استخدامات الصورة في الهلال: المرسوم والفوتوغرافيّ

20/09/2015 - 12:03:46

السلطان سليمان الكبير السلطان سليمان الكبير

شاكر لعيبي - شاعر وأكاديمي عراقي مقيم بين سويسرا وتونس

    لن نتحدث هنا سوى عن الأعداد الخمسة الأولى من مجلة (الهلال)، وينطبق أمرها على الأعداد السبعة الأخيرة من السنة الأولى، عام 1892، لأن الشروط العامة لاستخدامات الصورة، المرسومة والفوتوغرافية، قد تغيّرت بعد ذلك نحو انفتاح متعاظم عليها.


    يعرف الجميع أن العدد الأول من مجلة (الهلال) صدر في سبتمبر 1892. وهذا التوقيت يعني أن التصوير الفوتوغرافي كان قد قطع شوطاً معتبراً في جميع مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية. يُذْكر أن المصريين أقْدَموا في عصر الخديو إسماعيل الممتدّ بين عامي 1863 و1879 على الاقتداء بالغربيين في الإقبال على التصوير الشمسىّ وعلى تزيين حجرات منازلهم بالصور[1]. وفي وقت مبكر نسبيا من ظهور الآلة الفوتوغرافية، صدر عن المطبعة الخيرية عام 1884 كتاب ذو عنوان دالّ "الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي" لمؤلفه محمد بن بخيت بن حسين مطيعى، توجد نسخة منه حاليا في مكتبة الأزهر، وهو يدلّ على الجدل الفقهيّ الذي ينطوي من دون شك على موقف اجتماعيّ من ذاك الفن الجديد.


    ويشير (معجم المطبوعات العربية) ليوسف أليان سركيس (ج1) إلى مجموعة كتب تعليمية مبسّطة للفن الفوتوغرافيّ، لحسن أفندي راسم حجازي "الكوكب المنير في صناعة التصوير (الشمسيّ)" صدر عن مطبعة الاتحاد المصريّ في الإسكندرية عام 1310 هجرية (1892 ميلادية) في 32 صفحة، وكتاب لرياض أفندي شحاتة، معلم للتصوير الشمسي يومها عنوانه "التصوير الشمسي، علميّ وعمليّ"، طُبع في مصر عام 1910، وكتاب آخر غير معلوم الناشر أو سنة النشر لكنه لا بد وأن يكون من الفترة ذاتها لمؤلفه حسن أفندي حقي بعنوان "الرسالة الوافية في الفوتوغرافية" (مصر... ؟)، وأخيرا كتاب علي أفندي شمس الدين ابن محمد شمس الدين بن محمد ترابي البخاري أصلاً المصرىّ مولدا وإقامة، وجاء تحت عنوان "التنوير الكافي في التصوير الفوتوغرافيّ" مطبعة اللواء عام 1319 هجرية- 1902 ميلادية في 96 صفحة.


    منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى العشرينات كان الأرمن يحتكرون ميدان التصوير الفوتوغرافي تقريباً، وسيصيرون الرّواد الفعليين في حقل التصوير الصحفي photojournalism، خاصة وأن بعضهم اندمج تماماً بالحياة المصرية، ونكاد نقول إنه صار من المصريين، وبذا فهم يختلفون بدرجات معتبرة عن المصورين اليونانيين الذين لا نعرف الكثيرين منهم، مِمَنْ دخل بالفعل في الحياة الثقافية المصرية وتَمَصّر نهائياً.


    فالمصوّر اليونانيّ زانجاكي Zangaki كان مهموماً بشكل أساسي بالترويج التجاريّ لأعماله. وقد كان نشيطاً في مصر بين السنوات 1880 ـ 1890 وكان متخصصاً بمناظر النيل والأهرام والمواقع الأثرية لكن أيضاً، بدرجة أقلّ، بمشاهد البشر في القاهرة والمجموعات المُسمّاة في المصطلح الاستشراقيّ بالإثنية.


    نُقلّب أعداد (الهلال) المذكورة فلا نجد صورة فوتوغرافية فعلية. في هذا القول نصف الحقيقة. كانت (الهلال) تعرف أهمية التصوير الفوتوغرافي يقيناً حتى أنها تورد خبراً في 


الجزء الرابع من السنة الأولى، أول ديسمبر 1892، تحت عنوان (لكيجيان وشريكه، مصوّر فوتوغرافيا) وتقول: "تأسس هذا المحلّ في القاهرة منذ بضع سنوات وقد بلغ بهمة صاحبيه بمدة قصيرة من الشهرة والاتساع ما هو جدير بهمتهما وسعيهما مع ما عُرفا به من إتقان مهنة التصوير الشمسي وغير الشمسيّ وقد سرنا ما علمناه مؤخراً من أن لجنة معرض الصور الخاص بمدينة باريس قد أهدتهما وساماً محلّى بالذهب إقراراً بطول باعهما في هذا الفن، وهو وسام قد صادف محله ما نعلمه من حضرة المُهدى إليهما من البراعة في فن التصوير كما يشهد بذلك كل من عاملهما في مصر وغيرها" (ص132-133).


    وفي "دليل القاهرة ومصر" المطبوع بلندن (الطبعة الثانية، 1898) يبدو أن ليكيجيان يعلن عن نفسه مُقيماً في "شارع كامل".


إعلان عن ليكيجيان في "دليل القاهرة ومصر" المطبوع بلندن (ط2، عام 1898).


    لكن خبر (الهلال) الخاص بليكيجيان، في ظننا، من أوائل الأخبار التي تقدم وتُثمِّن ذاك الفن الوليد في العالم العربي. مجلة (الهلال) نفسها ستعاود في السنة التالية الإشارة إلى ليكيجيان (تكتبه لكيجيان)، ففي الجزء السادس من السنة الأولى المؤرخ بالأول من فبراير 1893 وبمناسبة صدور قاموس طبيّ إنجليزيّ - عربيّ تذكر أنه "صدر عن مطبعة التأليف مُصَدَّراً برسم الجناب العالي الخديوي أعزه الله" وفي الهامش ملاحظة تقول إن: "الرسم مأخوذ من رسم فوتوغرافيّ في بديع الإتقان من صنع محل لكيجيان وشريكه في القاهرة، وهو أتقنُ رسمٍ من رسوم سموه" (ص 223). هذا يعني أن صوراً كثيرة مما يُعرف للخديو، في نهاية القرن التاسع عشر، يجب أن تكون ملتقطة من طرف هذا المصوّر. وهي معلومة تاريخية ثمينة وجديدة.


يعتقد أن جبرائيل ليكيجيان G le;egian أو lan co gabrriel leke  قدم من أسطنبول حوالى عام 1880 ، وهو أول المصورين الفوتوغرافيين المقيمين نهائياً فى مصر . فقد استق فيها عام 1887 وكان لديه عام 1908 استوديو يقابل فندقاً اسمه شبرد shepherds hotel  فى القاهرة .


    رغم ذلك كله لا صورة فوتوغرافية في أعداد (الهلال) الخمسة الأولى: ثمة بالأحرى "زنكوغراف" لرسوم مُنْجَزَة بالأصل يدوياً أو نقلاً عن صور فوتوغرافية لمشاهير وعظماء الزمن. وهنا النصف الآخر من الحقيقة، وهو نصف عليه أن يُصحّح ما يُقال عادة من إلى أن دخول الصورة الفوتوغرافية إلى عالم (الصحافة اليومية) في الصحافة الأوروبية قد وقع خلال شهر مارس عام 1880 بينما تأخر في الصحافة العربية إلى عام 1908. في (الهلال) ثمة زنكوغرافات مصنوعة انطلاقاً من صور فوتوغرافية كصورة عبد القادر الجزائريّ قبل عام 1908.