فنون ما قبل مدرسة الفنون

20/09/2015 - 11:30:04

بائع فخاريات من القرن التاسع عشر ويظهر بجوار الأوانى الفخارية تماثيل فخارية صغيرة وشعبية بائع فخاريات من القرن التاسع عشر ويظهر بجوار الأوانى الفخارية تماثيل فخارية صغيرة وشعبية

أسامة عفيفي - كاتب مصري

    في عام 1892، السنة التي صدرت فيها مجلة "الهلال" كان الفنانون الأجانب يستعدون لتنظيم معرضهم الثاني تحت رعاية الخديو عباس حلمي، لكنه خذلهم  لأسباب مجهولة ولم يدعم تنظيم المعرض كما فعل الخديو توفيق في معرضهم الأول عام 1891 الذي افتتحه بدار الأوبرا. وحقيقه هذا المعرض أن الفنانين الأجانب كانوا يعانون كساد بضاعاتهم لأن المصريين كانوا يقبلون علي فنونهم الوطنية، وهو أمر سنفسره ونفصله بعد قليل، لكننا لا بد أن نتوقف على دلالة عبارة "إقبال المصريين على فنونهم الوطنية" التي تعني أن مصر عرفت الفنون التشكيلية قبل قدوم الرسامين الأجانب، وهو أمر مازال مضببا ومازال مؤرخو الفنون يشيعون أن الحركة الفنية بدأت مع "مدرسة الفنون الجميلة" التي أنشأها الأمير يوسف كمال عام  1908.


    ولم يبحث أحد حتى الآن في طبيعة هذه الفنون رغم الإشارات الكثيرة لوجودها مبثوثة في الكتب التاريخية والمذكرات، فمثلا يروي أحمد شفيق باشا في مذكراته أن مادة الرسم كانت مقررة في مدرستي "المبتديان" و"القبة" اللتين تعلم فيهما في المرحلتين الأولية والابتدائية. ويقول إن أستاذ الرسم المصري كان معجبا برسوماته، ولكي يؤكد لنا أحمد شفيق باشا براعته في الرسم نشر في الكتاب صورة للوحة زيتية رسمها لحصان يفهم منها أن أستاذ الرسم المصري كان يعلمهم التشريح والتصوير الزيتي. فمن أين أتي هذا المدرس المصري عام  1875؟ من أي المعاهد تخرج؟


    الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يذكر لنا الفنان الراحل الدكتور سعد الخادم في كتابه "المؤامرات الاستعمارية علي تراثنا الفني" أن القاهرة عرفت التصوير الفني الحديث قبل مدرسة الفنون، وقبل مراسم الأجانب، وكانت القاهرة تعج بالرسامين والمصورين والنحاتين المصريين في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر ويقول إن يوسف أصاف ذكر في كتابه "تاريخ العائلة المحمدية" الذي طبع عام 1890 (ويقصد بها عائلة محمد علي) أن من "أشهر مصوري اليد المصريين في القاهرة  يوسف العكم ومرسمه بكلوت بك"، ويذكر أيضا سعد الخادم في الكتاب نفسه أن إبراهيم عبد المسيح مؤلف كتاب "دليل وادي النيل ذكر في أحداث عامي 1891 و1892 أسماء عشرة فنانين مصريين وعناوينهم وهم: إبراهيم سالم بسوق الزلط، وبيومي عبد الله بدرب النوبي، وحسن أحمد البليدي بدرب الملاح، وحسن الصولي بشارع الطواشي، وحجاج يوسف بباب الشعرية، ورزق يحيى بسوق الزلط، وعباس سعد بالأزبكية، ومحمد حسين بدرب الملاح، ومتولي سيد أحمد بحارة أبو بكر، وهلالي محمد بدرب عبد الخالق.


    رابع هذة الإشارات المهمة ما نشرته مجلة (الهلال) في أبريل 1894 عن احتفال مدرسة دار العلوم في 26 مارس 1894 بوضع صورة زيتية بمدخل المدرسة الرئيسي، بالحجم الطبيعي تصور علي مبارك مؤسس المدرسة واقفا يتكئ على عصاه مادا يده اليمنى إلى الأمام، وكأنه يصافح أحدا. وقالت مجلة (الهلال) إن اللوحة من إبداع أستاذ التصوير بمدرسة الفنون والصنائع، أي أن مدرسة الفنون والصنائع في ذلك الوقت كانت تدرس لطلابها مادة التصوير الزيتي، قبل إنشاء مدرسة الفنون الجميلة بأربعة عشر عاما.


   هذه الإشارات كلها تؤكد لنا أن تعليم الفنون في مصر، ووجود الفنانين المصريين، كان قبل مدرسة الفنون الجميلة بأكثر من 50 عاما، فمن أين أتى هؤلاء الفنانون وأين تعلموا؟


    المعروف أن محمد علي عند تأسيسه للدولة الحديثة، وفي إطار خطته لإنشاء المدارس الجديدة وتطوير التعليم، أنشأ بالإضافة إلى مدرسة المهندسخانة والطب والحربية مدرسة للفنون سماها "مدرسة العمليات" عام 1830، وكان يهدف منها إلى تخريج الفنيين في التصميم والرسم والعمارة  والصناعات اليدوية والزخرفية، لتمد الدولة بالفنيين اللازمين لإنشاء المباني الرسمية واحتياجات مصلحة المساحة   ونظارة الأشغال من الرسامين، وتخرج من هذه المدرسة عدد كبير من فناني صناعة الأثاث والفورماجية والنحاتين والمصممين الذين عملوا مع المهندسين الأجانب في بناء قصر الجوهرة وقصر شبرا وقصور عابدين والمنتزه والقبة وغيرها من المباني الخديوية، كما استعانت بهم الدولة في صنع النماذج التعليمية المجسمة في مدارس الطب والزراعة والهندسة، وعمل كثير منهم في تعليم الرسم في المدارس الأولية الأميرية، قبل إنشاء مدرسة الفنون الجميلة عام  1908، وتطورت مدرسة العمليات فيما بعد فأصبحت تحمل اسم مدرسة الفنون والصنائع، ثم اسم مدرسة الفنون الزخرفية، والتحق عدد من خريجيها بمدرسة الفنون الجميلة منهم يوسف كامل، على سبيل المثال.


    ورغم أن الأسرة العلوية قد اعتمدت علي الخبراء الإيطاليين والفرنسيين في أعمال التشييد والعمارة والتحديث إلا أن خريجي مدرسة العمليات كانوا النواة الأولى للفنيين الذين حملوا على عاتقهم تطوير الفنون التطبيقية في مصر في كافة منشآت الدولة، وأسسوا قاعدة الفنون في مصر سواء في التعليم أو إنتاج أشكال أكثر تطورا في مجال الفنون الوطنية، وبعضهم أسهم في حركة الفنون الجميلة بعد ذلك. لكن المدرسة بخريجيها ظلت كالعادة في أحضان الدولة، وكذلك فعل الخريجون الأوائل في مدرسة الفنون الجميلة، إذ سعوا للعمل كمعلمين للرسم في المدارس الحكومية والخاصة لضمان لقمة العيش، فلم يكن سوق الفنون قد بدأ بعد. لكن "مدرسة العمليات" توقفت لتعود مرة أخرى، كما أسلفنا، باسم مدرسة الفنون والصنائع منذ عهد عباس حلمي لتوفر احتياج مصلحة المساحة ووزارة الأشغال للفننيين، وظلت موجودة رغم إنشاء مدرسة الفنون الجميلة عام 1908.


    رغم هذا الارتباط الوثيق بين الدولة والفنانين المصريين، فلم يكن السوق المصري خاليا من متذوقي الفنون، كما ذكر لنا الفنان سعد الخادم في كتابه سالف الذكر، فمصر كانت تعرف أشكالا من التصوير والفنون كانت رائجة في مطلع القرن التاسع عشر، قبل المدارس الفنية الحديثة، وكان لهم جمهورهم وتفرغوا لرسم اللوحات  الشعبية التي كانت تجسد الأبطال الملحميين والشعبيين كعنترة وسيف بن ذي يزن وأبي زيد الهلالي والقصص الدينية المرتبطة بالمناسبات والأعياد المسيحية والإسلامية كعيد الأضحى والحج، بالإضافة إلى لوحات الخط العربي وتماثيل الأحصنة والأسود الجبسية الجميلة التي كان أبناء الطبقة الوسطى والأعيان يقبلون على شرائها، إضافة إلى لوحات المنظر للمناظر الطبيعية وخاصة النخيل والنيل. وكانت مقاهي مصر مزينة بجداريات زيتية لمناظر الغروب والأهرامات والمراكب النيلية قام بإبداعها فنانون مصريون موهوبون.


    ويذهب رشدي إسكندر وكمال الملاخ في كتابهما "50 سنة فن" إلى أن هؤلاء الفنانين كانوا يشكلون سوق الفن في مصر، وأدى إنتاجهم  الغزير والإقبال عليه إلى فشل أول تجربة لإنشاء سوق أجنبية عن طريق الفنانين الأجانب في القاهرة، فلقد حاول الفنانون الذين بقوا في مصر بعد الحملة الفرنسية ممن كانوا مفتونين بالطبيعة والآثار المصرية إنشاء سوق للفن بشارع الخرنفش بجوار مدرسة الفرير، على غرار شارع مونبارناس في باريس، لكن إقبال الناس على منتجات الفنانين المصريين الوطنية أصاب سوقهم بالكساد، ولم يكن يقبل عليهم سوى بعض الأعيان ممن يرغبون في رسم صور شخصية، وهم في ملابس التشريفة، وإزاء هذا الفشل الذريع اتجه الفنانون الأوروبيون إلى الاحتماء بالدولة في شخص الخديو توفيق، وطرحوا عليه فكرة تنظيم معرض سنوي في الأوبرا يكون تحت رعايته كنوع من التقليد المتحضر، واقتنع الخديو بفكرة المعرض السنوي في الأوبرا، وبالفعل نظموا أول معرض عام 1891، وافتتحه توفيق وسط الوزراء والحاشية والأعيان، وتم شراء جميع المعروضات، فلقد كان الخديو يحث معيته والوزراء على الشراء. ولقد أغري هذا النجاح  الفنانين الأجانب على تطوير شارع الخرنفش، فلقد أضافوا إليه دارا للموسيقى ودارا لتعليم الرسم وأعلنوا عن وجود رسامين يعلمون الأبناء الرسم في البيوت، ليضمنوا زبائن دائمين، وبدأ شارع الخرنفش ينتعش مع نمو طبقة تجار القطن والموظفين في بورصة القطن بالقاهرة من الأرمن والمصريين الذين كانوا يحاولون التشبه بأصحاب شركاتهم، لكن الخديو عباس لم يرع معرضهم إلا في عام 1902 والذي كان آخر المعارض.


    ونظرا للإقبال الشديد من التجار والأعيان تقرر أن يكون في شارع المدابغ "شارع شريف الآن" وعقد بدار الخواجة نحميان تاجر التحف، وافتتحه الخديو أيضا وقد بلغ سعر تذكرة الدخول 20 قرشا، واعتمد الخواجة نحميان أسلوب المزاد في شراء اللوحات ليشعل المنافسة  بين الأعيان ويحمسهم للشراء، وكان نتيجة هذا الأسلوب أن بيعت كل المعروضات، وكان أقل سعر للوحة 25 جنيها ذهبيا بأسعار أوائل القرن العشرين. ومع اضطراب الأوضاع السياسية والكساد الاقتصادي هاجر معظم الفنانين الأجانب أو التحق بعضهم بمصلحة المساحة والطب الشرعي ، وأصيب من تبقى منهم بحالة كساد مزمنة وهو الأمر الذي دفع النحات  الفرنسي "جيوم لا بلان"   لاقتراح فكرة إنشاء مدرسة الفنون الجميلة على الأمير يوسف كمال في البداية، ولم يتحمس لها، ولما علم أن لابلان عرضها على الأمير محمد علي، وكان يمارس الرسم، استدعي لابلان ووافق علي رعاية المدرسة، أي أن فكرة إنشاء المدرسة كانت نتيجة الكساد الذي لحق بالفنانين الأجانب وعدم تقبل السوق المصري لمنتجاتهم، وكان الهدف هو توفير عمل ودخل ثابت لهم يقيهم من كساد بضاعتهم. ولقد فرض المدرسون الأجانب في المدرسة الوليدة الأساليب الغربية في الرسم لدرجة أنه كان ممنوعا على الطلاب دراسة الفن المصري القديم أو الإسلامي أو الشعبي، كما كان ممنوعا على طلاب  قسم النحت استخدام أي خامات مصرية، فلقد منع نحت الحجر والجرانيت تماما، وكانت خامات النحت هي الرخام وصب البرونز فقط، وأول من أدخل الأحجار والجرانيت لقسم النحت بمدرسة الفنون كان محمد ناجي عندما تولى عمادتها كأول ناظر مصري لها عام 1937.


    بشكل عام كانت هناك حركة فنية مصرية وطنية منذ مطلع القرن التاسع عشر، قبل إنشاء مدرسة الفنون، لكن الكسل البحثي أدى إلى تصديق الشائعات التاريخية والتعامل معها وكأنها هي التاريخ نفسه، وظل تاريخنا الفني مضببا، وغائما وغائبا لا يجد من يضعه في بؤرة الضوء، وأرجو أن تكون هذة المحاولة حافزا للباحثين الشبان للبحث والتنقيب حتى تتضح الحقيقة كاملة، وأعتقد أن البحث العلمي المنهجي الدؤوب سيكشف دور "مدرسة العمليات" الحقيقي، ويكشف أيضا أعمال الرواد المجهولين الذين ذكرهم لنا الفنان سعد الخادم، ليتغير وجه تاريخنا الفني الذي أرادوا تشويهه، وربطه بالغرب دون تمحيص أو جدل أو شك أو مناقشة.