النهضة المسرحية فى السياق الثقافى المصرى

20/09/2015 - 11:26:44

صورة نادرة لجورج ودولت أبيض من رواية الإسكندر صورة نادرة لجورج ودولت أبيض من رواية الإسكندر

د. عمرو دوارة - كاتب ومخرج مصري

    ظلت مجلة "الهلال"منذ صدورها أول سبتمبر 1892 أبرز منابر الثقافة والأدب والفكر والتنوير، وأدت دورا ثقافيا كبيرا في مصر والعالم العربي، حينما أسهمت بصورة فاعلة في صياغة فكر وثقافة ووجدان الأجيال، وقطعت رحلة طويلة من الكفاح لتحقيق التخصص الفكري والأدبي والفني. في ذلك الوقت كانت الثقافة في مصر تقتصر على الأدب، فحرصت "الهلال" على أن تعطي للثقافة معنى أوسع وأشمل، فضمت التاريخ والفلسفة والعلوم والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وامتزج في أعدادها الفكر بالفن والعلم بالفلسفة، إيمانا بأهمية التعبير عن كل فكر أصيل مهما اختلفت المدارس الفكرية.


    صدرت الهلال بعد وفاة الخديو توفيق وتولي "عباس حلمي الثاني" عرش مصر، وكان شابا سعى إلى تسلم سلطاته كاملة فحظي بتعاطف الحركة الوطنية، وإن كان بالتالي قد وقع في صدام مع المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر. وحرصت "الهلال" - التي جعلت شعارها: "على الدوام إلى الأمام" - خلال مسيرتها على الحياد التام، وتجنب الخوض في المسائل السياسية المباشرة، والابتعاد عن التيارات السياسية، والتركيز على تنمية الثقافة العامة ونشر الموضوعات والأخبار العلمية والأدبية والتاريخية، حيث اعتمدت خطة "جرجي زيدان" لكسب ثقة القراء على الالتزام بالنزاهة والموضوعية والابتعاد عن التهويل أو التزييف والخداع، والحرص على الأمانة والإنصاف والاعتدال.


    وقد بدأ المسرح العربي بفضل جهود ثلاثة رواد هم "مارون نقاش (ببيروت عام 1948)، وأبو خليل القباني (بسوريا عام 1856)، ويعقوب صنوع (بمصر عام 1870)، ولكن التجارب الثلاث لم تكتمل، لتبدأ البداية الحقيقية بعد ذلك بمصر عام 1876 بفضل إسهامات "سليم نقاش" الذي حضر بفرقته من بيروت بتشجيع من الخديو. وتكاد البدايات الثلاث تكون متقاربة جدا، فالفواصل الزمنية بينها لم تكن طويلة طبقا لطبيعة وإيقاع العصر وصعوبة وسائل الاتصال والانتقال.


    صدر العدد الأول من مجلة "الهلال" بعد مرور اثنين وعشرين عاما من بدايات المسرح المصري، وكان من المنطقي أن يحظى هذا الفن الجديد بالاهتمام والتأريخ والتنظير، وهو ما لم يتحقق إلا بعد مرور عدة سنوات على إصدار الهلال، حينما تم تقديم بعض المحاولات الجادة ومنها نشرته عام 1899 (العام الثامن لإصدارها) عن فرقة إسكندر فرح.


    ويبقى السؤال الذي يبحث عن إجابة: لماذا لم يحظ المسرح بالاهتمام المنشود منذ الأعداد الأولى للمجلة؟ والإجابة - من وجهة نظري - أن الفن المسرحي ببلادنا ظل لسنوات طويلة في بداياته يعد من فنون الفرجة التي تهدف إلى تحقيق المتعة، تماما كفنون الفرجة الشعبية ومنها خيال الظل والأراجوز والحكواتي وعروض المحبظاتية والمنشدين ورواة السير الشعبية، التي لم تحظ بالاهتمام الإعلامي خاصة وأن النصوص المسرحية أو المترجمات لم تكن تطبع ولا يتم تداولها كبقية الأشكال والقوالب الأدبية.


    ونظرا لأهمية البدايات المسرحية بمصر والتي قامت بفضل جهود نخبة من المبدعين الهواة المغامرين من الفنانين الشوام (من لبنان وسوريا) ورواد مصريين نجحوا في غرس الفن المسرحي بالتربة الثقافية المصرية، أرى أهمية إلقاء الضوء عليهم، وذلك ليس فقط بهدف محاولة تكريمهم بتجديد ذكراهم ولكن أيضا لتقديمهم للأجيال الحالية كقدوة يجب الاحتذاء بهم والسير على نهجهم لاستكمال إنجازاتهم.


مسرح يعقوب صنوع (1870 - 1872):


    ولد "يعقوب روفائيل صنوع" في التاسع من نوفمبر 1839 لأبوين يهوديين، ودرس في صباه التوراة ثم الإنجيل والقرآن، وكان أبوه مستشارا للأمير أحمد يكن (حفيد محمد علي)، وحينما لاحظ الأمير علامات الذكاء والنبوغ على "يعقوب" أرسله للدراسة في إيطاليا على نفقته الخاصة، ومكث ثلاث سنوات تعرف خلالها على مظاهر الحضارة الأوروبية، واطلع على الآداب والفنون ومنها المسرح، وقام بمجرد عودته إلى "مصر" بتحمل مسؤولية تعليم أبناء الخديو والأمراء والطبقات الراقية، كما تحمل مسؤولية تأسيس مسرح مصري، فترجم واقتبس وكتب النصوص كما اختار بعض الشباب ودربهم على التمثيل، ونجح في تقديم مسرحيات أسهمت في ذيوع شهرته حتى أن الخديو قد شاهد بعضها وأعجب بها فأطلق عليه لقب "موليير مصر".


    وتكشف المراجع أن مسرح "صنوع" تأسس عام 1870 في مقهى كبير بوسط حديقة "الأزبكية" (كانت تقدم عليه بعض العروض الفرنسية والإيطالية للترفيه على الجاليات الأوروبية)، وأن "صنوع" قدم أول عروضه باللهجة العامية كما وظف بعض الأغاني الشعبية الشهيرة، وبعد نجاح عرضه استعان بصديقه "خيري باشا" (المشرف على احتفاليات القصر) ليحظى بموافقة الخديو وتشجيعه، وبالفعل حصل على الموافقة لتقديمها على "المسرح الموسيقي" بحديقة الأزبكية، وكان لنجاح الحفلة الأولى أكبر الأثر في محاولة استقطاب عناصر فنية إلى فرقته وبالدرجة الأولى استقطاب العنصر النسائي.


    قدم صنوع خلال رحلته المسرحية التي استغرقت عامين - قبل نفيه لأوروبا - اثنتين وثلاثين مسرحية من تأليفه، وتضم القائمة مسرحيات: "غندور مصر"، "الأميرة الإسكندرانية"، "الصداقة"، "زبيدة"، "زوجة الأب"، "غزوة رأس تور"، "راس تور وشيخ البلد والقواص"، "حلوان والعليل"، "الحشاشين"، "آنسة على الموضة"، "البورصة"، "البربري"، "الضرتان"، "الوطن والحرية"، "موليير مصر وما يقاسيه"، بخلاف مسرحيات أخرى ترجمتها عن الفرنسية ومنها "البخيل"، "طرطوف" لموليير.


    وبعض الموضوعات التي تناولها كالسخرية من تعدد الزوجات، ومن الأمير/ حسن قائد حملة "الحبشة"، وكشفه بعض سلبيات الإدارة الحكومية وعن بعض المظالم الاجتماعية في عهد الخديو إسماعيل دفعت الخديو إلى إغلاق مسرحه، وبخاصة بعدما قام بعض علماء الأزهر بتقليده وقدموا مسرحيات عربية تتضمن بعض الانتقادات.


جوق سليم نقاش (1876 - 1877):


    سليم نقاش هو التلميذ الثاني لعمه الرائد المسرحي/ مارون نقاش (عمه "نقولا" التلميذ الأول)، وقد نجح "سليم" في تكوين فرقة مسرحية بمدينة "بيروت"، كما نجح بعد ذلك في عقد اتفاقية مع "مصر" والحصول على رعاية الخديو إسماعيل  لتقديم عروضه باللغة العربية على دار الأوبرا، مع السماح له بالقيام بإجراء جميع البروفات بلبنان نظرا للمناخ الحار بالقاهرة. وأعد "سليم" لهذه الرحلة مسرحيات عمه الثلاث (البخيل/ أبو الحسن المغفل/ السليط الحسود)، كما ترجم أوبرا "عايدة" وحافظ على طابعها الغنائي، كما ترجم واقتبس مسرحيات منها: "مي" أو "هوراس" لكورني، "ميتريدات" لراسين، "غرائب الصدف"، و"حفظ الوداد" أو "الظلوم". وكان من المفترض أن يصل بفرقته إلى القاهرة في سبتمبر 1875 ولكنه اضطر إلى تأجيل الموعد نظرا لظهور مرض "الكوليرا" ومنع المسافرين من "بيروت" من دخول "مصر".


    وقدمت الفرقة المكونة من اثنى عشر ممثلا وأربع ممثلات إلى "مصر" عام 1976، وقدمت أول عروضها "أبو الحسن المغفل" في 23 ديسمبر، ثم قدمت مسرحيات: "السليط الحسود"، "مي"، "الكذوب"، "الظلوم"، ونظرا للنجاح الذي حققه استدعى صديقه المترجم أديب اسحق من "بيروت"، فحضر إلى "الإسكندرية"، وقدم له ترجمته لمسرحية "أندروماك" لراسين" كما ترجم له أيضا مسرحية "شارلمان"، ولكن ميولهما الأدبية طغت عليهما فقررا أن يتركا أمر الفرقة إلى زميلهما "يوسف خياط"، ويتفرغا للعمل بالصحافة، بعد عام واحد من وصول الفرقة لمصر.


فرقة يوسف خياط (1877 - 1890):


   نجح "يوسف خياط" بمجرد تحمله مسؤولية إدارة الفرقة في ضم بعض هواة التمثيل بمصر، واستهل إدارته بتقديم مسرحية "صنع الجميل" في تياترو "زيزنيا" بمدينة الأسكندرية، ثم تبعها بتقديم بعض الفصول المضحكة ومن أشهرها: "البخيلين"، كما قدم مسرحية "الأخوة المتحاربين" لراسين، وفي مطلع عام 1879 قدم على دار الأوبرا مسرحيات شهدها الخديو ومنها: "أبو الحسن المغفل"، "الظلوم"، وتذكر بعض المراجع أن الخديو غضب على الفرقة لتصوره أن المسرحية تتعرض له ولحكمه، فقرر ترحيل الفرقة خارج البلاد، ولكن غالبا لم يتحقق ذلك بالرغم من انقطاع أخبار الفرقة لفترة ربما لابتعادها عن العاصمة وتركيز عروضها بالإسكندرية وبعض المحافظات، حيث عادت مرة أخرى عام 1881 لتقديم عروضها بالقاهرة على فترات غير متصلة - نظرا لاندلاع الثورة العرابية - ولكنه ظل يقدم بعض المسرحيات حتى عام 1890 ومن بينها: "أبو الحسن المغفل" أو "هارون الرشيد"، "الظلوم"، "الكذوب"، وجدير بالذكر أن المطرب المصري الشهير/ سلامة حجازي انضم إلى الفرقة منذ عام 1885.


فرقة سليمان القرداحي (1882 - 1909):


    كان "سليمان القرداحي" أحد أعضاء فرقة "يوسف خياط" ثم انشق عام 1882، ليؤسس فرقته بمدينة "الإسكندرية"، ونجح في ضم نخبة من الممثلين والمطربين المتميزين، وفي مقدمتهم سلامة حجازي والممثلة/ حنينة، كما نجح في الحصول على دعم حكومي، واستهل عروضه بدار الأوبرا بتقديم مسرحية "تليماك"، ثم تبعها بمسرحيات: "الفرج بعد الضيق" (يوسف واصطاك)، "فرسان العرب"، "زفاف عنتر"، ثم انقطعت أخباره لفترة لتعود ثانية في خريف 1885 تحمل خبر تأسيسه لفرقة جديدة من أعضائها المطرب/ مراد رومانو، وقد بدأت نشاطها في مسرح "البوليتياما" بالإسكندرية، حيث قدمت مسرحيتي: "الفرج بعد الضيق"، "نكث العهود" (فيدر)، ثم انتقل إلى القاهرة وقدم مسرحيات: "الفرج بعد الضيق"، "فيدر"، "غائلة المكر وعاقبة الغدر"، "تليماك"، "أستير"، "غرام الملوك" (الصياد) و"زنوبيا".


    وتعد هذه الفرقة - برغم إعادة تكوينها أكثر من مرة - من أنجح الفرق المسرحية في ذلك الوقت، حيث ضمت إليها في كل مرة نخبة من أفضل الممثلين والمطربين حينئذ ومن بينهم: المغنية الشهيرة/ ليلي، والمغني الشيخ/ حسن المصري، كما قدمت عروضها على أكثر من مسرح، ومنها مسرح "زيزنيا" بالإسكندرية، ويحسب لهذه الفرقة توفيقها في الحصول على إعانة حكومية من ميزانية المسارح، ونجاحها في تنظيم جولات فنية ناجحة في عدة أقاليم وتنظيمها أكثر من رحلة فنية إلى "سوريا".


    وتضم قائمة المسرحيات التي قدمتها الفرقة، بخلاف ما ذكر: "بيكماليون" (أستريه)، "ميروبا" (على الباغي تدور الدوائر)، "يوسف الحسن"، "الجاهل المتطبب"، "محاسن الصدف"، "سليم وأسما" (حفظ الوداد)، "المروءة والوفاء"، "أندروماك"، "ذات الخدر"، "عنترة العبسي"، "الباريزية الحسناء"، "المريض الوهمي".


فرقة أحمد أبو خليل القباني (1884 - 1900):


    بعد وأد تجربة "أحمد أبو خليل القباني" المسرحية بسوريا فكر في الحضور إلى "مصر" لاستكمال تجربته، خاصة بعدما وصلته أنباء نجاح فرقتي "يوسف خياط" و"سليمان القرداحي"، ووصل بفرقته التي تضم نخبة من الممثلين والمنشدين والمطربين إلى الإسكندرية عام 1884، وقدم أول عروضه "أنس الجليس" بقهوة "الدانوب" الشهيرة بقهوة "سليمان بك رحمي"، وأعقبها بتقديم عدة عروض أخرى سواء بالقهوة نفسها أو بمسرح "زيزنيا"، وجميعها من تأليفه ومنها: "عفة المحبين" (ولادة)، "نفح الربى"، "عنتر"، "ناكر الجميل"، "الأمير محمود وزهر الرياض"، "الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح"، "عنترة العبسي"، بخلاف مسرحيتي: "الخل الوفي" (ترجمها/ محمد المغربي عن "الفريد دي موسيه")، و"عايدة" (ترجمها/ سليم النقاش)، وكان يتبع بعض المسرحيات بتقديم فصول مضحكة أو فصول من التمثيل الإيمائي الصامت (البانتوميم).


    وشجعه نجاحه بالإسكندرية إلى الانتقال للقاهرة وتقديم عروضه بمسرح "البوليتياما" و"دار الأوبرا"، وبخلاف مسرحياته السابقة قدم أيضا: "لباب الغرام" (متريدات) وهي مقتبسة عن راسين، "حمزة المحتال" من تأليفه، "عاقبة الصيانة وغائلة الخيانة"، "الانتقام"، و"مجنون ليلى".


    ويحسب لهذه الفرقة نجاحها في ضم نخبة من كبار الممثلين ومن بينهم: أحمد أبو العدل، لبيبة مللي، مريم سماط، عبده الحامولي، سليمان القرداحي، سليمان الحداد، ملكة سرور.


    خلال إقامته بمصر حرص "القباني" على تقديم عروضه بالقاهرة والإسكندرية وبعض المحافظات، كما حرص على القيام بأكثر من رحلة إلى سوريا، كان آخرها عام 1900 حيث مكث بها حتى حانت ساعته للقاء ربه عام 1902.


الجوق الوطني المصري - سليمان الحداد (1887 - 1906):


    حقق "سليمان الحداد" شهرته أولا كممثل كبير ومدرب للتمثيل ومدير لبعض الأجواق الكبيرة (وهو والد الأديب المعروف/ نجيب الحداد)، وقد مثل أولا بفرقتي "خياط" و"قرداحي"، ثم أسس فرقته التي اعتمدت على إعادة تقديم مسرحيات الأجواق الكبيرة وعلى بعض المسرحيات التي كتبها أو ترجمها ابنه، ومن أبرزها: "العلم المتكلم"، "المروءة والوفاء"، "محاسن الصدف"، "صلاح الدين"، "السيد"، "حمدان"، "شهداء الغرام"، "السر الهائل"، وكان يتنقل بعروضه بين القاهرة والإسكندرية ومدن المحافظات. وخلال عام 1888 قد شارك "إسكندر مسكاوي" في تأسيس فرقة قدمت مسرحية "عشق الأخوين".


جوق السرور الوطني - ميخائيل جرجس (1889 - 1896):


    اقتصرت عروض هذا الجوق على تقديمها بأرياف ومدن الصعيد مع تنظيم جولات قصيرة بالقاهرة والإسكندرية بهدف عدم الدخول في منافسة مع الفرق الكبرى، ومن المسرحيات التي قدمها: "الملك بختنصر"، "الخلين الوفيين"، "عائدة"، "متريدات".


جوق إسكندر فرح (1891 - 1909):


    شارك الفنان/ إسكندر فرح في تأليف فرقة مسرحية بسوريا بمعاونة الموسيقي المشهور/ أحمد أبو خليل القباني وقدما معا مسرحية "عايدة"، "أبو الحسن المغفل"، ولكنهما لم يستطيعا استكمال المسيرة نتيجة لضغوط بعض المشايخ الرجعيين، ونتيجة لنصيحة الموسيقار المصري الكبير/ عبده الحامولي - الذي كان في زيارة لسوريا - انتقلت الفرقة إلى "مصر" لتقديم عروضها عام 1884، وكان "اسكندر فرح" مختصا بتعليم التمثيل في حين كان "أبو خليل القباني" مختصا بالغناء والتلحين، وظل "إسكندر فرح" مديرا لفرقة "القباني" إلى أن انفصل عنه وأسس فرقته بالإسكندرية عام 1891، وهي الفرقة التي ضمت نخبة من الممثلين منهم: مريم وهيلانة سماط، أحمد فهيم، أحمد أبو العدل، محمود حبيب، عمر فائق، وأحمد فهمي، كما انضم إليه بعد ذلك كل من الفنانين/ سلامة حجازي وسليمان الحداد.


    ويحسب لإسكندر فرح حرصه على تقديم أشهر المسرحيات بعد إدخال تعديلات، وكذلك على استكتاب بعض كبار الأدباء ومن بينهم الأديب/ إسماعيل عاصم، ومن المسرحيات التي قدمتها الفرقة: "ملتقى الخليفتين" لعبده عيسوي، "عايدة"، "أبو الحسن المغفل"، "الأمير أبو العلا"، "تليماك"، "شقاء المحبين"، "مطامع النساء".


    قدمت الفرقة عروضها بين القاهرة والإسكندرية كما نظمت جولات فنية بالأقاليم (أسيوط/ المنيا/ الزقازيق/ المنصورة/ طنطا)، وحققت بعد ذلك انطلاقة كبيرة بفضل مساهمة "شريف باشا" في تأسيس مسرح خاص لتقديم عروض الفرقة في شارع/ عبد العزيز بالقاهرة ، وهو المسرح الذي أعاد "إسكندر فرح" بناءه عام 1899 بصورة متقنة وقام بتجهيزه بأحدث التقنيات المتاحة حينئذ ومن بينها الإضاءة الكهربائية.


    وجدير بالذكر أن الشيخ/ سلامة حجازي كان له فضل كبير في إنجاح عروض الفرقة لما يتمتع به من شهرة وشعبية كبيرة، ولذا فقد تأثرت الفرقة كثيرا بانفصاله عنها عام 1905 ليؤسس فرقته المسرحية، ولذا توقفت الفرقة فترة حتى أعيد تشكيلها وضمت إليها كلا من الفنانين/ عزيز عيد، أحمد الشامي، ابريز والماس استاتي، أمين عطا الله، ماري صوفان،أحمد محرم، محمود كامل، رحمين بيبس، وقدمت الفرقة خلال تلك الفترة - بخلاف إعادة بعض عروضها السابقة - مسرحيات عصرية لا تعتمد على الغناء بالدرجة الأولى (لعدم وجود مطرب بالفرقة يمكنه منافسة سلامة حجازي)، ومنها: "الطواف حول الأرض"، "الإفريقية"، "الرجل الهائل" (شجاع فينسيا)، "العواطف الشريفة"، "ربيعة بن زيد المكدم"، "ربيعة وعنترة"، "صاحب معامل الحديد"، "ماري تيودور"، "الانتقام الدموي"، "ابنة حارس الصيد"، "عرابي باشا"، "شارلمان"، "عجائب الأقدار"، "ضحية القسم"، "مكائد الغرام"، "الشرف والغرام".


    وكان لوفاة الممثلة الأولى بالفرقة "ماري صوفان" عام 1906 أكبر الأثر في توقف نشاطها لفترة أخرى قبل إعادة تشكيلها عام 1907 بضم كل من نجيب الريحاني وحسن ثابت ومنسى فهمي، وقدمت مسرحيات: "ابن السفاح"، "عداوة الأميرين" (عدل الخليفة)، "الولدين الشريدين"، "الإرث المغتصب" (الكابورال سيمون)، "لقاء المحبين"، "الكونت دي كولانج"، وإن كان نشاط الفرقة تأثر كثيرا بدءا من عام 1908 بسبب وفاة "قيصر فرح" شقيق "إسكندر" ومدير أعماله، فاضطر "إسكندر" إلى  القيام بتأجير مسرحه لبعض الفرق المسرحية الأخرى ومن بينها فرقة "شركة التمثيل العربي".


جوق الكمال الوطني - علي حمدي (1891 - 1892):


    كان يعتمد في عروضه على إعادة تقديم مسرحيات الأجواق الكبيرة، وكان نشاطه موجها بالدرجة الأولى إلى جمهور الأرياف وعواصم المحافظات.


 مسارح الهواة والأنشطة الأهلية:


    نشطت فرق وجمعيات هواة المسرح خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين، بهدف إدخال العنصر المصري في المسرح وتطوير الأساليب الفنية التي قدمها كل من "سليم النقاش" و"يوسف خياط" و"القرداحي"، وحتى إصدار العدد الأول من الهلال لم يتم تأسيس سوى جمعية واحدة هي جمعية "المعارف الأدبية"، التي تأسست عام (1885) من موظفي مصلحتي السكة الحديد والبريد برئاسة/ محمود رفقي، وقدمت أول عروضها عام 1887، ثم توالت أعمالها حيث قدمت عدة مسرحيات على دار الأوبرا منها: "المروءة والوفاء"، "متريدات"، "بطل تساليا"، "البطل المجهول"، "بطرس الأكبر"، "سميراميس" (بين عامي 1885 و1908).


    وبعد إصدار مجلة "الهلال" بسنوات - وحتى بدايات القرن العشرين - تأسست عدة جمعيات بمحافظة الإسكندرية ومن أهمها: "جمعية الابتهاج الأدبي" برئاسة سليم عطا الله (1894)، "جمعية الترقي الأدبي" بإدارة/ محمد منجي خير الله (1894)، جمعية "السراج المنير" (1895)، جمعية "الاتفاق" (1896)، جمعية "نزهة العائلات" (1897)، جمعية محبي التمثيل (1899)، بخلاف جوق "الفلاح الوطني" بإدارة/ إبراهيم أحمد والتي قدمت عروضها بسمنود (1895).


    مما سبق يتضح مدى نجاح جهود هؤلاء الرواد الذين أسهموا في غرس الفن المسرحي بحياتنا المعاصرة، وهذا يستلزم علينا تقديم مزيد من الجهود والإبداعات للارتقاء به وتحقيق التواصل المنشود مع الجمهور في كل مكان.