فلسطين الشامية العربية العثمانية.. هكذا كانت

20/09/2015 - 11:44:14

خان القوافل فى القدس - صورة من المدرسة الإنجيلية خان القوافل فى القدس - صورة من المدرسة الإنجيلية

تحسين يقين - كاتب من القدس

    كانت البلاد تئن تحت ثقل الماضي، تنظر بشيء من الأمل نحو المستقبل، حيث إن المكان هنا هو زمان النهضة العربية الحديثة أواخر القرن التاسع عشر.


    وصف البلاد هو من الصور والروايات الشفوية، ومن الآثار أيضا لما ظل ماثلا من حجارة البيوت المهجورة والمعمورة، مثل بيتنا في إحدى قرى القدس.


   لعل النظام الاجتماعي هو انعكاس للبيوت المتلاصقة، جدران مشتركة، طوابق علوية للسكن والأرضية للتخزين والخيول. في حين يشكل الحوش مكانا للأسرة الممتدة، للمتزوجين غرف خاصة تطل على الساحة المشتركة، هي الساحة الكبيرة داخل مربع، للطعام والشراب واستقبال الضيوف، غير مسقوفة بالطبع. والحي المديني هو مجموع هذه الأحواش. ومجموع الأحياء هي البلدة القديمة، بسورها أو بجدران بيوتها التي تعمل عمل السور، وللبلدة بوابة، كما للحوش كذلك.


    الآثار العمرانية قديمة جدا، لكن ونحن في عام 1892، فإن ما يهمنا هو البيوت التي ظلت معمورة حتى الآن (2015)، كذلك الأسواق والمدارس وكل ما له علاقة بمركز المدن والبلدات، فبالنسبة للسكان فإنهم ظلوا في هذه البيوت جيلا وراء جيل، منذ 800 عام، بقيت البيوت والمحلات التجارية عامرة كما هي في نابلس والخليل وعكا. نطل فيها فنرى زمن الأيوبيين والمماليك والعثمانيين الذين طال مقامهم.


    بداية التحديث والانتقال إلى خارج البلدات القديمة، أي خارج الأسوار، كما هو الحال في القدس، حيث بدأت العائلات الميسورة ببناء بيوت حديثة الطابع، تغير فيها شكل العمارة وشكل تقسيم البيت من الداخل، انسجاما مع تغير الحياة الاجتماعية، حيث لم يعد نظام الحوش هو السائد بما يحمل من دلالات اجتماعية وثقافية. كما تم بناء المستشفيات والمدارس ومراكز الشرطة والمتاحف.


ما الذي تبوح به الصور أيضا؟


    أتصفح صور المصور الفرنسي جورج دوبان في معرضه الذي حمل اسم "الأثر العثماني" أو "حجارة فلسطين المنسية"، حيث يمكن التعامل مع الصور تعاملاً تاريخياً في الاستدلال منها على عدة ظواهر ثقافية لها علاقة بنظام المجتمع الاجتماعي والاقتصادي كما ذكرنا. فالبيت الخليلي الذي أعدّ للأسرة الممتدة، يعكس كيف أن النظام الاجتماعي استولد شكلاً معيناً في البناء، من حيث وجود بيت الجد والجدة، وأبنائهما المتزوجين، في حين ترك الجزء الأسفل للدواب والتخزين. في حين راعى مدخل أفراد الأسرة ومدخل الضيوف المختلف عنه لأسباب لها علاقة بالمحافظة والفصل بين الرجال والنساء.


    وقد ظهر ذلك في البيت الخليلي والنابلسي، وهو بالطبع يتحدث عن العائلة الممتدة في المدينة أواخر القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين.


    وعكست صور مثل صورة خان القوافل في القدس أسلوباً اقتصادياً في مهنة الخان كمكان يترك فيه القروي دابته فيه حتى ينجز عمله داخل المدينة مقابل أجر معين يدفعه لصاحب الخان (مثل الجراج اليوم) وبتفحص الصورة يمكن تحليل الخان إلى أكثر من مستوى، فهناك جزء علوي للبشر، وجزء سفلي وفناء خارجي للدواب، وبتأمل أدق يمكن مشاهدة استخدام الحمير والبغال والخيول والجمال في المواصلات، بل إن هناك أسلوباً لتحميل الجمال مثلاً وإحكام الحمل بواسطة الحبل، كما أن هناك ثلاثة طوابق في الخان. يمكن أن يكون الطابق الثالث هو بيت صاحب الخان.


    هناك أسلوب معماري هندسي ساد في العهد العثماني في بناء البيوت باستخدام أسلوب "عقد الصليب" الذي لا يقدم على السقف المستوي، بل الشكل المجوف لأعلى، حيث يقوم السقف على أعمدة هي جزء من الجدران، تشكل ما يطلق عليها "الركبة،" كما دلت الصور أيضاً على الشكل الأوروبي الحديث في البناء والذي دخل فلسطين في أواخر العهد العثماني.


    ثمة اندماج حصل في بعض المباني، ما بين القديم الذي أضيف إليه بناء جديد وفق أسلوب بناء حديث، والذي يمكن أن يكون له دلالات اجتماعية وثقافية في التأثر بالثقافات الوافدة في مجالات مختلفة.هناك رؤية جمالية لدى المصور في التقاط صور معينة، كصورة نوافذ الحمام العلوي الملونة الزجاج، من حيث اهتمام المصور بالإيقاع والألوان (الشبابيك الصغيرة المستديرة الملونة).


    المرأة الفلسطينية الشامية العربية محتفظة بزيها كما الرجل، في القرى الثوب المطرز برسومات قديمة تصل العصر الكنعاني، وفي المدن ثياب الحرير، في القرية تكشف الوجه، وترتدي المنديل وعليه الخرقة وليس الحجاب، في المدينة تغطية الرأس بمنديل أسود مع غطاء أسود شفاف يخفي الوجه لكن ليس هو بالنقاب.


    الرجل يرتدي القمباز تحته السروال، وقد تم التحديث بارتداء جاكيت فوق القمباز. وللرأس عقال فوق كوفية بيضاء. في حين يرتدي الرجل المديني طربوشا هو الرمز التركي الوحيد الذي دخل الحياة الفلسطينية الشعبية، حيث اقتصرت الملابس التركية على موظفي الدولة العلية.


   ملابس المرأة والرجل في مضارب البدو في صحراء النقب وبرية جبال فلسطين هي هي، مع غطاء ثقيل للرأس يقيهما شدة الحرّ.


    يبيع البدو الحليب ومشتقاته لأهل المدينة، حيث خصص الخلايلة مثلا سوقا باسم الحليب، أما الفلاحون فيبيعون الخضار والفاكهة، وكلاهما يشتري السكر والكبريت والشاي والقهوة.


    اقتصاديا شاع في البلاد نظام الالتزام الضريبي، العثماني، حيث تقوم الدولة العلية من خلال سنجق القدس التابع لولاية الشام بالتعاقد مع محللين من ذوي النفوذ والسطوة بجمع الضرائب من الفلاحين ومن ثم يتم الاقتسام لصالح الدولة، وما يواكب ذلك من إذلال وإفقار دفع المزارعين إلى عدم تسجيل كل أراضيهم تهربا من الضرائب.


    يوم الفلسطيني يبدأ مبكرا، مع تقسيم العمل بين الرجال والنساء، القروي يقضي وقته في الكروم، والمديني تاجرا وصانعا، ثم اللقاء في مضافة القرية مساء، فيما يتجمع المدينيون في الساحات العامة والحمامات. أما لقاء القرويين مع المدينيين فهو في النهار، فهم لا يتقاسمون حياة الليل.


    تنشأ في يافا والقدس بشكل خاص حياة عزّ ورفاهية، وتظهر فيها حركة اجتماعية وثقافية تقاطعت اهتماماتها وهمومها مع مثقفي الشام ومصر. وقد تم مواكبة ذلك بدء الحركة الصحفية التي ازدهرت بعد 14 عاما حيث ستصدر الدولة العلية دستور 1906.


    أتجه إلى الشمال إلى حيفا وعكا، أتأمل العكيين في هذا العام (1892)، فأتذكر ما قاله عنهم الشريف الإدريسي في وصفه لعكا، بأن ناسها أخلاط، أي من جنسيات وقوميات مختلفة نتيجة وضعها التجاري، فقد كانت ميناء دوليا لقرون، أما أنا اليوم فالميناء صغير.


   عند مدخل المدينة ثمة مشهد تتشابه معه وبه الأحداث، أسوار مسيطر عليها، أسوار تحتضن بيوتا قديمة عطرت المكان والزمان بعبق التاريخ، خانات، مساجد، كنائس، برج الخزنة حمام الباشا كنيسة مار أندراوسخان وتاريخ قديم جدا.


    لعكا المدينة البحرية بابان تاريخيان: هما الباب البري والباب البحري. في عكا مسجد الزاوية الشاذلية، ومسجد الزيتونة، وجامع الرمل، وهو أقدم مساجد عكا، وجامع ظاهر العمر الزيداني.


    يشبه مسجد الجزار المساجد التركية ومسجد قلعة محمد علي باشا بالقاهرة، خمس قباب خضراء صغيرة تتوسطها قبة أكبر منها، فوق المدخل الرئيس، هارمونية عناق قباب المسجد الكبيرة والصغيرة تنسجم مع عشرات القباب التي تعلو الأروقة، التي كان لها عزّ أي عزّ أيام عكا، وأيام حلقات العلم في حاضرة عكا العريقة.


    الفلسطينيون متمسكون باللغة العربية حيث لم تجبرهم تركيا على تغييرها، كما لم تغير طبيعة التنوع الديني.


    للفلسطينيين حرية التنقل مع البلاد القريبة، شرق الأردن وسوريا بما فيه جبل لبنان والعراق، ومصر رغم سيطرة الإنجليز على الحدود بعد احتلالها قبل 10 أعوام (1882).


    فلسطين الشامية، هي أيضا فلسطين الشرق، وبذلك فهي مرتبطة بمصر ومنجذبة لها خصوصا مع بداية التحديث والنهضة، لذلك يتأثر الفلسطينيون بمصر، فكانت الحواضر الفلسطينية الشامية على اتصال بمصر ثقافيا واقتصاديا.