وسكناتها، وهي تتحدث عن نفسها بكل حرية، وكأن الكاتب يحكي نفسه، هو بوحه الجارح، وألمه الموصول بماض  أكثر جرحا وألما.


    وكل كتابة مرتبطة بحالةِ حب، وفي رواية (كان الرئيس صديقي) حب جارف، وهو حب "مرام" التي تبدو بمحاسن وكيمياء جمال "دمشق" أو "حماة" أو يوتوبياه.. الحب الذي جاءَ متأخرا، لا في زمنه، فهو موجود، ولكن في لحظة البوح بأسراره، والبطل مقيّد بلباسه العسكري – سجنه، والحب بمنظور السلطة تهمة.. جريمة، حتّى الحديث عن معاناة الناس، والتغزل بنسمات الحرية من أكبر التهم.. وللحب وجهان، الحقيقي المعيش الذي يتشكل فيه المرء على خطى امراة من ذهب الوقت، تستأذنها الشمس في طلوعها، وتنحاز لحدائق فتنتها كل غيمة ماطرة، ومجازي – حقيقي، حينَ يأخذ الوطن شكل فاتنة، تضجَ وجنتاها بتغريد البلابل: "أيضا الذي جعلني أحب الكتابة، أنني وقعت في حب مرام".


    (نورس) و(نوار) و(راكان) لا يجمع بينهم حرف النون فحسب، بلْ عقدة الجنرال، الحاكم ، رأس السلطة، وكل واحد يفكر بطريقته، وهو يقاوم صلف السلطة أيضا. (نورس) يفكر ويقاوم من خلال رسم الكاركاتير الذي يرسمه ساخرا من السلطة، فكان عقابه التعذيب حتى تورمت أصابعه، والسعي لبترها نهائيا، و(نوار) يفكر ويُقاوم من خلال الموسيقى، أوركسترا الرفض لها، و(راكان) يفكّر كتابة ونحتا، والثلاثة مجتمعين يؤلفون رؤى وأحلام شعب، يطلب الحرية، ولا يرفع شكواها إلاّ للثورة، وهو يُؤدّي الصلاة الواجبة في محرابها المقدّس العظيم.


    رواية (كان الرئيس صديقي) مشاهد وتنويعات لها إيقاعها السيمفوني، فـ"الرواية موسيقى" كما يرى كونديرا، حيث يقرأ كل فصل في الرواية بشروط سوناتة جذابة، ربما لأن الروائي (عدنان فرزات) أرادَ ذلك، ليلغي كل حاجز بينه وبين قارئه، فقط جسر شفاف هادئ من اللغة المقتصدة، متلفعة بثوب القصيدة، تتقاسم معه، ومع أبطاله معظم البطولة، وهو الشاهد في الرواية الذي تتماهى رؤاه مع رؤى أبطاله، وعلى رأسهم (نورس النبهان): "فأنا لست كاتبا، بقدر ما أنني شاهد على حكايات، إن لم أروها فسوفَ تندثر".


    ولا تبدو شخصية (نورس النبهان) إلا شريحة متميزة في مجتمع متضارب، مضطرب نبض الحياة في أحشائه، هو واقع الواقع، المتبني الكشف عن حقيقة الحقيقة، إذا كان الروائي (مكتشفا للوجود) حسب تنظيرات كونديرا.. ليس شخصية زخرفية أو سينمائية، وملامحه لا توحي بذلك أبدا، وليس مؤهلا أن يكون كذلك، بل هو ضمير حي فاعل، ساكن في دماء وشرايين كاتب الرواية، وبلا غموض يتبنى أحلامه، ويموسق الطريق لتظاهراتِ رؤاه. رحيل (نورس النبهان) فنّان الكاركاتير العالمي الشهير عن (حماة).. عن الوطن، هو عودة طبيعية إلى أحضان الوطن، تؤيدها قبلات الغياب، وتدل عليها كل دمعة حجرية، كانت حبرا لرسم كاريكاتير ساخط رافض جديد، لأنّ هذا الرحيل الاضطراري لم يتم إلا مجازا، فالوطن يسكن فيه، وكلاهما يتغذى من شرايين الذكرى، وقد ترك له خطاه الربيعية، وروحه وهي كنز وقته، على شكل رسوم تدين الحاكم، وكان رحيله على صوت وألم العصا التي كانت تستقر – مرغمة - على جسده، بشكل خرائط، هي الشاهد على رفضهِ، وثورته على الظلم واللاعدل والطغيان.


    الرواية كشف وتعرية وفضح القبح البشري، والمستور من الظلم والغدر والكراهية، والروائي وهو المتلصّص الأمين والأمهر على حيوات الآخرين، بعيدا عن الأنانية التي ينسبها البعض ظلما إلى الروائي. وفي رواية (كانَ الرئيسُ صديقي) بوح شجاع صادق وجارح، وجرأة وجسارة ذاكرة، توجت التعبير بإيقاع إنساني مختلف.


    "وفجأة  انقضت الحرية علي وأرعدت فرائصي" (سارتر بقلمه).


    في رواية (كانَ الرئيس صديقي) الحرية رؤية عظيمة، ينطق بها كل حرف مصوغ بفوسفور الروح، وتؤكّدها كل جملة رشيقة مزهوة بشاعريتها، وبلاغتها الباذخة.. أليست هي الحرية المعادل الموضوعي للوجود؟ و(الإنسان الفاضل حر وإن كان مكبّلا) – سان أوغسطين، فهناك شبه كبير بين (العصافير) و(الناس) أو (الشعوب)، فالعصافير التي يشتريها (نوار) بأقفاصها، ويقوم بإطلاقها، تتريث قليلا قبل أن تنطلق، وكأنّ "العبودية تكون أحيانا طواعية".. فالعصافير تعرف الحرية، وتضع لها أجمل وأعمق تعريفا، وهي تصلي لها بأجنحة بعطر الأثير، وتفكر بها وتترجم عذوبتها من خلال صوتها – أوركسترا الطبيعة بحقّ، على عكس الشعوب المغيبة التي تعيش (العبودية) طائعة ومرغمة في الأغلب الأعم، ويظل صوت الحرية خافتا، يتماهى ونبض القلوب، يلون المشاعر والأحاسيس التي لا يطالها، ولا يستطيع قراءتها الطغاة، فكم تحاول الظلمة قراءة النور، وفك شيفرة دفئه، وتعود لتعترف بعجزها الدهري عن إدراك أسرار بلاغة آياته.


    "أردت أن أكون، ولم أرد غير ذلك، هذه هي الغاية الخفية لحياتي" سارتر (الغثيان).


    طيران العصافير في الليلة الظلماء الذي يقدم عليه المهندس – الفنان (نوار) هو تأكيد الذات – الوجود، وقدْ تحوّل لدى السلطات الحاكمة إلى عمل تخريبي، لأن عينها لا ترى العصافير الطائرة، ولا تستطيع قراءة نسمات الحرية، فقط ماهرة في تلفيق، وبرمجة التهم، فكيف لها أن تفهم سر طيران العصافير، وإيقاعات أجنحتها الذهبية، أو تفسر غناءها الكوني، وحبها للحرية والطيران والانعتاق.


    النضال لغة الجسد، وهو يسعى لتجميل الحياة، كما تفعل القصيدة المتمردة!! والثورة فن المستحيل.. وآخر أبجديات الرفض والتحول والتغيير!! واستحالة الحياة من دون شقاء وتعب وعذاب أو موت و"مستحيل الموت بلا حياة" – هنري ميللر!!


   واستحالة الحرية من دون سجون وهي "المرادف للوجود"، هناك فرق شاسع بين الانتماء الصادق – عصارة الروح، حين يصبح الوطن معبودا، وصلاته واجبة، وبينَ الادعاء والتشدق بالوطنية، حيث يتحول الوطن إلى (نظام).. والفرق واضح لدى الإنسان المتوج بنسمات الوطن الواعي.. بين الوطن "الكلمة ذات كبرياء" – على حد تعبير كونديرا، وبينَ (النظام) الكلمة التي رفضتها القواميس الإنسانية، وإنسكلوبيديات الحياة!!


   "ومستحيلة الحياة بلا موت" هنري ميللر (اعترافات الثمانين)


    وموت (نوار) على يد قناص محترف، هوَ الليل المبكر، الحامل لوسادة صديقه (راكان) الوساوس والكوابيس والأرق والآلام، وموت (ناريمان) على يدِ رجال الأمن تحت التعذيب لا يقل ألما وحزنا، وهو يحفر جرحا غائرا نازفا في روح (راكان) المثقل بذنوب الماضي، وهو الباحث في نهاراتهِ الطويلة عن بصيص أمل وضوء، من شمس المغفرة وهي تعطي رطوبة، كي تعطّر روحه بقسط من الراحة، استعدادا لمواجهة المجهول الآتي.. وما ينتظره في الأيام القادمة، ولن يكون إلا الموت الذي تستحيل الحياة والولادة من دونه و(يحيلهما إلى مصير) ينتظره (راكان) بتعويذة صباح  جديد: "الأشخاص الذين يضعون في أعناقهم أطواق العبودية طواعية، سيشعرون بمهانة كبيرة حين يتحررون" الرواية ص126.


    والشعوب التي قِبلتها الحرية التي لا يمكن تغييرها، لا تصنع الطغاة!! ولا تفضّل العيش على وقع خطاهم الليلية.. الذينَ يصنعون الطغاة، هم السماسرة، والمنتفعون، والوصوليون، وفاقدو الكبرياء والكرامة وماء الوجه حتى انتهاء الزمان. وبقي (نورس النبهان) الفنان التشكيلي حيا.. وكانَ لا بد أن يبقى، وفق حكمة الرواية، ونبوءة الكلمات حيا، فهو الفن – الشاهد الأزلي على الزمن، الماضي والحاضر والمستقبل في الحياة، بكل أنواعه ذات الشتائم الملائكية: التشكيل.. النحت.. الكتابة.. الموسيقى، هو الفن "نبأ الواقع" كما يقول شارلس مورجان، والفنان ضمير عصره المضطرب، بقاؤه حيا هو تتويج للثورة – راهبة الحياة، وارتقاء بالفن قاهر الموت، ونبض الثورة – الفعل المستحيل، سليلةُ المدى والأزل!!