ليلة من ألف ليلة.. ساعتان من المتعة بطعم الثلاثينيات

20/09/2015 - 11:18:40

ملصق ليلة من ألف ليلة ملصق ليلة من ألف ليلة

محمود الحلواني - كاتب مصري

حدثان كبيران استحقا أن تحتفل بهما مصر، في الثالث عشر من أغسطس 2015، أولهما: الافتتاح الثاني للمسرح القومي، منارة الفن المصري، أحد أقدم المسارح في الشرق، بحضور عبد الواحد النبوي وزير الثقافة، والفنان فتوح  أحمد رئيس البيت الفني للمسرح، د. سيد خاطر رئيس قطاع الإنتاج الثقافي، ونخبة من المثقفين والفنانين والوزراء السابقين ورؤساء الهيئات الثقافية. وذلك  بعد انتهاء أعمال الترميم والتجديد، وتنفيذ ملاحظات الحماية المدنية لتأمين وحماية المبنى؛ حيث من المعروف أن المسرح  القومي كان قد تعرض للحريق عام 2008.


    كان وزير الثقافة السابق جابر عصفور قد افتتح المسرح القومي، رغم عدم جاهزيته،  في ديسمبر 2014،  بعرض (وباحلم يا مصر) للمخرج عصام السيد. أما الحدث الثاني فهو عودة النجم الكبير يحيى الفخرانى للوقوف على خشبة المسرح القومي، بعد غياب 13 عاما، منذ قيامه عام 2002 ببطولة مسرحية (الملك لير) للمخرج الراحل أحمد عبد الحليم.


اختار الفخرانى العودة  للمسرح القومي بأوبريت " ليلة من ألف ليلة " للشاعر الكبير بيرم التونسي، وهو العمل الذي سبق للفخرانى  تقديمه على خشبة مسرح الجمهورية، التابع لدار الأوبرا المصرية عام 1994 وشاركه البطولة الغنائية الفنانان: على الحجار وأنغام، وأخرجه محسن حلمي، الذي اختاره الفخرانى أيضا لإخراج النسخة الجديدة من الأوبريت.


لا تراهن عروض المسرح الغنائي، والأوبريت في قلبها، على إثارة الانفعالات الدرامية القوية أو الحادة، أو مناقشة الأفكار الفلسفية الكبرى، ولا حتى الصغرى، كما لا تهتم بالكثير من ضرورات المسرح الدرامي، كالحبكة، والصراع، وبناء الشخصيات، وما إلى ذلك من ضرورات لازمة لبناء المسرحية المحكمة، إنما تراهن على تقديم توليفة خفيفة، غير معقدة، تحتوى على حدوتة بسيطة، ذات مغزى أخلاقي، تتسم عادة بالطرافة، يغلب عليها الطابع الشعبي، أو الرومانسي، ولا مانع أحيانا من بعض السذاجة، وتتخللها مجموعة من الأغاني المؤلفة خصيصا لها. تستهدف الأعمال الغنائية عادة إشاعة جو من البهجة والسرور والطرب، أو إثارة الحماس عند تقديم موضوعات ذات صبغة وطنية، وفى جانب آخر كانت العروض والأوبريتات الغنائية تمثل فرصة لتقديم عدد من الألحان والأصوات الجديدة، وقد بقى الكثير من ألحان وأصوات بدايات القرن العشرين، على الرغم من غياب العروض ذاتها، وهو ما تشهد به الكثير من أغنيات سيد درويش.


          ازدهر المسرح الغنائي في مصر في بدايات القرن العشرين على يد موسيقيين منهم داود حسنى وسلامة حجازي، غير أنه قدم إنجازه الأهم مع خالد الذكر سيد درويش، الذي انتقل بغنائياته من التطريب إلى التعبير، كما انتقل من الموضوعات المعربة إلى الموضوعات ذات النبرة الوطنية، والشعبية، خاصة في أعماله مع بديع خيري وبيرم التونسي؛ وقد شكلوا معا مدرسة لاتزال آثارها باقية وحية إلى اليوم.


لم يخرج عرض "ليلة من ألف ليلة" عن تلك الملامح والسمات العامة التي ذكرناها،  فهو عرض "لا يحتمل التأويل" حسبما ذكر مخرجه محسن حلمي، وسيكون أيضا ساعتين من المتعة بطعم الثلاثينيات كما ذكر الفخرانى في مؤتمر صحفي قبل العرض، وربما يرى البعض وله الحق أن:  تلك أيضا كانت مشكلته: الاحتجاز في الماضي.


          من أجل أن تستمتع بالعرض، أن تندمج في تلك البهجة التي يحاول أن يقدمها إليك، فعليك أن تسكت ذلك الجزء اليومي فيك، أن تنسى نفسك، بل أن تسلم نفسك له، تعيشه كما تعيش حدوتة من حواديت ألف ليلة، وأنت تعرف أنها حدوتة  ربما تكون ساذجة بلغة الواقع المادي الصارم الذي نعيشه، غير أنها ليست كذلك بلغة الحلم، يطالبك العرض إذن أن تحلم معه، ولا تعيده إلى الواقع وإلا أحرقته، وهذا شرطه.


          العرض يبدأ من حيث بداية الانفراجة على المستوى الشعبي، كما على المستوى الفردي، حيث يتولى الخليفة الشاب إمارة المؤمنين في بغداد، بعد مقتل أبيه الذي نعرف أنه كان ظالما. يعلن الخليفة الشاب أن قصره مفتوح للرعية، وأنه سينظر في المظالم ويعيد الحقوق إلى أصحابها، ويحاسب الفاسدين والمقصرين من ولاته ووزرائه. يحرر النساء اللاتي يتم إرسالهن إليه كهدايا، فى مسلك مناقض لمسلك أبيه، الذي ملأ الخلافة بالجواري، (فلاتي) حسب قول أحدهم. مؤكدا أن واحدة تكفيه، ذلك بعد أن أحب الفتاة الفقيرة (نجف)، متنكرا في شخصية ابن الجنايني، ثم يتزوجها في النهاية حتى بعد أن عرف أنها ابنة الشحاذ. وعلى المستوى الآخر يتعرف الشحاذ (شحاتة) على (جوان) البلطجي الذي اختطف زوجته منذ 20 عاما، ويبدأ فى التخطيط  للانتقام منه، وهو ما ينجح فيه في النهاية، حيث يقوم بقتله في السجن الذي جمعهما معا، ثم يهرب، كما ينجح  (شحاتة) أيضا في قتل ابنه (الوزير المعتصر ـ  الفاسد) الذي كان الخليفة في طريقه لعزله ومحاكمته على مظالمه، فحاول الوزير استخدام شحاتة في قتل الخليفة، لكن الخليفة لم يمت، لينتهي العرض بتلك النهاية السعيدة: يتزوج الخليفة من ( نجف) ويبعد أباها (شحاتة) إلى مكة عله يتطهر ويتوب.


    هنا لا توجد شخصيات بالمعنى الدرامي، ومن ثم لا توجد تحولات أو أعماق تستدعى بذل الكثير من الجهد أو الخبرة العميقة لنقل أو تجسيد الشخصية، هنا توجد تجريدات خارجية، توجد أدوار يمكن تقديمها ببساطة، ومن أجل ذلك فقد حل  الممثلون بحضورهم وخبراتهم وما يتمتعون به من قدرات ومواهب خاصة، محل هذه الشخصيات واستطاعوا تلوينها بإمكاناتهم، وحضورهم: هكذا استطاع  الفخرانى أن يصنع  شخصية (شحاتة) الشحاذ الألعبان، خفيف الدم، اللص الظريف، الذي يستطيع التفلت والتلون، ببساطة، والهرب من المواقف الصعبة، وهو أيضا المحب لابنته حد الاستعداد للتضحية من أجل سعادتها، وهى الشخصية المركزية التي تدور حولها الشخصيات الأخرى،  لطفي لبيب (جوان) البلطجي القاسي، المتعجرف، خاطف زوجة شحاتة، المباهي بنفسه، الداهية الذي يحاول النصب على الخليفة، والفرار من السجن بادعاء الشيخوخة، وهو أيضا الباحث عن ابنه الضائع، والمستعد لإعادته مقابل أي أموال ينفقها. ضياء عبد الخالق (الوزير المعتصر) الفاسد، المتآمر، الشرانى. سلمى غريب (زوجة الوزير) المهجورة من زوجها والتي تحاول استعادة مكانتها كأنثى من خلال إقامة علاقة مع (شحاتة) وكانت تظنه رجلا ذا مكانة، إلى أن اكتشفت حقيقته في النهاية فنفرت منه.


          يمكن القول إن أهم مكاسب هذا العرض أنه أتاح مثل هذه الفرصة الذهبية أمام صوتين مصريين، جميلين، يمتلكان الحساسية، ولا تنقصهما جرأة الوقوف على خشبة المسرح هما محمد محسن (الخليفة)، وهبة مجدي (نجف)، وقد كان غناؤهما من ألحان الراحل أحمد صدقي، وتوزيع  يحيى الموجي، أحد المرتكزات المهمة لإثارة البهجة، مع أزياء نعيمة عجمي واستعراضات مجدي صابر، وإضاءة أبو بكر الشريف، وديكور محمد الغرباوى الذي اهتم بتعيين بيئة الحدوتة، وزمنها التراثي الإسلامي، القديم، عن طريق المحاكاة.


    هكذا قدم لنا العرض متعة الاحتجاز في الماضي، وإشباع الحنين، وأنسانا لمدة ساعتين (إلا قليلا) قسوة منطق الحياة وحر سماء القاهرة.


نور الشريف فى الافتتاح


فى ليلة الافتتاح قدم الفخرانى لفتة رائعة، إذ أهدى  ليلة العرض الأولى إلى الفنان الراحل نور الشريف قائلا:   


" إلى روح فنان طالما عشق هذا المسرح وطالما وقف على خشبته ممثلا ومخرجا... إلى نور الشريف، أهدى أول ليلة عرض.


 ثم ختم بشطر بيت الشعر الذى يقول: "الناس موتى وأهل الحب أحياء".


رحم الله نور.