المــراسح والروايات

20/09/2015 - 11:23:41

مشهد من هاملت مشهد من هاملت

حنا نقاش

كل من طالع تاريخ المراسح وتوسع فى موضوع الروايات التى شخصت من عهد ظهورها إلى هذا التاريخ يحكم بديهياً أن هذا الفن أخذ فى التقدم يوماً فيوماً ولكن يسؤنا أن هذا الحكم لايشمل إلا الروايات الإفرنجية حيث نجدها أيان شخصت تتلوها عبارات الثناء وتشفعها جمل المديح لإتقانها وإحكام تشخيصها على أن الأسباب فى رواج هذا الفن عند الإفرنج بسيطة جدا وحتى لا تكون موضوع استغراب أصحاب الأجواق العربية التى حتى الآن لم تقم لها قائمة رغماً عن المساعدات التى تبذل فى سبيل نجاحها على غير جدوى نذكرها هنا لزيادة الفائدة فنقول : لا ننكر أن مساعدة الحكومة للأجواق الإفرنجية هو الأمر الأول فى التقدم لأن المبلغ الذى يعطى منها لرئيس الجوق كمكافئة كاف لأن يدفع به كافة النفقات التى يخشى أن لا تساعده الظروف على تعويضها لعدم إقبال الجمهور على حضور روايات وهكذا ينفقه فى سبيل تعليم الممثلين والممثلات حتى إذا حفظوا الروايات وأتقنوها باشروا التشخيص تباعاً وبهذه الواسطة يكون ربحه من دخل الليالى التى يقدمها فى التياتروالذى تسمح له الحكومة به مع نور الغاز علاوة على المبلغ المقرر كما نشاهد ذلك فى الأجواق التى تشرف عاصمتنا وتعود وبنود النجاح والفلاح خافقة على رؤوسها.


ولكنا إذا اعتبرنا الحقيقة لا نقطع بأن نجاح الأجواق المذكورة كان موقفاً لحصولها على هذا المبلغ من حكومتنا. كلا. وعندنا كثير من الشواهد على استعداد الجوق الأجنبى وأهليته وإتقانه لهذا الفن ومهارة مشخصيه وجمال مشخصاته واستكمال معدات نظامه وحسن ملابسه وسبك مواضيع رواياته المدهشة والكثيرة العدد. وكلها لعمر الحق مؤيدة لنجاحه وتقدمه ودليل واضح على سبب إقبال العموم عليه وحضور رواياته مهما تكررت. وما جئت بسرده من هذا القبيل نكاد لا نرى أحدا من محبى هذا الفن إلا ويتحدث به فى كل مكان حتى أننى لم أكد أحضر رواية عربية إلا وطرق آذانى حديث فى هذا المعنى وكله ينتهى بنتيجة واحدة من الأجواق العربية لايمكن أن تقاس بالأجواق الإفرنجية ولا يمكن أن تباريها لعدم إعطاء القوس باريها.


وعندى أن الجمهور له حق التهاون فى حضور الروايات العربية التى نرى انتشارها كعاصفة ريح تثير غبار إعلاناتها فى الآذان ثم لاتلبث أن تتلاشى ولقد تمضى الأشهر والأعوام دون أن نسمع بتأليف جوق حتى تنتشر الأخبار بظهور ثلاثة وأربعة أجواق فى شهر واحد. وعذر الناس على عدم الاكتراث بحضور الروايات العربية لا يمكن أن يدحضه مدير الجوق ولا حاشيته مهما تكبد الأول من المصاريف والثانى من الاجتهاد ذلك لما نراه فيه من الخلل وعدم الإتقان ولا أرى حاجة لسرد الأسباب التى تكون حجر عثرة فى سبيل نجاحه لأنها أكثر من أن تحصى وتعد ولربما كان الجوق برمته لا يصلح للتشخيص فيصح فيه حينئذ مثل ذاك الرجل اشتكى لصديقه أسقامه وعددها له وطلب منه أن يتضرع للحق فى شفائه فأجابه صديقه الأولى لى أن أطلب من الله أن يخلقك ثانية من أن يشفيك من هذه الأمراض.


وكما أنى التمست عذراً مقبولاً للجمهور فى عدم إقبالهم على حضور التشخيص ألتمس عذراً مقبولاً لأصحاب الأجواق العربية أيضاً لأنهم يضنون بالدرهم فى سبيل إتقان أجواقهم بالرغم عنهم ذلك لضعف ثقتهم فى إقبال الناس على رواياتهم فضلاً عن أن أكثر الذين يقدمون على تأليف الأجواق لا هم لهم إلا مجرد الكسب فيضطرون إلى تأليف الأجواق كما نراها لا رابطة لها ولا نظام ولا إتقان حتى أنا نجد بين المشخصين من لا يفهم ما يقول ويقول ما لا يفهم بل ربما كان بعضهم لرخامة صوته يعطى دوراً غرامياً وقلبه قد من صخر لا يدرى ما معنى الهوى كذلك نرى هذا لغلظ جثته يمثل بطلاً وهو فى الحقيقة جبان يكاد يعثر بخياله وعلى هذا القياس يحق لنا أن نجزم أن الأجواق العربية مادامت سائرة على هذه الخطة لا قائمة لها مطلقاً ولا نجاح لها أبداً إلا إذا شملتها أنظار الحكومة وخصصتها بجزء من المبالغ التى تقررها سنوياً للأجانب والذى بدونها لا نسلم بتقدم جوق ما فى حين أن أهل الوطن له حق الأفضلية من كل الوجوه.


ولكننا لو أثبتنا لحضرات الجمهور الذى يتألف ويتململ من حضور رواياتنا العربية أننا لم نقصر فى الإتقان إلا لإغناء طرف الحكومة عن مساعدتنا وعدم معاضدة أصحاب المناصب ورؤساء الحكومة فى حضور رواياتنا تنشيطاً لنا وتمهيداً لإقبال الناس علينا وتمكننا من إقناعهم أن هذه الأسباب إذا لم تتوفر لدينا لا أمل فى نجاحنا.. فماذا يكون جواب أصحاب الأجواق للحكومة إذا تعطفت أخيراً وسمحت لهم بمبلغ للأخذ يناصرهم فى رواج هذا الفن كما هو دأبها فى معاضدة كل مشروع أدبى وكانت النتيجة لا سمح الله انحلال الجوق وعدم ثباته بل من يضمن للحكومة نجاح هذه الأجواق العربية التى بحمد الله آخذة فى الانتشار إلى درجة خشينا معها سقوط هذا الفن وتلاشيه بل ما يكون جواب أصحاب الأجواق العربية إذا تعهدوا فى القيام بإتقان الشخص ولم يفوا بهذا التعهد... ليس إذا إلا أن يكون سماح الحكومة بما لها تحت شرط حفظه عندها إلى ما بعد انتهاء أجل التشخيص أو أن تتولى اللجنة التى ستعينها لفحص الأجواق إنفاق هذا المبلغ على حسب الحاجة إليه بالتدريج حتى إذا ظهر إتقان الجوق للعيان واكتسب رضا الجمهور كان له تمام الحق بما تبقى من قبيل المكافئة والتوسع فى المستقبل وإلا سقط حقه وكان ما أنفقته الحكومة قد ذهب فى سبيل التجربة والاختبار والتشخيص كما لا يخفى فن من أصعب الفنون وأدقها لا يقوم بإتقانه إلا أفراد من الناس وهم الذين مارسوه زماناً طويلاً وتمكنوا من القيام بإدارته كما يجب وكان لهم من معرفة اللغة ما يعينهم على الإتقان الأدبى الذى هو الركن المعول عليه فى هذا الفن وإلا كان التشخيص الذى يسمى (بالكركوز) وخيال الظل أكثر لهواً وطرباً أما ما نقرأه فى أغلب جرائد مصر عن إتقان الأجواق الحاضرة وإحكام تشخيصها إن هو إلا حديث ترضية واستلفات أنظار العموم حتى يقبلوا عليها إذ يقصد منه مساعدة أصحاب الأجواق العربية وهى المساعدة التى تعتبر فى الحقيقة أكبر معاكسة لأنها من أجل هذه الغاية الطفيفة تقف فى سبيل تقدم هذا الفن ورواجه، ومن قابل تشخيص أحسن الروايات العربية من خبرة أجواق مع أبسط رواية إفرنجية من أوسط أجواقها حكم للحال أن لا نسبة بينهما لما يشاهده من خلل هذا ونظام ذاك وهذا أيضاً شاهد آخر لتأييد أقوال الجرائد فى هذا الشأن.


والذى نراه أن إلغاء هذا الطرر الذى نحن فيه الآن هو الواسطة الوحيدة للنجاح حتى تصير رواياتنا كلها مستقلة أى كل نوع منها يعطى حكمة بحيث لو شخصنا رواية هزلية مثلاً يلزم أن تكون إما هزلية عامية أو لغوية لا أن تكون ممزوجة فتضيع الفائدة المقصودة وقس على ذلك الملابس ومراعاة عصر الرواية وما شاكل ذلك من القيود التى لا غنى عنها للإتقان أما من حيث انتقاء الممثلين والممثلات وحسن إلقائهم ولياقة كل واحد منهم لدوره ذلك شأن متى توفرت فى صاحب الجوق الشروط التى ذكرناها هان عليه أن يضع كل شيء فى موضعه لأن هذا كله مرجعه للذوق والذوق ليس علماً يرجع فيه إلى أستاذ.