ثورة يوليو .. أنجبت كنوزالأغنيات الوطنية والوطن الأكبر تتويجاً لها

29/07/2014 - 9:10:21

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

بقلم : د.رانيا يحى

الأحداث السياسية الكبرى تنعكس دائماً على مجالات الإبداع بالتبعية سلباً وإيجاباً لأن الفنون كالكائن الحى يتأثر ويؤثر فى كل المتغيرات الموجودة حوله ..وتعتبر الثورات أحد أدوات التقدم الحتمي للبشرية نحو مجتمع تسوده الحرية والاستقلال الذاتي في الحكم والتناغم والمساواة ..والثورات هى صانعة الفكر والتاريخ وخاصة حينما تقوم على أفكار إنسانية راسخة كحرية التعبير والمؤاخاة والمساواة والكرامة وغيرها من المبادئ التى يلتف حولها جميع المواطنين ..وما بين الثورة والفن دائماً تناغم واتساق حيث تأبى المجتمعات الفكر المتصلب الجامد الذى يكبح جماحها مطالبة بالحرية التى هى غاية الفن.. وعلى رأس قائمة الفنون تأتى الموسيقى بأشكالها وأنواعها المختلفة، ولكن بالطبع تعتبر أبسط وأقرب ألوان الموسيقى للجماهير هى الأغنية لما فيها من لغة قد تقترب من العامة وتجعلها أكثر اتصالاً بهم ،وأيضاً لما لها من قدرة على تقديم رسالة هادفة تحوى كثير من المبادئ والقيم خلال الدقائق المعدودة التى تقدم خلالها الأغنية التى ترتبط بالجمهور نفسياً بالعناصر الموسيقية المكونة لها سواء اللحن أو الإيقاع أو التوزيع أو قطعاً الكلمات كما سبق وأشرنا ..فالأغنية ترجمة حقيقية للحالة السيكولوجية والشعورية لما يجول في أواصر الجماهير.. ونظراً لأهمية الأغنية وتأكيداُ على تأثيرها فى الشعوب فقد طلب الإسكندر المقدونى من مستشاريه تقديم النصيحة التى تعينه على تحقيق غايته حينما أراد فتح أقطار الأرض والسيطرة على شعوبها فما كان منهم سوى أن يتقرب إلى مؤلفى الأغنيات ليتخذ منهم عوناً وأداة لإحكام القبض على أفكار هذه الشعوب وتوجيه المجتمع من خلالها، وهو ما يدلل على قيمة الأغنية فى سائر جموع البشر ..والأغنية الوطنية تحديداً تلعب دوراً بارزاً فى إشعال الروح الحماسية وإلهاب مشاعر الغيرة وحب الوطن .. وبما أن هناك علاقة جدلية بين ماديات المجتمع وثقافته وفنونه ،فقد كانت الثورات سبباً مباشراً في ظهور أعمال فنية وإبداعية لا زالت تحيا إلى يومنا هذا نتيجة ارتباطها بالحالة الشعورية وتأثر مبدعيها بتلك الأهداف النبيلة التى نادت بها الثورة .. وقد خرجت الأغنيات الوطنية من مهدها الأول على يد شيخ الموسيقيين سيد درويش حيث ارتبطت بأحداث ثورة 1919 منها "بلادى بلادى" و"قوم يا مصرى" وغيرها. ولكن من أهم الثورات التى مررنا بها كانت ثورة يوليو عام 1952 فى مصر والتى تمثل شرارة انطلاق ثورات المنطقة العربية برمتها ،ومن ثمرات تلك الثورة اهتمامها الواضح بالفنون حيث أنشئت أكاديمية الفنون بمعاهدها الفنية المختلفة وساهمت الدولة برفع كفاءة المواهب وتعليمهم بشكل احترافى وكذلك شيدت هيئات عديدة فى وزارة الثقافة لتقديم خدماتها لكل المواطنين كافة على مستوى الجمهورية.. كما اهتمت الثورة بإقامة محطات إذاعية قويـة جذابـة عملـت علـى ‫اﻻرتقاء بالذوق العام ، فقادت المستمع إلى اﻷفضل وشغلت عقلـه و‫قلبه بما يحب ويرغب، فاﻹذاعة كادت أن تكون وسيلة لخدمة الفكر والثقافة وبالفعل انطلقت الأصوات الغنائية صادحة بأدق عبارات وشعارات الثورة بين طياتها.. فبعد أن تدفقت قريحة الثورة أسفرت عن عدد لا بأس به من الأغنيات فكان للثورة أثر على شكل اﻷغنية في الربع الثالث من القرن الماضى حيث أصبحت انعكاساً تلقائياً للوضع السياسى الراهن آنذاك ،وكانت اﻷغنية الوطنية هي المـرآة‫ التي تعبر عن أحداث الثورة بداية من القضاء على اﻹقطاع وطـرد اﻻسـتعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية ‫ثم ما تلاها من قرارات قومية كتأميم قناة السويس وبناء السد العالي والتحول اﻻشتراكي ومجانية التعليم والتعبير عن جميع شرائح المجتمع بالإضافة لإيمانها بتوجهات القومية العربية وغيرها من المبادئ والأهداف..


وكما يقال أن الفن يثور قبل الثورات الاجتماعية أحياناً فقد كان لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الفضل فى الدفع بأغنية وطنية عام 1951 تعد إرهاصة حقيقية للثورة وهى" نشيد الحرية" الذى قدم أثناء عمليات الفدائيين ومنعت سلطات الاحتلال إذاعته إلى أن جاءت الثورة وأفرج عنه .. وفى قمة حماس ثورة يوليو أطلق عبد الوهاب سلسلة من الأعمال الوطنية مثل "يا نسمة الحرية ، "الدنيا بقت حرية" ، "زود جيش أوطانك" فى مرحلة الخمسينيات ،أما فى الستينيات فأبدع باقة منها "بطل الثورة" ،"ناصر" ،"الجيل الصاعد" ،"صوت الجماهير" ،وتوجت أغنيات هذه الفترة بأوبريت "وطنى الأكبر" ،وقد شارك فى بعض الأغنيات الأصوات الطربية الجميلة من مصر والدول الشقيقة بمصاحبة الكورال من الجنسين النساء والرجال بأصوات متميزة وعلى قدر عال من التدريب مما عمل على زيادة العواطف والشحنات لدى المتلقى بالتأثير على جموع المواطنين من خلال هذه الأغنيات التى لا زالت تمثل علامات هامة فى تاريخ الأغنية عامة والأغنية الوطنية خاصة.ونلاحظفى العديد من أغنيات عبد الوهاب الوطنية استخدامه للأوركستراالغربى بتكويناته الآلية الكاملة الوتريات وآلات النفخ بشقيها الخشبية والنحاسية وآلات الإيقاع ومدى تفاعلها مع الكلمات ،وأيضاً تناوله لعناصر التأليف الغربى من هارمونى وكنترابينط فى الكتابة الأوركسترالية .. وجميعهم بلا شك ألحان متميزة بها حرفية فى الكتابة والتوزيع وتعبر عن نضجموسيقى حقيقى ..وأكبر دليل على هذا استمرارها إلى يومنا هذا بعد مرور كل هذه السنوات مع تحقق نجاح جماهيرى كبير لأجيال لم تعش هذه اللحظات لكن وصلت إليهم بكل ما تحمله من صدق فى الأحاسيس سواء بالمعانى اللفظية للكلمات بعباراتها الوطنية الخالصة أو بألحانها الرائعة.


وإن كان نشيد الحرية لعبد الوهاب هو إرهاصة فنية للثورة فقد تغنت سيدة الغناء العربى أم كلثوم بواحدة من أوائل الأغنيات التى عبرت عن الثورة وهى قصيدة "صوت الوطن" فى نفس عام الثورة ،وبعدها قدمت "ثوار" و"قصيدة مصر" وجميعهم من ألحان المبدع رياض السنباطى ،وبالإضافة إلى هؤلاء فقد أمتعتنا كوكب الشرق بما يزيد عن ثلاثين أغنية وطنية أخرى قدمتهم فى مناسبات وطنية مختلفة منها "أنشودة الجلاء" عند جلاء الاحتلال الإنجليزى عن مصر ،"والله زمان يا سلاحى" التى أعتبرت نشيداً وطنياً للبلاد بعد العدوان الثلاثى.


ومن أكثر الأصوات التى ارتبطت بثورة يوليو وعبرت عنها كان عبد الحليم حافظ الذى أطلق عليه صوت الثورة حيث غنى باقة من الأغنيات الوطنية لتدعيم مبادئ الثورة والتى تساير كل مناسبة وطنية نمر بها الآن حتى بعد رحيله بسبعة وثلاثين عاماً حيث عبر بإحساسه الوطنى الحر الأصيل وبألحان الموسيقيين المحترفين بما يمتلكوه من إرادة لتأصيل هذه الأحداث بموسيقاهم وبالفعل نجحوا فى الوصول لعواطف الجماهير ..وقد شدا حليم بأغنيات منها "الله يا بلادنا الله" لحن عبد الوهاب ،و"عاش اللى قال" و"بستان الاشتراكية" لمحمد الموجى ،كما قدم مع صديقه كمال الطويل أغنية "بالأحضان" ،"صورة" ،"إحنا الشعب" ،ومع الملحن رءوف ذهنى قدم "ثورتنا المصرية" والتى لخصت أهداف الثورة فى مطلع كلماتها.  


كما غني محمد قنديل من ألحان أحمد صدقي "ع الدوار" بعد أيام من اندلاع الثورة ثم "إحنا الأحرار" ،ومن أروع الأغنيات الوطنية لمحمد الموجى "يا أغلى اسم في الوجود" التى غنتها نجاح سﻼم ..كما تغنت الرائعة شادية بمجموعة من الأغنيات الوطنية فى مناسبات عدة منها "أمانة عليك أمانة" ،"بلد السد" وبعد مرور سنوات غنت "يا حبيبتى يا مصر" وكثير من الأغنيات المحفورة فى أذهاننا وأرواحنا. بالإضافة لعشرات الأغنيات التى طلت علينا فى أعياد الثورة كل عام منها "احكم يا شعب" لفايدة كامل ،"أجراس الحرية" ،"أحب بلدى" لفايزة أحمد ،"إدتنى الثورة خمس فدادين" عبد الغنى السيد، "أجمل بلاد يا بلادى" لإبراهيم حمودة، و"أجمل سلام" لسعاد محمد ،"أحبك يا بلدى" لحورية حسن، "إحنا الثوار" لمحمد عبد المطلب.


والفن هو القوى الناعمة التى تؤثر فى الشعوب ،وإحياء الحفلات الوطنية إحدى أشكال هذا الفن الهادف الذى يعمل على تذكرة المواطنين والأجيال الجديدة بقيمة وطنهم وترسخ مواقف وأحداث تاريخية لها بصمات قوية لا تمحى من ذاكرة الأمة، فهذه الأغنيات كان لها أثر وطنى قومى فى حينها ولا زال الصدق الذى احتوته يعيش متوغلاً فى الوجدان ولهذا تؤكد نجاحها المنقطع النظير بعد كل هذه السنواتورغم وجود بعض الأغنيات الوطنية فى العصر الحديث إلا أنها كمثيلاتها تنتهى بمرور الوقت ولم تصل لدرجة فنية وتقنية عالية من حيث الفكرة والمضمون فلم تتصف بالدوام الذى نحن بصدده من خلال تلك الأعمال الإبداعية التى انقضت أحداثها لكنها لا زالت تتربع عرش الأغنية فى كل المناسبات ..فتحية لكل من ساهم بالكلمات والألحان والغناء فى هذا التراث الوطنى المشرف ..وتحية لثورة يوليو التى أنجبت لنا ميراثاً فنياً خالداً.