ظاهرة المثقف اللبناني في مصر

20/09/2015 - 11:45:37

إليا أبو ماضى إليا أبو ماضى

خالد زيادة - أستاذ جامعي وباحث يشغل حاليا منصب سفير لبنان في مصر

يكاد يكون جرجي زيدان (1861-1914) مؤسس مجلة الهلال (1892) أبرز اللبنانيين الذين وفدوا إلى مصر في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، من أدباء وكتاب وصحفيين وفنانين يعدون بالعشرات، والذين أغنوا الحياة الثقافية والفكرية في مصر من خلال تأسيس الصحف والمجلات والمطابع ومساهماتهم في الآداب والفنون، وانخراطهم في الحياة الاجتماعية والسياسية المصرية. وقد تواصل توافد اللبنانيين إلى مصر في بدايات القرن العشرين حتى منتصفه، وشمل عاملين في ميداني الغناء والسينما.


          وآثار هؤلاء اللبنانيين في المجالات الثقافية والفكرية التي عملوا فيها مازالت قائمة ومستمرة حتى يومنا هذا، فبالإضافة إلى المجلات والصحف التي أسسها لبنانيون والتي مازالت تصدر حتى يومنا هذا مثل الهلال التي أسسها جرجي زيدان والأهرام التي أسسها الأخوان تقلا، وروزاليوسف التي أسستها فاطمة اليوسف. فإن لبنانيين آخرين كان لهم أثرهم في تكوين الاتجاهات الفكرية أمثال الليبرالي فرح أنطون والإصلاحي رشيد رضا والعلماني التطوري شبلي شميل، والشاعر خليل مطران والأديبة مي زيادة، يضاف إلى ذلك أن الكثيرين من اللبنانيين قد نشروا أعمالهم الأدبية في مصر نخص بالذكر صدور الطبعة الأولى من ترجمة الإلياذة لسليمان البستاني، والديوان الأول للشاعر إيليا أبو ماضي.


          نحن إذن إزاء ظاهرة ممتدة في الزمن كان لها آثارها التي لا تزال ظاهرة حتى يومنا الراهن.


          والسؤال الذي نطرحه اليوم: من هم هؤلاء اللبنانيون، وما الذي دفعهم للقدوم إلى مصر، وما هو الأثر الذي تركوه من خلال نشاطهم الثقافي المشهود.


          لا بد من الإشارة إلى أن التبادل بين مصر ولبنان قديم ومستمر عبر العصور. وهذا التبادل يشمل البضائع والأفراد والأفكار. وبسبب العلاقات التجارية بين البلدين استوطن لبنانيون وسوريون مدن دمياط والإسكندرية وطنطا والمنصورة والقاهرة، فضلاً عن الذين يأتون لمتابعة الدراسة في الجامع الأزهر. وفي فترة محمد علي باشا مطلع القرن التاسع عشر وفد عدد من اللبنانيين و(الشوام) الذي عملوا في منشآته وإدارته. وتعززت الصلات في فترة الحكم المصري لبلاد الشام. وبخروج المصريين اضطرب الوضع في جبل لبنان الذي قُسّم إلى قائمقامية درزية وأخرى مارونية، وخلال عقدين من الزمن عادت الصراعات الطائفية، فأنشأت الإدارة العثمانية نظام المتصرفية 1864 الذي نص على إقامة متصرفية جبل لبنان يحكمها مسيحي عثماني غير لبناني. وفي عام 1888 أنشئت ولاية بيروت الساحلية الممتدة من اللاذقية إلى شمال يافا نظراً للأهمية التي اكتسبتها مدينة بيروت وتوسعها كمرفإ تجاري يربط ساحل المتوسط بالداخل السوري.


وقد أدت الأحداث في لبنان إلى تفاقم ظاهرة الهجرة التي يؤرخ لها ابتداء من عام 1860، حيث بدأ لبنانيون يهاجرون إلى الأمريكتين، وإلى غيرها من البلدان بما في ذلك مصر. وقد كان لبنان، جبلاً وساحلاً، محط أنظار الدول الأوروبية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية، فاهتم الكاثوليك بإنشاء مدارس للموارنة واهتمت روسيا بإنشاء مدارس أرثوذكسية وأنشأ البروتستانت المدارس الإنجيلية الأمريكية. فضلاً عن إنشاء مدارس أهلية. وكان لمدرستين اثنتين أثر على الجيل من المتعلمين في تلك المرحلة، المدرسة الوطنية التي أسسها المعلم بطرس البستاني عام 1836، وكان البستاني قد عمل ترجماناً للقنصلية الأمريكية وترجم العديد من المؤلفات ونشر العديد من المجلات، كان نهضوياً كبيراً أثرت في وجدانه الأحداث التي شهدها جبل لبنان فشدد في كتاباته على الفكرة الوطنية، كما أسهم مع آخرين أمثال ناصيف اليازجي في إحياء العربية الفصحى. والمدرسة الأخرى هي الكلية الإنجيلية التي تأسست عام 1861 وأصبحت الجامعة الأمريكية فيما بعد، والتي أسهمت بنشر التفكير العلمي بتدريسها الطب والكيمياء والفيزياء والنظريات العلمية الحديثة وكان أساتذتها ناشطين في البيئة الثقافية في بيروت وجبل لبنان. وتأسست مدرسة المقاصد الإسلامية عام 1878، وهي التي درّس فيها الإمام محمد عبده بعد نفيه من مصر وقبل إقامته في فرنسا. يضاف إلى ذلك إنشاء سلسلة من المدارس الإعدادية والرشدية وفقاً لنظام المعارف العثماني.


وقد تطورت الإدارة في كل من متصرفية جبل لبنان وولاية بيروت بفضل التنظيمات العثمانية، وقد أنشئت مجالس إدارة ومجالس بلدية ومحاكم متخصصة، استوعبت عدداً من هؤلاء المتعلمين.


وبفضل هذه الأوضاع شهد لبنان نهضة أدبية ولغوية وفكرية تمثلت بالعديد من المتنورين الذين يحسنون اللغات الأجنبية ويعملون بالترجمة، أو يعكفون على قراءة التراث العربي.


وبفضل الاطلاع على حركة الفكر والثقافة في أوروبا، أصبحت مفردات الوطنية والحرية شائعة من هذا الوسط المتعلم. وبسبب التضييق على الحريات في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، بدأت مساحات حرية الرأي والصحافة تتضاءل. وشهدنا مذ ذاك هجرة للمتعلمين إلى مصر وغيرها.


تندرج هجرة اللبنانيين إلى مصر في إطار الهجرة الناجمة عن ضيق فرص العمل في لبنان. والرغبة في تحسين الأحوال المعيشية بعد أن وصلت أخبار ما حققه المهاجرون الأوائل إلى أمريكا من نجاح. وكانت مصر القريبة من لبنان والتي تشهد نهضة في عهد الخديو إسماعيل قد اجتذبت لبنانيين ينشدون العمل في ظروف تتيح تحقيق الطموحات الفردية. ويمكن اعتبار المتعلمين الذين وفدوا إلى مصر بمثابة مهاجرين يسعون إلى تحقيق طموحاتهم في متابعة العلم (كما الحال بالنسبة لجرجي زيدان الذي أراد أن يتابع دراسة الطب) أو السعي إلى إنشاء مؤسسة صحفية أو طباعية، أو العمل في المؤسسات التي ظهرت في عهد إسماعيل الذي تميز بحركة عمران واسعة النطاق (يذكر في هذا المجال أنه في ستينيات القرن التاسع عشر، وإبان حفر قناة السويس، حثت شركة قناة السويس لبنانيين على المشاركة في أعمال حفر القناة).


لكن وبالرغم من هذه الأسباب، يبقى أن الدافع الأول لهؤلاء المتعلمين هو الاستفادة من أجواء الحرية المتاحة في مصر ومثال على ذلك انتقال يعقوب صروف إلى مصر وإصداره مجلة "المقتطف" التي كان يصدرها في بيروت ابتداء من سنة 1876. وينبغي أن نعتبر أن السبب الأول لقدوم هؤلاء اللبنانيين العاملين في حقل الثقافة والآداب، هو الفرصة التي تتيحها مصر لممارسة نشاطهم الثقافي من خلال إنشاء مؤسسات مستقلة تندرج في إطار المهن الثقافية وخصوصاً في مجالي الصحافة والطباعة.


وقد مثل هؤلاء اللبنانيون مع مرور الوقت ظاهرة مميزة. أما وجه التميز فيتمثل بكون اللبناني قد تعلم في مدارس أهلية وإرسالية ليست تابعة للدولة ولا تتبع إدارة أو حاكما. بالمقارنة مع المتعلمين في مصر الذين كانوا يدرسون في مدارس ينشئها الحاكم ويصبحون بعد تخرجهم عاملين في الوظيفة العامة أو مؤسسة الجيش.


يضاف إلى ذلك أن اللبناني القادم إلى مصر، وبسبب مغادرته لبلده، يتمتع بشيء من المبادرة التي دفعته أصلاً للهجرة، وروح المبادرة هذه تنطوي على شيء من الحرية الفردية والتخفف من أعباء الانتماءات الضيقة والمحلية، فضلاً عن روح المغامرة.


ومن هنا الدور الذي لعبه اللبنانيون، والذي يمكن وصفه بأنه: نقل الطابع اللبناني للنهضة، بوجهها الأدبي واللغوي والفكري، إلى مصر التي كانت نهضتها تتميز بالطابع المؤسساتي والعمراني الذي تديره الدولة ممثلة بالحاكم، وبحضور اللبنانيين إلى مصر برز المثقف المستقل لجهة تدبره رزقه ومعاشه الذي يتيح له استقلالاً في الرأي.


مثلت الهلال الظاهرة اللبنانية في مصر خير تمثيل، فهي مؤسسة صحفية أنشأها وأدارها شخص واحد في مشروع مستقل، مثلها مثل العديد من الصحف والمجلات التي أنشأها لبنانيون استمر بعضها لردح من الزمن، أو أقفلت مكاتبها لعدم جدواها الاقتصادية.


واستمرت الهلال بالصدور بفضل جهود مؤسسها، وبعد وفاته واصل ورثته إصدارها. وقد عكست الهلال منذ صدورها مواصفات النهضة اللبنانية لجهة اهتمامها بموضوعات اللغة والآداب والحضارة والاتصال بالثقافة الغربية، ودفاعها عن الحريات وخصوصاً حرية المرأة، وبشكل تدريجي اندرجت الهلال في الحياة الثقافية المصرية، وعكست هموم الثقافة في مصر التي أصبحت هموم الثقافة العربية خصوصاً في بدايات القرن العشرين.