عصر جديد من الغناء

20/09/2015 - 11:25:00

ألمظ وعبده الحامولى ألمظ وعبده الحامولى

د . نبيل حنفى محمود - كاتب مصري

جاء صدور العدد الأول من مجلة "الهلال" في الأول من سبتمبر 1892، ليكون إيذاناً ببدء فصل جديد من تاريخ الصحافة العربية، فبعد أن كانت المجلات السابقة على "الهلال" مخصصة إما للفكر أو للأدب أو لهما معاً، جاءت "الهلال" لتعالج مباحث شتى ضمت العلوم والأدب والتاريخ، جنباً إلى جنب مع الفنون، التي شملت الفنون التشكيلية والمسرح والسينما والغناء والموسيقي، حيث شهدت هذه الفنون ازدهاراً وإقبالاً كبيرين في تلك الفترة، التي مثلت أوج الحركة الوطنية في تاريخ مصر الحديث، وسنحاول تحري رصد أحوال الغناء خلال العصر الذي شهد انطلاق "الهلال" في آفاق الثقافة العربية والإنسانية.


شهد القرن التاسع عشر بداية عصر إحياء الغناء العربي بمصر، بعد أن كادت معالمه وأسسه توشك على الاندثار خلال عصري دولتي المماليك والعثمانيين، حيث تصدت لذلك مجموعة من شيوخ الأزهر، ممن أكبوا على دراسة أصول الغناء العربي فيما وصل إلى أيديهم من كتب التراث التي أديرت حول هذا الفن، ومن هؤلاء الشيوخ: شهاب الدين محمد بن إسماعيل، أحمد أبو خليل القباني، محمد الشلشلاموني، محمد عبد الرحيم المسلوب، محمد عثمان، سلامة حجازي. وقد اكتسبوا جميعاً لقب الشيخ بحكم تعليمهم الديني، وإلى جوار تلك الكوكبة من الباحثين والملحنين اللامعين، تألقت أسماء لنجوم كثيرة من شعراء غنائيين وأصوات غنائية، فمن شعراء عصر الإحياء حفظت أدبيات الغناء أسماء: الشيخ على الليثي، محمود سامي البارودي، إسماعيل صبري، الشيخ محمد الدرويش، لتنطلق بالألحان التي وضعها شيوخ الملحنين لبعض أشعار تلك الكوكبة من الشعراء الغنائيين، أصوات نجوم كعبده الحامولي ومحمد الشلشلاموني ومحمد عثمان وألمظ ومحمد سالم.


المسلوب والموشح


انحصرت جهود مدرسة الشيوخ لتصحيح مسار فن الغناء في تطوير قالب الموشح، وهو قالب ظهر أولاً بالأندلس، حيث نسب ابن خلدون في "المقدمة" اختراع هذا القالب إلى مقدم بن معافر الفريري، وهو أحد شعراء الأمير عبد الله بن محمد المراوني (جد عبد الرحمن الناصر)، ويتكون الموشح من أربعة مقاطع هي الدور الأول والدور الثاني والخانة والقفلة، وقد انتشر قالب الموشح من الأندلس إلى سائر الدول الإسلامية الناطقة بالعربية عبر بلاد المغرب، وكان أول من عالج هذا القالب بمصر الوزير هبة الله بن سناء الملك (550-608 هجري)، وذلك في كتابه "دار الطراز"، وابن سناء الملك هو صاحب الموشح الذي تناقلته الألسن وذاع في الأسماع عبر السنين، ويبدأ بالمقطع التالى (عبد الرحمن بن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الجزء الأول، ص524):


يا حبيب ارفع حجاب النور                        عن العذار


تنظر المسك على الكافور                          في جلنار


كللي يا سحب تيجان الربي بالحلي               واجعلى سوارها منعطف الجدول


ولقد أولي الأعلام من مدرسة الشيوخ – وبالأخص أحمد أبو خليل القباني ومحمد عبد الرحيم الشهير بالمسلوب – الموشحات اهتماماً كبيراً، وإن فاق الشيخ المسلوب جميع معاصريه من رواد تلك المدرسة في تلحين الموشحات، حيث قال عنه الناقد كمال النجمي - رحمه الله-: "وبرع في تلحين التواشيح، حتى قيل إن أحداً من الملحنين لم يبلغ مستوى الأندلسيين في تلحين التواشيح إلا الشيخ المسلوب، فإنه بلغ ذلك المستوى وتخطاه، ورسم طريق فن التواشيح لمعاصريه ولمن جاء بعدهم" (تراث الغناء العربي).


لقد أضاع غياب التوثيق في ذلك العصر – وبالأخص مع فن الغناء – الكثير مما لحن المسلوب من موشحات، التي ما زال البعض منها متداولاً وربما نسب إلى غيره من الملحنين، لكن أشهر ما نجا من موشحات المسلوب من غائلة إهمال التوثيق هو موشح "لما بدا يتثنى"، الذي نستمع الآن إليه كثيرا في برامج فرق الموسيقي العربية في مصر وغيرها من الدول العربية، ويقول مطلعه:


لما بدا يتثنى              حِبيّ جماله فتنّي


    وقد قال البعض إن هذا الموشح من تراث الأندلس، بينما أجمعت الكثرة من مؤرخي الغناء على أنه من تأليف وتلحين الشيخ المسلوب، إلا أن أيا من المراجع التي تحدثت عن موشح "لما بدا يتثنى"، لم يشر إلى تاريخ ظهوره أو الفترة التي شهدت تلحينه، فبينما خلا كتاب "سفينة الملك ونفيسة الفلك" لمحمد بن إسماعيل عمر شهاب الدين (صدر 1843) من أية إشارة إلى الموشح، جاءت الإشارة إليه وإسناد تلحينه إلى الشيخ المسلوب في "كتاب الموسيقي الشرقي" لمحمد كامل الخلعي، (طبعة أولى 1927)، ولما كان جميع من أرخوا للشيخ المسلوب، قد أجمعوا على أن تاريخ ميلاده يعود إلى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، فإنه – ومن باب التخمين الذي لا يتصف بالدقة – يمكن القول إن الشيخ قد لحن هذا الموشح قرابة منتصف ذلك القرن، مما يمكن القول معه الآن إن المصريين كانوا يستمعون إلى هذا الموشح وغيره من إبداعات أعلام مدرسة الشيوخ في الغناء المصري، وذلك عندما طالعت أعينهم الأعداد الأولى من مجلة "الهلال"، وليس هناك ما هو أدل على قيمة تلك الأعمال الغنائية، ما قاله كمال النجمي في معرض حديثه عن موشح "لما بدا يتثنى"، الذي جاء لحنه من مقام النهاوند مع إيقاع (سماعي ثقيل)، فقد عدّه النجمي: "تحفة لحنية وإيقاعية تسبق عصرنا"!! (المرجع السابق).


عبده والدور


لم تقف ابتكارات الشيخ المسلوب عند الموشح، حيث ابتكر قالباً غنائياً آخر هو الدور الغنائي، الذي يشبه إلى حد كبير قالب الموشح، حيث تكونت الأدوار الأولى من مذهب ومجموعة متشابهة اللحن والإيقاع من الأغصان، ويتمثل الفرق الوحيد بين الموشح والدور في كون الأول منهما يصاغ بالفصحى بينما يكتب الآخر بالعامية، ومن الأدوار الأولى التي كانت تتألف من مذهب وغصن يصاغان من وزن واحد ويلحنان من مقام واحد وبإيقاع واحد، قدم الشيخ المسلوب الدور الشهير "يا حليوه يا مسليني" (د. سهير عبد الفتاح: الدور وجهود محمد عثمان، دراسات ندوة الاحتفال بالذكرى المئوية لمحمد عثمان، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001).


وقد حفظت بعض الكتب المهتمة بالتأريخ للغناء الكثير من الأدوار الأولى، التي تبارى في تلحينها وترديدها كبار أهل الغناء في ذلك العصر من أمثال الشيخ المسلوب ومحمد عثمان وعبده الحامولي، وحقق كل من محمد عثمان وعبده الحامولي شهرتهما بما لحناه وتغنيا به من أدوار، وإن كان هناك بعض الكتاب ينسب إلى الحامولي في تلحين الأدوار وإلقائها أشياء خارقة، ومن ذلك ما أثبته قسطندي رزق في الجزء الأول من كتاب "الموسيقى الشرقية والغناء العربي": "وللمرحوم عبده قوة عظيمة في الابتكار والارتجال، وقد فاجأ الحاضرين في ليلة عرس فخم لأحد الأعيان في الإسكندرية بتغيير دور (قد ما أحبك زعلان منك)، (مقام صبا كما لحنه محمد عثمان)، وقلبه رأساً على عقب، فغناه في الحال على نغمة النهاوند، ولأول مرة لدى سماعه محمد عثمان يلقيه في العرس نفسه"!! (ص57).


لم تكن الحفلات الغنائية التي يحييها الحامولي قصراً على الأعيان، وإنما امتدت لتصل إلى قصور الأسرة الحاكمة، وها هو يحيى أكبر وأشهر حفلات الزواج بمصر في العصر الحديث، وهي الحفلات التي اتفقت جميع المصادر التاريخية على تسميتها باسم "أفراح الأنجال"، تلك الأفراح التي أقيمت ابتهاجاً بزواج ثلاثة من أبناء الخديو إسماعيل وأخت لهم، وجاء مكانها أمام القصر العالي، الذي كانت تقيم به خوشيار هانم أفندي... والدة الخديو إسماعيل، وكان موقعه بحي جاردن سيتي في القاهرة، حيث أقيمت الأفراح لأربعين ليلة في الأرض الفضاء المواجهة للقصر، والتي يشغلها حي المنيرة الآن. وسجل أحمد شفيق باشا (رئيس ديوان الخديو إسماعيل في الجزء الأول من مذكراته) عمن أحيوا تلك الأفراح من نجوم الغناء، فقال:


"فقد غصت هذه الساحة (التي أقيمت بها حفلات الأفراح) بالفرق الموسيقية والغنائية، وفي مقدمتها تخت عبده الحامولي، وبأنواع الملاهي الأخرى" (ص70)، ولم تزد إشارة بقية المصادر التي أرخت لأفراح الأنجال على ذلك، وخلت أخبار تلك المصادر من أي حديث عما قدم في تلك الأفراح من غناء. وحده الباحث المدقق والكاتب الكبير أحمد حسين الطماوي من جلا حجب الغموض التي أحاطت بما قدم من غناء في تلك الأفراح، فقال عن ذلك في كتابه "أفراح ملوك ورؤساء مصر": "وكان أشهر المغنين في هذه الاحتفالات عبده الحامولي، وكان شاباً صغير السن، وناشئاً جديداً في عالمي الموسيقي والغناء"، واستطرد الأستاذ الطماوي بعد ذلك: "ومن بين أغانيه التي أعجب بها الجمهور، تلك التي تقول كلماتها: الله يصون دولة حسنك على الدوام من غير زوال" (ص39)، جاءت الأغنية التي ذكر الطماوي مطلعها في قالب الدور، وذكر قسطندي رزق في الجزء الأول من كتاب "الموسيقي الشرقية والغناء العربي" أن مذهب ذلك الدور من مقام حجاز كار، وأثبت له ما يلي (ص72):


(مذهب حجاز كار)


          الله يصون دولة حسنك                   على الدوام من الزوال


ويصون فؤادي من نبلك        ماضي الحسام من غير قتال


(دور)


أشكي لمين غيرك حبك         أنا العليل وأنت الطبيب


اسمح وداويني بقربك            واصنع جميل إياك أطيب


    ومنذ أن أحيا الحامولي أفراح الأنجال التي بدأت في 15 يناير 1873 حتى وفاته في 12 مايو 1901، قدم عشرات من الأدوار والقصائد، التي يضيق المجال هنا حتى بذكر أسمائها، وقد شكلت جميعها ومعها عشرات من الأدوار ـ التي تباري في تلحينها والترنم بها كبار الملحنين والمطربين ـ زادا وجدانيا لقراء "الهلال" حين أشرق على ربوع مصر.