إنشـــاد الأنـاشيد فى البيت العتيق

20/09/2015 - 12:19:35

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أحمد حسين الطماوي - كاتب مصرى

كانت الكعبة الشريفة، ولازالت، تحيا فى أغانى الشعراء، ففى ديوان الشعر العربى، مادة وافرة عنها، كساها الشعراء أثواب الجلال.


وأشرقت فيها الروح، واستفاض فيها الشعور الدينى، وحكت حكايات النفوس التائهة قبل اهتدائها إلى مأواها فى البيت العتيق، وقد تجاوز الشعراء فى أهازيجهم الظاهر المادى، وتطلعوا إلى السماء لنيل الرضا، وتعالت أصواتهم بترانيم حلوة النغم للكعبة والمقام وزمزم والمشعر الحرام.


ولم يكن البيت الحرام هو البيت المقدس الوحيد فى جزيرة العرب، فقد أنشئت بعده بيوت كثيرة كانت أماكن عبادة يحج إليها عرب مجاورون مثل معابد "الأقيصر" فى تخوم الشام وبيت "رئام" فى حمير وكان فيه نحر، وكنيسة نجران التى عرفت باسم كعبة "نجــران"، وكان فيها نحر، و "الكعبات" وهى بيت لربيعة كانوا يطوفون به على حد قول الفيروزآبادى فى قاموسه، و"القليس" وهى كنيسة بناها أبرهة الحبشى فى صنعاء، وقيل إنه أراد أن يهدم كعبة مكة ليتحول الحجيج العربى إلى كنيسته، وقيل غير هذا، ولكن خاب مسعاه ودمر جيشه، وكان فى حضرموت أكثر من معبد للإله "سين" وكان العرب ينذرون له النذور، ويطوفون حوله ويعتقدون أنه يشفى من الأمراض، ويوجد كلام كثير عن هذا الإله فى كتاب "تاريخ العرب قبل الإسلام" للدكتور جواد على.


هذه المعابد وبيوت الأوثان موضع إجلال وتقدير العرب لاعتقادهم فى تأثيرها الفعال عليهم. إذ هى عندهم روح الوجود الذى يستنجدون به فى المحن والكروب، ومع هذا كان البيت الحرام عند عرب كثيرين أكثر تعظيما وتقديسا، فيه كانوا يحلفون على نحو ما نقرأ فى معلقة زهير بن أبى سلمى الشهيرة.


فأقسمت بالبيت الذى طاف حوله


رجال بنوه من قريش وجرهم


وجرهم قبيلة عربية كانت تقطن فى مكة منذ زمن عاد وثمود على تقدير بعض المؤرخين، وإذا كان قوم جرهم طافوا بالكعبة كما قال زهير، فإنهم فى زمن آخر كانوا طغاة بغاة، وتعرض البيت العتيق لغوائلهم فاستحلوا حرمته، وأكلوا المال الذى أهدى إليه، وأفحشوا فيه على حد قول التبريزى، وكان هذا قبل أن يتولى سادات قريش شئون الكعبة.


وعلى حين كانت كعبة نجران من الجلد، كانت كعبة مكة بناء متماسكا من الحجر، قال تعالى : “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل” وقواعد البيت تبنى من الحجر، وكان لها باب ومفتاح، ولها كسوة مقصبة،


فقد نسب إلى تبع حمير (قبل 200 سنة من البعثة النبوية) القول :


فكسونا البيت الذى حرم الله


مـــلاء مقصـــبا وبــرودا


وأقمنا من الشهر عشرا


وجعلنـا لبـابه إقليــدا


والإقليد هو المفتاح، ومهما يكن الرأى فى صحة هذا الشعر أو انتحاله فإن العرب حفلوا بالكعبة، وكان سادات قريش يكسون الكعبة بالحرير وكان بعضهم سدنتها، وعلى حين تفككت المعابد وبيوت الأوثان الأخرى وصارت خبرا من الأخبار، وفى أحسن الأحوال صارت أثرا من الآثار فإن الكعبة التى شادها الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام، صمدت ودامت واتخذها المسلمون قبلة لهم وهى مهمة عندهم، وركن من أركان دينهم.


التلبيات الجاهلية


وكان كهنة وسدنة بيوت الأوثان التى ذكرنا عددا منها، يضفون هيبة عليها فجعلوا لعبادتها شعائر مثل النذور لها، والنحر بالقرب منها، والطواف حولها، واقترن طوافهم بتلبيات يحمدون فيها الصنم أو يدعون ليحقق لهم رغائب وكأنهم فى عوالم الآلهة، يقولون:


لبيك ربنا لبيك، والخير كله بيديك


لبيك إن الحمد لك، والملك لاشريك لك.


أبو بنات بفدك


...........


لبيك يا معطى الأمر، لبيك عن بنى النمر


جئناك فى العام الزمر، نأمل غيثا ينهمر


يطرق بالسيل الخمر


والأمر : الرجل المبارك يقبل عليه المال، الزمر : المجدب أو قليل الخير .


والسيل الخمر : الذى ينبت فيه الشجر الكثيف الملتف


لبيك رب همدان، من شاحط ومن دان


جئناك نبغى الإحسان، بكل حرف مذعان


نطوى إليك الغيطان، نأمل فضل الغفران


لبيك عن بجيلة، الفخمة الرجيلة


ونعمت القبيلة، جاءتك بالوسيلة


تؤمل الفضيلة


مذعان : ناقة ضامرة صلبة، الرجيلة: القوية الشديدة


لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا


جئناك للنصاحة، لم نأت للرقاحة


النصاحة : الإخلاص، الرقاحة : الكسب والتجارة


(نقلا عن كتاب الأسطورة فى الأدب العربى الحديث للدكتور أنس داود الذى نقل عن كتاب الحياة العربية فى الشعر الجاهلى للدكتور أحمد الحوفى).


وواضح أن كل قبيلة أو مدينة تتجه إلى وثنها وتحج إليه وتطلب منه فى أدعيتها مثل قبائل بنى النمر أو بجيلة أو همدان.


وبعيد فتح مكة فرض الله على المسلمين حج البيت، وكانت الكعبة قد تطهرت للطائفين والركع السجود، وتوفر الأمن ، وانصرف نظر الناس عن الأوثان، وصارت التلبيات لله سبحانه، تؤكد على وحدانيته وعظمته، وفيها خشوع وخضوع، وخالية من أسماء القبائل والمدائن، وهى كما جاءت فى صحيح مسلم - باب الحج - منسوبة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك” ، “لبيك” كلمة للمبالغة وإجابة بعد إجابة، ومعناها أنا مقيم على طاعتك.


 (أناشيد الشعراء)


ومنذشرع الله سبحانه للمسلمين حج البيت لمن استطاع، ونزلت الآية الكريمة “وأذن فى الناس بالحج يأتوك، رجالا، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق” وكل مسلم يرفع بصره وهو بعيد إلى البيت العتيق، وصار فى قلبه لهف وتحنان للعبادة والزيارة.. وعبارة .. “يأتين من كل فج عميق” تتضمن نبوءة بانتشار الإسلام تحققت، ففى زمن التنزيل لم يكن الإسلام تخطى جزيرة العرب، وبعد ذلك انتشر فى كل أصقاع الأرض، وذهب إلى مكة حجيج من كل بلد بعيد، وهم فى شوق وتحنان لرؤية البيت الحرام، وأداء المناسك وابتغاء فضل الله، وتظل هذه هى طماح المسلم، التى يشحذ لها قواه حتى يبلغها، ومن هذه البلاد القاصية ذهب إلى الكعبة الرحالة، ابن جبير الأندلسى عبر البر والبحر، وما إن استروح فؤاده حتى أنشد:


أقول وقد دعا للخير داع


حننت له حنين المستهام


حرام أن يلذ إلى اغتماض


ولم أرحل إلى البيت الحرام


ولا طافت بى الآمال إن لم


أطف ما بين زمزم والمقام


وما إن يصل المسلم إلى أم القرى، ويشهد الكعبة المشرفة، وينسرح نظره فى رحابها، ويسربل عينيه نورها، يستبرئ من المعاصى، ويندم على ما اقترف من خطايا، وتستنير أعماقه، ويغطى الجانب الروحى الجانب المادى، ويتعلق قلبه بالجمال الساطع، ويأخذ فى أداء المناسك، فيطوف بالكعبة، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يذهب إلى منى، وبعدها يتوجه إلى الاجتماع الأكبر فى عرفات.


وقد صور بعض الشعراء أداء هذه الشعائر بترتيبها فى شعرهم، نذكر منهم ابن معصوم، فقد قال بعد أن ذكر الجو القائظ الذى سافر فيه:


حتى أناخ على أم القرى سحرا


وقد نضا الصبح للظلماء إصليتا


فقام بقرع باب العفو مبتهلا


لم يخش غير عتاب الله تبكيتا


وطاف بالبيت سبعا وانثنى عجلا


إلى الصفا حاذرا للوقت تفويتا


وراح ملتمسا نيل المنى بمنى


لم يخش غير عتاب الله تبكيتا


وقام فى عرفات عارفا ودعا


ربا عوارفه عمته تربيتا


 


"تلبيات أبى نواس"


وأثناء أداء الشعائر يلتمس الحجيج المتجمهر من رب العالمين غفران الذنوب، وقبول التوبة عن الآثام ، وتنساب أفواههم بتلبيات لطيفة النغم وكأنها ترتيل، يحمدون فيها الله وينزهونه عن الشرك، ويعترفون له بالملك، وهناك غير شاعر سبحت روحه فى أجواء قدسية. وصفت نفسه وشفت، وأخلدت إلى اليقين ودعا الله وناجاه، وها هو الحسن بن هانئ “أبو نواس” يقول وهو فى البيت العتيق، وفى لحظات نورانية تطهرت فيها روحه من الأدران العالقة بها، وهو فى حالة تشبه أحوال الصوفية العارفين:


إلهنا ما أعدلك


مليك كل من ملك


لبيت قد لبيت لك


لبيك إن الحمد لك


والملك لا شريك لك


ما خاب عبد سألك


أنت له حيث سلك


لولاك يا رب هلك


لبيك إن الحمد لك


والملك لا شريك لك


والليل لما أن حلك


والسابحات فى الفلك


على مجارى المنسلك


وقد يرتبك القارئ أمام هذه القصيدة النواسية التى أوردنا مقاطع منها، فى ظل ما اشتهر به أبو نواس من خلاعة ومجون ونزق وترف، وقد قيل إنه لم يحج زهدا ونسكا، وإنما حج لغرض فى نفسه، ومع هذا فإن ألفاظ القصيدة انصهرت فى الإيمان، ذلك أن جلال المكان، والجو الروحى العام وتلبيات الطائفين المتصاعدة نحو السماء وهبته هذه التجليات، ومما لا شك فيه أنه فى هذه الساعة مج الفساد، وزالت الغشاوة عن قلبه، وتجرد من عالمه المادى، وهتف فى ليلة وادعة بهذه التلبيات التى سلم فيها إلى القوى العليا بتدبير الكون، وهذه الحالة الروحية التى غشيته، وقال فيها قصيدة تصلح أن تكون بداية لإعادة بناء ذاته .


لأن ما قاله ليس مهارة شعرية فحسب،، فقد اجتاز دنيا الفن المبهر وسما إلى معارج الغيب المشرق، وناجى الأفلاك الصامتة، وقصيدتنا هذه التى تعد من عيون الشعر صاغها الشاعر من بحر الرجز السابح فى النغم “مستفعلن مستفعلن” الذى ساعد على تناغم أصواتها، كذلك فإنه شاعت فيها روح واحدة، واحتفظ ناظمها بحالته الشعورية التى لم تضطرب أو تتغير، أما سهولة عبارتها فقد قربت معانيها إلى سامعها وقارئها.


وقد يتخذ بعض الشعراء من التفاف المسلمين حول الكعبة مناسبة للدعوة إلى تجميع القوى الإسلامية، والتضامن الإسلامى لنصرة الدين والعقيدة والارتقاء بالمسلمين والدفاع عنهم، وهى فكرة يوحى بها الحج الذى يمثل مؤتمرا إسلاميا كبيرا يحضره مسلمون من شتى بقاع الأرض يتلاقون ويتذاكرون أو يجب أن يتذاكروا فى مختلف أحوالهم، كما يوحى بالفكرة تفكك العالم الإسلامى، ومن هنا يكون الحج مناسبة للدعوة إلى اتحاد إسلامى يتوحد فيه الهدف، ويتفعل فيه العمل، وقد تفنن الشاعر صالح جودت فى نداء المسلمين بضم الصفوف والجهاد فى سبيل إدراك الأهداف وتمهر فى أن يجعل الكعبة هى التى توجه هذا النداء وذلك فى القسم الذى خصصه للكعبة فى “الثلاثية المقدسة” قال:


رحاب الهدى يا منار الضياء


سمعتك فى ساعة من صفاء


تقول أنا البيت ظل الإله


وركن الخليل أبى الأنبياء


أنا البيت قبلتكم للصلاة


أنا البيت كعبتكم للرجاء


فضموا القلوب وولوا الوجوه


إلى مشرق النور عند الدعاء


وسيروا إلى هدف واحد


وقوموا إلى دعوة للبناء


يزكى بها الله إيمانكم


ويرفع هاماتكم للسماء