تونس سنة 1892 .. صراع على الهوية بعد 11 عاما على الاحتلال الفرنسي

20/09/2015 - 11:40:50

شارل مارسيل لافيجيرى شارل مارسيل لافيجيرى

حسّونة المصباحي - روائي تونسي

    في عام 1892، كانت قد مرّت 11 سنة على احتلال فرنسا للبلاد التونسية بمقتضى معاهدة باردو الممضاة من قبل الصادق باي في الثاني عشر من مايو 1881. لكن هل كان والدي الذي كان آنذاك في العاشرة من عمره، والذي سيرحل عن الدنيا في الخامس والعشرين من فبراير شباط 1963 يعلم أن بلاده محتلة من قبل "الكفار"؟ ما أظن ذلك. فقريتنا الواقعة في تلك الأحراش الفاصلة بين سهول القيروان بالوسط التونسي، ومنطقة الكاف على الحدود مع الجزائر، كانت في تلك الفترة، مقطوعة عن العالم. وكان أهلها يعيشون حياة بدائية موسومة بالمجاعات، والأوبئة التي كانت تحصد الكثيرين فلا ينجو منها إلا من يسعفه الرب الكريم برحمته وغفرانه.


    وربما لن ينتبه والدي لاحتلال بلادنا إلا عندما جاء عساكر الباي على ظهور بغال سوداء ليجبروا اثنين من إخوته على الالتحاق بالجيش الفرنسي عند اندلاع الحرب الكونية الأولى. وقد تمكن واحد منهما من الفرار من ثكنة بنزرت البحرية ليعيش متخفيا عن الأنظار في مغوار الهضاب المحيطة بقريتنا. وكانت الحرب قد أوشكت على نهايتها، عندما لدغته أفعى في عزّ الصيف فقضى تاركا بنتا رضيعة سوف يتسبب جمالها الفائق في تناحر بين الرجال للفوز بها. أما الثاني فقد عاد إلى القرية بجراح طفيفة بعد أن أمضى سنوات الحرب في خنادق "فاردان".


    وفي سنة 1892، كان الفرنسيّون قد أتمّوا بناء الجزء الأكبر من القسم الأوروبي لمدينة تونس  ليكون عاكسا لثقافتهم ونمط حياتهم. غير أن الكاتب الشهير أندريه جيد الذي زار تونس عام 1898، أظهر نفورا شديدا من القسم الأوروبي معتبرا إياه تشويها لأصالة المدينة العربية الإسلامية. لذا سيمضي جل أوقاته في أحياء هذه الأخيرة، واصفا في يومياته ساحاتها التي تحتضن الاحتفالات والألعاب الشعبية، ومرتادا مقاهيها حيث تروى على أنغام الطبل والمزمار قصص الجن والعفاريت، وألف ليلة وليلة، ومغامرات ذياب الهلالي، وقصص حب الجازية الهلالية. وفي ما بعد، وتحديدا عام 1925، وذلك بمناسبة مرور 100 عام على ميلاده، وبهدف الفصل بين القسم الأوروبي والقسم العربي-الإسلامي لمدينة تونس، أقام الفرنسيون تمثالا للكاردينال شارل مارسيل لافيجيري الذي توفي عام 1892 وهو يحمل الإنجيل بيد، وبالأخرى يركز الصليب.


    وكان هذا الكاردينال الكاثوليكي المتعصب من كبار المبشرين المسيحيين في القرن التاسع عشر. وقد بدأ حياته العملية أستاذا للتاريخ في جامعة "السربون المرموقة". بعدها توجّه إلى بلاد الشام بهدف مساندة الدعوة التبشيرية عن طريق التعليم في المدارس. وفي سنة 1867، انتقل إلى الجزائر ليؤسس في السنة التالية جمعيّة "الآباء البيض" التبشيرية. وفي عام 1875، جاء إلى تونس محاولا التمهيد لاحتلالها. ولتحقيق الهدف المذكور، قام بأعمال عديدة منها مثلا تأسيس معهد "القديس لويس" الذي سيصبح في ما بعد "الليسي كارنو". كما أعاد إحياء كنيسة قرطاج القديمة مطلقا عليها اسم "كنيسة القديس لويس". وعندما توفي في الجزائر، نقل جثمانه إلى تونس ليدفن في الكنيسة المذكورة. وكان الكاردينال لافيجيري يحرض السلطات الاستعمارية على انتهاج سياسة القوة والعنف تجاه التونسيين والجزائريين زاعما أن العرب "لا يستقيم لهم أمر إلا بالعصا". وفي التقرير الذي رفعه إلى حكومة بلاده بخصوص تونس، دعى إلى عدم إلحاقها المباشر بفرنسا وذلك تجنبا للخسائر التي تكبدتها فرنسا في الجزائر.


    ولتوطيد احتلالها للبلاد التونسية، أصدرت السلطات الفرنسية عام 1892 قرارات تبيح لها الاستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي. وبذلك بدأت مرحلة "الاستعمار الزراعي" الذي حول المزارعين التونسيين إلى خدم لدى المستعمرين الفرنسيين الذين توافدوا بأعداد وفيرة ليستولوا على أفضل الأراضي وأكثرها خصبا في جميع أنحاء البلاد.


    وفي سنة 1892، وافق المجلس البلدي لمدينة تونس على إحداث منتزه "البلفدير" مكان غابة زيتون والتي تمسح 110 هكتارات. وقد قام المهندس الفرنسي جوزيف لافوركادو بإنجاز هذا المشروع. ولا يزال منتزه "البلفدير" أكبر منتزه في البلاد التونسية. وفي الثلاثينيات، كان شاعر تونس الكبير أبو القاسم الشابي الذي أصيب مبكرا بمرض القلب، وبه سيموت وهو في الخامسة والعشرين من عمره، يحب التجول فيه، مسجلا في يومياته التي كتبها مطلع عام 1930 ما يجول في خاطره من أفكار، وما يستثيره من هواجس. وفي هذه اليوميات، نلمس افتتان صاحب "أغاني الحياة" بالطبيعة، وميله للعزلة والتوحد بالنفس مثلما هو حال كل الشعراء الرومانسيين الذين تأثر بهم من خلال الترجمات التي كان ينجزها صديقه محمد الحليوي. وفي يومياته، كتب الشابي: "لست والله غير طائر غريب يترنم بين قوم لا يفهمون أغاني الطيور ولكن هل يحفل الطائر بالوجود حين يترنم؟ هل يسأل الناس: أيّكم يفهم أغاني الطيور؟ كلاّ يا قلبي! سر في سبيلك يا قلبي، ولا تحفل بصفير الأبالسة فإنّ وراءك أرواحا تتبع خطاك!".


    وفي "كازينو البلفدير" الذي أقيم عام 1910 حسب الطراز المعماري العربي، أقيم حفل تكريميّ لمعاضدة المفكر الاجتماعي الطاهر الحداد صاحب كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي دعا فيه إلى ضرورة تحرير المرأة التونسية من قيود الماضي وأغلاله مثيرا حفيظة المحافظين والمتزمتين من رجال الدين وشيوخ جامع الزيتونة. وقد صمد الطاهر الحداد أمام خصومه وأعدائه بشجاعة لا مثيل لها في زمنه. وبحكمة ردّ عليهم قائلا: "التفكير بدء الحياة، ولكننا نضع في وجهه سلاح التكفير لنثير عليه الشعب. فمن أين تبدأ الحياة التي نطلبها للشعب". ويضيف الحداد: "اليوم الذي تنطلق فيه عقولنا حرّة من سجن التقاليد فتحكم على ماضينا وحاضرنا لفائدة مستقبلنا هو اليوم الذي يولد فيه العمل المثمر لحياتنا". وأمام الهجمات التي أصبح يتعرض لها، والتي باتت تهدد حياته، لم يتوان البعض من أصدقائه الخلّص في معاضدة الحداد، ومناصرة أفكاره الإصلاحية. وقد شارك في الحفل التكريمي، في السابع عشر من أكتوبر-تشرين الأول 1930، رموز النخبة التونسية المستنيرة من أمثال الصحفي الهادي العبيدي، والناقد الأدبي زين العابدين السنوسي، والشيخ سالم بن حميدة، والأديب محمد المرزوقي، والمناضل الوطني أحمد الدرعي.


    وفي خطبته في الحفل التكريمي قال الطاهر الحداد وهو في أقصى درجات التأثر: "لأول مرة في حياتي أشاهد هذا الجمع الحافل يمجد عملا فكريّا لنهضة المرأة التونسيّة قمت به على قدر ما أستطيع". ومعلقا على الضجة الهائلة التي أحدثها كتاب الطاهر الحداد، كتب أبو القاسم الشابي في رسالة بعث بها إلى صديقه محمد الحليوي، يقول: "إنّ الضجّة في تونس قائمة على كتاب صديقنا الطاهر الحداد (امرأتنا في الشريعة والمجتمع). ويقال إن النظارة تفكر في القيام عليه وطلب حجزه كما فعلت مشيخة الأزهر بطه حسين وكتابه (يقصد "في الشعر الجاهلي"). بمعنى أنه قدّر علينا أن نكون مقلدين لمصر في كلّ شيء. هذا ما يشاع وإن كنت لا أؤمن بصحّة ما يشاع. ويوم الجمعة سوف تقام للصديق، مؤلف الكتاب، حفلة تكريميّة كبرى بكازينو البلفدير، وستلقى فيها الخطب، والقصائد، وسينشر الحديث عن هاته الحفلة لأنها تدلّ على أن تكريم التونسي للتونسي قد بدأ قبوله في النفوس".


    وفي سنة 1892، عيّن المصلح الكبير البشير صفر المولود عام 1865 على رأس جمعية الأوقاف، ليشرع في الحين في بعث مشاريع اجتماعية لمساعدة الفقراء والمعوزين. وكان البشير صفر قد درس في المدرسة الصادقية التي أسسها المصلح خير الدين باشا التونسي. وفي فرنسا التي التحق بها لاستكمال تعليمه العالي، اطلع على الدساتير الأوروبية، وفتن بالثورة الفرنسية، وبالأفكار الاشتراكية. وعند عودته إلى تونس، انتسب إلى الحركة الوطنية التونسية المناهضة للاستعمار. وفي جريدة "الحاضرة" التي أسسها المصلحون التونسيون من أمثال الشيخ سالم بوحاجب الذي ساعد خير الدين باشا التونسي على تأليف أثره المعروف "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، كتب العديد من المقالات منتقدا سياسة الحماية الفرنسية، ومدافعا عن حقوق التونسيين في المشاركة في الحياة السياسية للمملكة التونسية. وفي عام 1895، أسس البشير صفر "المدرسة الخلدونية" التي أصبحت منبرا لدعاة التفتح والإصلاح، وفيها ألقيت المحاضرات وانتظمت الندوات الفكرية والسياسية بهدف إصلاح أوضاع تونس، ومقاومة المشاريع الاستعمارية التي تستهدف الهوية والثقافة العربية الإسلامية. وفي هذه المدرسة، ألقى أبو القاسم الشابي عام 1929 محاضرته الشهيرة: "الخيال الشعري عند العرب"، والتي تضمنت رؤية نقدية جريئة لمجمل التراث الشعري العربي في مختلف العصور مناهضا لتلك الفكرة التي تقول إن "العرب أمة الشعر". وقد توفي البشير صفر عام 1917. ويذكر الزعيم الحبيب بورقيبة أنه حضر موكب جنازته مرفوقا بوالد الذي كان يبكي بحرقة.


    وفي عام 1892، كان المناضل والمصلح الوطني الكبير علي باش حامبة المولود عام 1876 في  السادسة عشرة  من عمره. ومثل البشير صفر درس علي باش حامبة في المدرسة الصادقية، ثم انتقل إلى فرنسا لاستكمال تعليمه العالي في قسم الحقوق بجامعة "آكس أون بروفانس". وعند عودته عمل محاميا منتسبا في الآن نفسه إلى النواة الأولى للحركة الوطنية التي كانت تنشط ضمن جريدة "الحاضرة"، متعرفا من خلالها على رموز النخبة التونسية التي ورثت الأفكار الإصلاحية عن خير الدين باشا التونسي. وفي مطلع القرن العشرين أسس علي باش حامبة مع مجموعة من خريجي المدرسة الصادقية مثل البشير صفر "حركة الشباب التونسي" التي عملت على بث الوعي الوطني في المجتمع التونسي من خلال جريدة "التونسي" التي صدرت  باللغة الفرنسية عام 1907. وفي مقالاته في هذه الجريدة التي كان يرأس تحريرها، دأب علي باش حامبة على انتهاج الاعتدال والرصانة في انتقاد السياسة الاستعمارية. وفي الفترة نفسها، عمل على استحداث العديد من النوادي الثقافية محرضا طلبة جامع الزيتونة على التحرك بهدف إصلاح البرامج التعليمية لتكون عاكسة لحضارة العصر. وفعلا تظاهر طلبة الجامع المذكور في ربيع عام 1910 احتجاجا على فساد وتخلف البرامج التعليمية، فلم يتردد علي باش حامبة في مساندتهم وتوجيههم وتقديم النصائح لهم. وعند اندلاع الانتفاضة الشعبية المناهضة للاستعمار عام 1912، انتصب علي باش حامبة مدافعا بشراسة عن حقوق التونسيين في تقرير مصيرهم. لذا سارعت السلطات الاستعمارية بإبعاده عن البلاد ليعيش ما تبقى له من العمر في اسطنبول،وتوفي فيها عام 1918.


    وأما الزعيم الوطني الآخر الشيخ عبد العزيز الثعالبي المولود بتونس العاصمة عام 1874 فقد كان عام 1892 في الثامنة عشرة من عمره. ولعله شرع آنذاك في إعداد نفسه لتلك المعارك الكثيرة والطاحنة التي سيخوضها ضد الاستعمار الفرنسي. وهو ينتسب إلى عائلة من أصل جزائري قدمت إلى تونس عام 1785. وكان في السابعة من عمره لمّا احتلّت فرنسا البلاد التونسية عام 1881. وقد ظلّ ذلك الحدث الأليم راسخا في ذاكرته حتى النهاية. وفي عام 1937، تحدث عنه في القاهرة قائلا: "كنت في طريق قريب من بيتنا وأنا صغير حينما دخل الجيش الفرنساوي تونس، فرأيت الكآبة تخيّم على وجوه التونسيّين، فاستغربت ذلك وكنت أجهل السبب. وذهبـت إلى جدي فوجدته يبكي لأوّل مرّة فقلت مندهشا: لم هذا البكاء يا جدّي؟ هل ضربك أحد؟ قال: نعم البلاء انصبّ علينا فيجب أن نرحل من هذه البلاد التي نعيش فيها، ولكني قد بلغت من الكبر عتيّا، لا أستطيع أن أرحل، وإني خائف أن تصيروا في المستقبل فرنسيّين!". ومنذ ذلك الحين عاهد الفتى عبد العزيز الثعالبي نفسه على أن ينذر حياته للنضال ضدّ الاستعمار الفرنسي. وفي سنوات شبابه، انتسب الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى الحركة الوطنية والإصلاحية تماما مثلما فعل البشير صفر وعلي باش حامبة. وكان من ضمن من هبوا لاستقبال الشيخ محمد عبده عندما زار تونس عام 1903. وتحت تأثير أفكاره الإصلاحية ألف كتابه الشهير "روح التحرر في القرآن" داعيا إلى ضرورة إحياء الاجتهاد في الإسلام لتوفير مستلزمات نهضة عربية تكون متوافقة مع حضارة العصر وقوانينها ودساتيرها ومبادئها. وفي العشرينيات من القرن العشرين أصدر الشيخ الثعالبي كتابا آخر حمل عنوان "تونس الشهيدة"، وفيه انتقد بحدة المظالم الاستعمارية المسلطة على الشعب التونسي. وبعد أن أسس أول حزب وطني وهو "الحزب الدستوري"، عام 1919، قام الشيخ عبد العزيز الثعالبي برحلة طويلة طاف خلالها العديد من البلدان العربية والإسلامية. وعند عودته إلى تونس في منتصف الثلاثينيات، اشتدت الخلافات بينه وبين العناصر الوطنية الشابة التي كان يتزعمها الحبيب بورقيبة فلازم بيته إلى أن وافته المنية عام 1944.