جرجي زيدان .. المغامر

20/09/2015 - 11:46:58

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

    يمكن لكاتب مسرحي أو روائي أن يتخيل مسارا آخر لحياة جرجي زيدان. أن يواصل دراسة الطب في بيروت، ثم يكمل دراساته العليا في لندن أو باريس، ويعود إلى بلاده طبيبا ناجحا، وتستهلك الإدارة نجاحه وتستنزف موهبته، فينتهي كما ينتهي أغلب الأطباء، ثم لا يكون له ذكر إلا في جيلين أو ثلاثة أجيال لاحقة في عائلته.


    ولكن المصادفة منحت جرجي زيدان أحفادا يتناسلون، ولا تنقطع سيرته بينهم، في عموم العالم العربي، وبامتداد العالم الكبير مادام هناك من يكتب أو يقرأ العربية. بعد اجتياز السنة الأولى فصل الشاب من الكلية، بسبب مشاركته في احتجاج، وفتحت له مصر قلبها ليلتحق بكلية الطب «قصر العيني»، ويصل إلى الإسكندرية عام 1883. كانت مصر جريحة، تداوي آثار حرائق الجيش البريطاني الغازي، والفلاحون في التل الكبير يشمون شواء جلود الأبطال، وفي مقدمتهم محمد عبيد.


    استعاد الاحتلال العثماني عافيته بعد عزل الخديو إسماعيل، تمهيدا لدخول البلاد مرحلة جديدة من الاحتلال المركب.. البريطاني ـ العثماني. وقد حسم فرمان «عصيان عرابي» الأمر، وأصدر توفيق منشورا: «لجميع المصريين بأن الشقي العاصي أحمد عرابي قد ارتكب آثاما فظيعة جعلت دول أوروبا ناقمة على مصر، وباتت الآن تعتبر المصريين أمة غير متمدينة، وهذه الجرائم والآثام منحصرة في عصيان عرابي المذكور وتحريضه لرعايانا على السير تحت لواء عصيانه لأوامر حضرتنا، وهي الأوامر التي صدرت إليه بالانقطاع عن إغضاب الإنجليز، وعدم منعهم من نزول الإسكندرية التي أضرم فيها عرابي النار. كل شخص يعرف عنه أنه ميال أو ذو ضلع مع العاصي ابن العاصي والكافر ابن الكافر أحمد بن محمد عرابي عددناه عاصيا مستحقا لجزاء العصيان. وكل من يصر على عصيانه وانقياده للشقي المذكور أعلاه سيكون مذنبا أمام الله... العساكر الإنجليزية يعتبرون نائبين عنا في قطع دابر عرابي ومن معه من المفسدين العصاة». ونشرت «الأهرام»، يوم 15 سبتمبر 1882، تحت عنوان «البشرى العظمى» تهنئة للخديو بمناسبة في «احتلال العاصمة»، وتمكن الجيش الإنجليزي من القبض على «العاصي عرابي»، والذين معه، «وابتسم ثغر مصر واهتز عطفها طربا وتهللت القلوب فرحا... ولسان الحال ينادي: بشراك يا مصر بشراك فقد نلت المنى ودخلت العساكر الإنجليزية باسم الحضرة الخديوية عاصمة بلادك... وانفتحت لأبنائك أبواب العصر الجديد فادخلوها بسلام آمنين. وارتع أيها الأمير في بحبوحة النصر والظفر... العاصي عرابي والذي لا يخرج إلا نكدا. أين المفر أيها الباغي وسيف العدل مسلول بماذا تحتج الآن وأنت في قبضة جيش الإنجليز الباسل».


    في ذلك السياق النازف غادر جرجي زيدان لبنان تحت سطوة الاحتلال العثماني، واحتضنته مصر. ولكن الفرق بين البلدين أن مصر، في أسوأ الأحوال، تحتفظ بمفهوم «الدولة»، وهذا اختيار وقدر له تبعاته ومساوئه في عدم تشجيع روح المغامرة الفردية.


    زيدان ثمرة «العقل الشامي»، إذا جاز الوصف. هو عقل طليق يؤمن بأن «أرض الله واسعة»، ولا يميل إلى التباكي على فرص ضائعة والتواكل وأوهام الاستقرار البليد، هذه من سمات «العقل الزراعي» المستكين في خوفه من عواقب المغامرة. لا تقتصر المغامرة على السفر، والاشتباك الحضاري مع عوالم جديدة، ولهذا كان أدباء المهجر، وغيرهم ممن منحوا أنفسهم حق التجربة وتفاعلوا مع العالم الرحيب، أكثر جرأة على التجديد، وتفجير اللغة، وطرح اشتقاقات صارت تراثا عاما نسينا أصحابه. تذكر رضوى عاشور في كتابها «الحداثة الممكنة.. الشدياق والساق على الساق. الرواية الأولى في الأدب العربي الحديث» أن أحمد فارس الشدياق (1805 ـ 1887)، وقد تنقل بين لبنان ومصر وتونس وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وتركيا، «تدين له اللغة العربية الحديثة بمصطلحات عديدة وضعها واستخدمها فشاعت بين الناس، ومنها: الاشتراكية والجامعة ومجلس الشورى والانتخاب والجريدة والباخرة والمستشفى والصيدلية والمصنع والمعمل والمتحف والمعرض والملهى والحافلة وطابع البريد والملاكمة والممثل والسكة الحديد وغيرها». كما تنقل عن فواز طرابلسي وعزيز العظمة قولهما ـ في مقدمتهما لمختارات من أعمال الشدياق ـ إننا «ندين له بمعظم ما هو حي وجديد في لغتنا».


    جاء زيدان جاء إلى مصر ليدرس الطب، في أجواء مرتبكة. أغمض عينيه فرأى العالم ببصيرته. لم يلعن الدنيا الذي أجبرته على ترك بلاده، ولا شكا إفلاسه وقلة حيلته، بل غامر وهو يعي أنه لن يخسر شيئا. عمل مترجما في الحملة البريطانية المتجهة لإنهاء الثورة المهدية عام 1984، بقيادة الجنرال بيكر، لإنقاذ جوردون، بعد فشل حملة الجنرال هيكس. ثم عمل بالصحافة والتدريس، وانشغل بتأليف الكتب والروايات، أما مغامرته الأكثر بقاء فهي «الهلال»: «مجلة علمية تاريخية صحية أدبية»، أنشأها في سبتمبر 1892. أدارها وكتب موادها متسلحا بثقافة موسوعية لا يشعر معها بعداء مع الآخر، ولا يرى نفسه دونه. انحازت «الهلال» إلى ما هو معرفي، وهو الرهان الرابح لزيدان، فكانت إنسانية التوجه ولاتزال، وهذا سر بقائها شابة وهي تستقبل عامها الرابع والعشرين بعد المئة.


    كان زيدان يتبع حكمة أبي هلال العسكري: «أفضل الكلام أبينه، وأبينه أشده إحاطة بالمعاني»، ولهذا طرح في عدد «الهلال» الأول أسئلة بعضها حسمته التجربة بتراكم الخبرة الحضارية والثورية أيضا (1919)، والبعض الآخر مازال مثارا: «هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال»، «هل تنفع الروايات (إذا مثلت) أكثر مما تضر»، هذان سؤالان من بين 14 سؤالا تحت عنوان: «مسائل تحتمل وجهين وفيها مجال للبحث»، مجرد طرح السؤال يؤكد التوجه الليبرالي، وعدم القطع برأي. سيكون سؤال: «هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال» عنوانا لسجال بدأه جرجس الياس الخوري، من طرابلس الشام في عدد 15 مارس 1894، واستمر سبعة أعداد متوالية، بمشاركة أكثر من عشرة «مجتهدين» من دمياط وبيروت والقاهرة طرابلس الشام.


    صدرت «الهلال» على مرمى حجر من نهاية مرحلة. ينقل محمد سيد كيلاني في «كتاب الترام» عن «المقطم» (8 أبريل 1892)، أن عدد أهالي القاهرة بلغ 347.838 منهم 31.650 من الأجانب. وكانت المدينة تعاني سوء الصرف الصحي، وقد تأسست شركة للصرف الصحي عام 1887، ومقرها في شارع عبد العزيز، وكانت تقوم أيضا بصنع السماد من المواد العضوية وبيعه للفلاحين. وفي عام 1892 تألفت لجنة للنظر في وضع «مشروع» مجاري القاهرة، وعيانت اللجنة المساجد، وبيوت الموسرين، ومنازل «وطنيين متوسطي الحال»، وسجلت أن «المحلات الحقيرة المعروفة بالعشش هي أشد ما يمكن للذهن أن يتصوره من الأماكن المضرة بالصحة، وكانت العشش منتشرة في أحياء: الخليفة وباب الشعرية وبولاق، وكثير من الخرائب، وساعدت على نشر الأمراض والأوبئة. وقد رأت أن الأربعة مرتفعات العمومية المقامة في جنينة الأزبكية يدخلها في اليوم الواحد تسعة آلاف نفس لقضاء حاجاتهم، وقالت إن ما يتخلل أرض المدينة من المواد البرازية من هذه المرتفعات يبلغ مائة وواحدا وأربعين ألفا من الأمتار المكعبة في السنة الواحدة، فتشحن الأرض قذارة، وتفسد مياه الآبار». انتهى تقرير اللجنة التي سجلت أن متوسط الوفيات في القاهرة يزيد على 46 ألفا في السنة، وهو يزيد على متوسط وفيات المدن الكبرى في أوروبا.


    وحين شق الترام شوارع القاهرة، يوم 12 أغسطس 1896، «حدثت ثورة هائلة» ربطت أحياء المدينة، وشجعت على نشر التعليم بسهولة الوصول إلى المدارس، وتلك قضية أخرى.