كيف نظر كافكا إلى حذلقة دستويفسكي

20/09/2015 - 12:20:38

دستويفسكى دستويفسكى

حمدان عطية - ناقد مصرى

فى رسائل إلى ميلينا لفرانز كافكا يحكى لها قصة أول نجاح صادفه دستويفسكي؛ فبينما كان يكتب روايته الأولى (الفقراء) كان يقطن مع صديق له من الحقل الأدبى يُدعى جريجورييف، ومع أن هذا الصديق كان يرى كل يوم صفحات الرواية الكثيرة فوق منضدة الكتابة أمامه، إلا أنه عندما كانت الرواية قد تمت. قرأها، فهزته، ودون أن يقول لدستويفسكي كلمة واحدة أخذها وذهب بها إلى الناقد الشهير عندئذ (نكراسوف)، وارتفعت دقات الجرس على باب دستويفسكي فى الثالثة صباح اليوم التالى. كان الطارقان هما جريجورييف ونكراسوف اللذين انهالا عليه تقبيلا وصاح نكراسوف قائلا له: أنت أمل روسيا!


وبعد سهرة طويلة مضيا وبكى دستويفسكي متأثرا ووصف اللقاء فيما بعد: هؤلاء الناس الأصلاء، يا لهم من نبلاء وطيبين ويالى من زائف، آه لو أتيح لهم فقط أن ينظروا فى أعماقى! ولو كان لى أن أقول لهم ما خفى عليهم، فقد لا يصدقون قولى!


يُعلق كافكا: أن حلم دستويفسكي لأن يماثلهما لم يكن سوى حذلقة!


 إن المرء ليوشك أن يراهما وهما يختفيان فى البعد وبهذا يوحيان باستحالة أن يبلغهما أحد!  


كان نكراسوف وجرجورييف أصيلين ودستويفسكي ليس نقيا، لكن تضخم اسمه غطى على هذا الاحتمال!


دعونا نُعلق على افتراضات كافكا: ألست ترى غيرة ما تتضح ما بين السطور؟


دستويفسكي تكلم عن نفسه وأوضح نقاءها وتوجّع من اطلاع زائريه على مكنونه ؛ بل إنه بكى!


جمال القصة يأتى من تذكرها الآن بهذه التفاصيل بعد أن غطى إبداع دستويفسكي بقاع الأرض وهذا المسكين الذى عنف نفسه لزيفها؛ هو هو جوهر إبداعه ستراه جليا عند راسكولينكوف فى "الجريمة والعقاب" و"المقامر" و"كرامازوف" إنك تستطيع أن تضع يدك على العمود الفقرى لكاتب كبير عالمى غاص فى كل أعماق النفس البشرية وعرّاها! 


فلنترك كافكا وتعليقاته على القصة ولنرى كيف نظر فيلسوف كبير بحجم اشبنجلر لأدب دستويفسكي؟


يعلو دستويفسكي ـ عنده ـ على تولستوي، لأنه اقترب من روح روسيا؛ إن الإنسان الروسى الأصيل هو تلميذ لدستويفسكي بالرغم من أنه قد لا يكون قرأ شيئا له!


 إنه قرأ شعبه فى حياته الخاصة ودينه وتاريخه الخاصين. هنا عقل الفيلسوف ليس ابن الكار، إنه يأتى من منطقة أخرى قارئا الأمور بشمولية وعمومية أكثر يفسر رؤيته لشعب عن طريق ممثله الحقيقى؛ مبدعا خارجا من أعمق أعماق الأرض الروسية.


كان الشاعر محمد عفيفى مطر يقول لى إن الأدب الروسى هو أدب حياة وليس أدب كتب. تشبث عفيفي بفكرة العروبة، وكان يرى أن الحضارة الإسلامية العربية وصلت لمدى أبعد من أى حضارة أخرى فى إنسانيتها؛ كثيرا ما كان يردد قول ابن طفيل الفيلسوف المسلم: إن من تمام الأخلاق أنك إذا رأيت غصنا فى الظل أن تسحبه إلى الشمس. لهذا المدى وصلت الحضارة التى مع الأسف نراها الآن تُعانى الأمريّن.


أتذكر هذا وأنظر من الشرفة لأطالع نكراسوف وهو يمضى وأعود لأستخرج مجلدات دستويفسكي وأقول لنفسى حذلقة حذلقة!