مصر الصغيرة .. الاستشراق عبر بوابة الرقص الشرقى

20/09/2015 - 11:28:26

ثلاث راقصات مصريات من المشاركات فى عرض شوارع القاهرة بالمعرض الدولى - إكسبو شيكاغو 1893 ثلاث راقصات مصريات من المشاركات فى عرض شوارع القاهرة بالمعرض الدولى - إكسبو شيكاغو 1893

شذى يحيى - كاتبة مصرية

    امرأة حسناء قسماتها عربية، عيناها سوداوان واسعتان وبشرتها بلون الحنطة، ولها شعر غجري داكن، تتلوى وتتثنى نصف عارية مستعرضة جسدها الملفوف رغم ميله للاكتناز، وتهز ردفيها الفخيمين بحركات أفعوانية خليعة تثير الشهوات وتدغدغ الغرائز أثناء تمايلها الماجن على إيقاع الآلات الشرقية التي تعزف لحنا صاخبا.


    هذه هي الصورة التي سوف تقفز لذهن أي أمريكي بمجرد أن يذكر أمامه اسم "ليتل إيجبت" Little Egypt أو "مصر الصغيرة".. صورة رسختها وكرست لها الكثير من الأعمال الأدبية والمسرحية والغنائية والأفلام الهوليودية منذ أكثر من مئة عام، وارتبط بها كثير من المصطلحات التي حملت هي الأخرى بإيحاءات ومعان بذيئة ومهينة مثل الهوتشي كوتشي "Hochy-Khoochy" وهي تحوير لهشك بشك، والشيك أند شيمي "Shake and shimmy" أو الهز والتمايل وكذلك المصطلح الأشهر البيلي دانس "Belly-Dance" أي رقص البطن أو المعدة وهو الاسم الإنجليزي الذي اصطلح عليه لتعريف الرقص الشرقي.


    فمن هي إذن هذه المرأة التي حملت هذا الاسم العجيب؟ وهل حقاً كانت سيئة السمعة وبهذه الخلاعة؟ وكيف وصلت إلى أمريكا وحفر اسمها في الثقافة الشعبية الأمريكية بهذه القوة؟


    للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من العودة إلى القاهرة نهايات القرن التاسع عشر، بالتحديد إلى عام 1891 حيث كان الخديو توفيق حاكم مصر دائم السعي في إثبات أن مكانة بلاده ـ التي تعرضت للاحتلال البريطاني عام 1882 ـ لم تتأثر بسبب الاستعمار، ولذلك كان حريصاً أشد الحرص على انتهاز الفرص للمشاركة في المحافل الدولية، وخاصة المحفل الأهم في تلك الفترة، وهو المعرض العالمي للفنون والصناعات الذي كان يقام مرة كل خمس سنوات في مدينة غربية، ويعد فرصة تظهر فيها الأمم لعظمتها، ولكن ولأن مصر كانت مستعمرة ومكانها الطبيعي في المعرض هو رواق المستعمرات، كانت حاشية الخديو تتحايل بالزعم أن تمثيل مصر في المعرض يأتي من قبل مواطنين مصريين ومهتمين بمصر من جنسيات أخرى، للحصول على جناح مستقل، فيتم تعيين مدير للعرض، وتقوم الحكومة المصرية بكافة التسهيلات والمصاريف في الخفاء.


    وقد دفع النجاح المذهل للجناح المصري في معرض باريس 1889، وخاصة للجزء الذي سمي "شوارع القاهرة" الخديو إلى أن يطلب من معاونيه الإعداد المبكر للدورة التالية في شيكاغو، والتي ستقام عام 1893، والاهتمام بصفة خاصة بالرقص الشرقي الذي أبهر زوار باريس وجعل العرض المصري هو أكثر العروض شعبية في المعرض، وهكذا أسندت مهمة تنظيم "شوارع القاهرة" إلى السيد جورج بنجالوس وهو مصرفي تركي من أصول يونانية، وبدعم كامل من الحكومة المصرية للخروج بأفضل عرض مبهر.


    واستمرت الحكومة على حماسها حتى بعد وفاة الخديو توفيق وتولي ابنه عباس حلمي، بل إن الخديو الشاب كان أكثر حماسة من أبيه الراحل، ورغم هذا فإن الأمر لم يكن سهلاً خاصة فيما يتعلق بالراقصات؛ فشيكاغو لم تكن باريس إضافة إلى أن طول الرحلة إلى أرض مجهولة والغياب لمدة طويلة عن القاهرة جعلا من مهمة بنجالوس في توظيف الراقصات، سواء الشهيرات والمغمورات، مهمة شبه مستحيلة فلجأ إلى استعمال الحيلة، كما كتب في مقال نشر في مجلة كوزموبوليتان الأمريكية في أحد أعداد عام 1897، وعنوانه "قصة شوارع القاهرة"، ويحكي بنجالوس في المقال أنه أعلن في عام 1891 عن مسابقة للراقصات، ليشاركن في معرض شيكاغو 1893، وبالطبع لم تتقدم ولا راقصة، فقام هو بنشر شائعة في شارعي عماد الدين ومحمد علي وفي أحياء الأزبكية وروض الفرج مفادها أن الآنسة فريدة مظهر القادمة من حلب، والتي حققت في تلك الفترة شهرة مدوية في دنيا العوالم في زمن قياسي، قد تقدمت للمسابقة ولم يتم قبولها لأنها ليست على المستوى المطلوب، ودفع هذا كثيرا من الراقصات الشابات اللاتي كن يغرن من صعود الآنسة فريدة السريع، للتقدم للمسابقة. وتلا ذلك طبعاً غضب شديد من فريدة، ومحاولات للنفي ثم وبإيعاز من بنجالوس نفسه نصحها بعض المقربين منها أن تتقدم للمسابقة فعلاً، وتعلن انسحابها بعد إعلان قبولها، لترد على المشككين، وفعلاً تقدمت فريدة للمسابقة وقبلت، ولكن دفعها إحساسها بالنجومية المفاجئة التي أحاطت بها وحبها للمغامرة إلى أن توافق فعلاً على السفر لشيكاغو، وهكذا تكون لدى بنجالوس فريق من الراقصات: "فاطمة الحوري، فاطمة الحصرية، هانم، أمينة إبراهيم، سعيدة محمد، صديقة، نبوية، فهيمة، زكية، ماريتا، حسنية" وبالطبع بطلة عرضه "فريدة مظهر" التي أفردت لها رقصة خاصة بعنوان "فاتيما الجزائرية قادمة إليكم من المغرب".


    وعلى الرغم من أن أمريكا عرفت الرقص الشرقي منذ عام 1876 عندما عرضت أكثر من راقصة في مئوية مدينة فلادلفيا، لكن عرض 1893 كان هو الاحتكاك الحقيقي مع الجمهور الأمريكي، حيث قام أكثر من مليوني فرد بزيارة الجناح المصري، وأذهلهم مسرح شوارع القاهرة براقصاته وبخاصة فريدة مظهر التي أطلق عليها الجمهور اسم "مصر الصغيرة" لأن مقاييسها الجسدية الممتلئة لم تكن مألوفة لدى الأمريكيين، وبعد انتهاء المعرض أكمل بنجالوس مع راقصاته عروضهم في جولات مع المعرض العالمي عبر أنحاء أمريكا، فتوجهوا غرباً إلى سان فرانسيسكو حتى عام 1895، ثم شرقاً إلى نيويورك في خريف السنة نفسها، وانفصلت عنهم فريدة في نيويورك بعد أن أتاها عرض للرقص في كازينو كبير هناك، ولكن هذا لم يستمر طويلاً حيث ثار بعض المحافظين الذين رأوا أن رقصات "الهوتشي كوتشي" كما سموها وما أطلقت عليه الصحف رقص البطن Belly dance وهي الترجمة الإنجليزية للمصطلح الفرنسي Danse du ventre الذي استعملته الصحف الفرنسية للدلالة على الرقص الشرقي في معرض باريس 1889، والتي تقدمها فريدة، هي شفرة وثنية شيطانية استخدمتها سالومي لتنجح في إقناع هيرودوس بقطع رأس المعمدان، وأبلغوا الشرطة التي هاجمت الملهى فاضطرت فريدة لمغادرة نيويورك عائدة لشيكاغو خاصة بعد رفضها عرضا من متحف نيويورك لتؤدي "رقصة النحلة" الخليعة التي ذكر الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير أن الراقصة "كوتشك هانم" رقصتها له في مصر، فتعاقد المتحف مع راقصة كرنفالات كندية تدعى كاثرين ديفين، وتطلق على نفسها اسم "الهند الصغيرة" لأداء الرقصة، وغيرت كاثرين اسمها إلى "عائشة وهبي" Ashea-Wabe ليعطي إحساساً عربياً، ورقصت مدعية أنها هي نفسها "مصر الصغيرة".


   حتى ذلك التاريخ لم تحتل "مصر الصغيرة" صفحات الصحف، ولم يكن لها أثر كبير في الثقافة والحياة الشعبية الأمريكية رغم شهرتها النسبية حتى شهر ديسمبر 1896، عندما احتل اسم "مصر الصغيرة" الصفحة الرابعة في كل صحف أمريكا بعد حفلة عزوبية أقامها اثنان من أثرياء نيويورك هما الأخوان بارنوم سيلي Barnum-Seeley واستعانا بخدمات كاثرين ديفين منتحلة لقب "مصر الصغيرة"، لتؤدي دوراً خليعاً في عرض مقتبس من رواية للفرنسي جورج دو موريير صدرت عام 1890، بعنوان "تريللبي"، وكان من المفترض أن تتعرى البطلة في نهاية العرض، وبالطبع أبلغ المحافظون الشرطة التي اقتحمت الحفل قبل تعري الآنسة ديفين، وثارت ضجة هائلة: كيف تداهم الشرطة حفلة خاصة لصفوة المجتمع؟


    واستغلت ديفين تلك الفضيحة التي استمرت عدة أشهر لجني المزيد من الشهرة والمال، فقامت ببطولة مسرحية بعنوان "مصر الصغيرة.. حفلة عشاء آل سيللي"، عرضت في مسرح الأوليمبيا ببرودواي، وحصلت على الحقوق المادية عن أغنية ألفها جيمس ثورنتون بعنوان "شوارع القاهرة"، كما واصلت الرقص الخليع في عدة أماكن، فتشجعت نساء أخريات على انتحال اسم "مصر الصغيرة" مثل من عرفت باسم عائشة دي جميل، وحدا أيضاً بفريدة مظهر ـ التي كانت قد استقرت في شيكاغو وتزوجت من صاحب مطعم يوناني يدعى اندرياس سبيروبولس ـ أن تقيم دعوى قضائية ضدها، وتنشر تكذيبات في الصحف، لكن ضجة ديفين استمرت هي المتصدرة خاصة بعد أن رفعت قضية على الأخوين سيللي واتهمتهما بأنهما لم يعطياها حقوقها المالية، كما تسببا لها في ضرر معنوي.


    كما أنتجت شركة إديسون أفلاما ترويجية قصيرة للراقصات الثلاث (ديفين ـ دي جميل ـ مظهر) وروجتها تحت اسم موحد "القاهرة الصغيرة"، واكتملت الصورة سيئة السمعة بإشاعة أن الروائي الأمريكي الشهير مارك توين قد أصيب بأزمة قلبية عقب مشاهدته لفريدة مظهر وهي ترقص، زاد على ذلك الوفاة المفاجئة لكاثرين ديفين عام 1908، مختنقة بالغاز تاركة وراءها ثروة من الرقص الخليع قدرت بمئتي ألف دولار، وهو مبلغ أكثر من ضخم بمقاييس تلك الفترة في بلاد كانت تجتاحها حمى الذهب والحلم بالثراء السريع، وسط مهاجرين فقراء لفظتهم بلادهم.


    كانت هذه إشارة لأن تنتحل كل راقصة في حانة أو ماخور الاسم الذي جلب هذا الكم من الثراء على مدعيته الأولى، فظهرت امرأة تتعرى في كل صالون وحانة وفندق رخيص في أمريكا تدعي أنها "مصر الصغيرة"، ولم يكن لفريدة مظهر بالتأكيد طاقة لملاحقة كل مدعية لشهرتها، لكن فريدة مظهر حافظت على صورتها كفنانة محترمة ومؤدية لفن شرقي مبهر في مدينتها حتى أنها دعيت كإحدى القامات الثقافية لترقص، وهي في الثانية والستين، في المعرض الذي أقامته شيكاغو بمناسبة مرور مئة عام على إنشائها، تحت عنوان مئة عام من التقدم، عام 1934، ولم يظهر اسم فريدة مظهر سبيروبولس مرة أخرى إلا عام 1936، في أوراق دعوى قضائية رفعتها ضد شركة مترو جولدوين ماير منتجة فيلم "زيجفيلد العظيم"، والذي ظهرت فيه شخصية "مصر الصغيرة" بشكل لم تره فريدة يليق بها، وكتب في أوراق الدعوى أن الشركة لم تحصل على تصريح منها بصفتها "مصر الصغيرة الأصلية" من معرض 1893، وأنها لم ترتد يوماً الملابس التي ارتدتها الممثلة التي قامت بالدور أو قامت بالحركات التي قامت بها، لكن الدعوى لم تكتمل نظراً لوفاة فريدة عام 1937، وشيعتها شيكاغو بجنازة مهيبة ومسيرة صامتة.


    وبوفاتها فتح الباب على مصراعيه لترسيخ الصورة النمطية لمصر الصغيرة وللرقص الشرقي في الذهن الجمعي الأمريكي، بأفلام مثل "مصر الصغيرة" 1951 من إنتاج يونيفيرسال وبطولة روندا فليمنج، وأغان مثل أغنية "مصر الصغيرة" البينج واليانج 1961 التي غنتها فرقة كووسترز وغناها ألفيس بريسلي أيضاً، واستمرت هذه الحمى في السبعينيات والثمانينيات فذكرت في أغنيات لواي ويلي هوبارد "حبيبتي ترقص مثل مصر الصغيرة" ،وهانك ويليام الذي ذكرها في أغنية بعنوان "امرأة عارية وزجاجة جعة"، أما الأعمال الأدبية فقد ألف توماس ماكموهان رواية في نهايات القرن التاسع عشر بعنوان "أن تحب مصر الصغيرة" وبالطبع المسرحية التي عرفت باسم "شوارع القاهرة" أو "خادمة ريفية صغيرة" وعرضت في برودواي على مدى أعوام.


    كل هذه الأعمال أضيفت هي أيضاً لأسطورة المرأة الخليعة التي كرست للصورة الاستشراقية، وأثبتت تفوق الشرق على الغرب، وخلقت منها صورة نمطية امتزجت فيها ملامح الشرق على الغرب وامتزجت فيها ملامح فريدة بخلاعة كاثرين مع حكايات كوتشيك فلوبير الجنسية.


    تلك هي "مصر الصغيرة" التي رسخت في أذهان الأمريكيين إلى اليوم.