رامي والسنباطي .. عزف على أوتار الروح

20/09/2015 - 11:17:11

السنباطى السنباطى

أحمد البكرى

كلنا بشر.. نعم.. نحيا حياة هادئة أو صاخبة، ثم بانتهاء الأجل يطوينا التراب ويغيبنا الفقد، وقد تبقى ذكرانا أو لا تبقى.. المختلفون فقط لا يغيبون، وإن رحلت أجسادهم؛ أرواحهم تظل تنشر الظلال لتحجب صهد الفقد، وتروي عطش الشوق..


كلنا بشر .. نعم .. ولكن أن تكون متفردا بتميز يصل إلى حدود الإفراط.. فهذا هو الاختلاف.. وهو ما يكفى كى تمتلئ ذاكرة المكان بك..


هكذا كان أحمد رامي بكلماته التى صنعت معنى جديدا للرومانسية والحب السامى؛ وقلبت شكل الأغنية من النقيض إلى النقيض، ورياض السنباطي الذي عزف على أوتار الروح فصاغ أنغاما تترجم الكلمات صورا متراكبة توغل في بحار الفلسفة الحيرى والصوفية العاشقة..


في لحظة شديدة الطرب يدور في خلدنا سؤال: من أين يأتي هؤلاء بتلك الأعاجيب التي ترشق أرواحنا بكل هذه المتعة؟.. وهو ذلك السؤال الذى نستلذ بطرحه .. وتزداد اللذة حينما لا نجد إجابة لتتدفق الروح في دارات العاطفة الموارة.. برغبة عطشى لمزيد من التماهي مع نغمات تأخذ الألباب؛ وكلمات تلمس كل وتر فينا.. فياله من سنباطي .. وياله من رامي..


أحمد رامى (19 أغسطس 1892 – 5 مايو 1981) الشركسي الأصل، المولود بالسيدة زينب فى قلب القاهرة - مع أول ظهور لمجلة الهلال - لم يكن كاتب أغنيات.. ولا حتى زجالا.. كان شاعر فصحى يكتب القصيد على نهج المدرسة الرومانسية.. بدأ في نظم الشعر وهو فتى لا يجاوز الخامسة عشرة من العمر، فانطلق لسانه بأولى قصائده التى تغنى فيها باسم مصر:


يا مصر أنت كنانة الرحمن       في أرضه من سالف الأزمان


ألقى تلك القصيدة أمام مجموعة من فحول الشعراء كان منهم: لطفى جمعة وإمام العبد وصادق عنبر.. وغيرهم من أعضاء جمعية ( النشأة الحديثة) والتى كان رامي، رغم حداثة سنه، يلقى فيها مختارات من الشعر القديم.. فلما ثبتت أقدامه في دنيا الشعر كانت أولى قصائده المنشورة،  فنشرت له مجلة الروايات الجديدة قصيدة كان مطلعھا:


أیھا الطائر المغرد رحمــاك    فإن التغريد قد أبكاني


وتوالت قصائده تترى، ومن الطريف أن إحدى المجلات التى كان يداوم على نشر قصائده بها كان اسمها (مجلة الشباب)، فاقترن اسمه بها، فلقب بشاعر الشباب، والمقصود المجلة، لكنه دلل على هويته فيما بعد بالحجة والبرهان؛ فكان بلا ريب شاعر الشباب والقلوب والرومانسية الذى لا يبارى..


سافر في بعثة إلى فرنسا – 1922 - ليدرس فن المكتبات واللغات الشرقية التى اختار منها الفارسية بعد أن أبهرته رباعيات الخيام.. فتعلم الفارسية ليقرأها في لغتها الأصلية.. ثم ترجمها شعرا ينضح عذوبة وسحرا.. وهو في بعثته عرف أن الشيخ أبو العلا محمد قد لحن وغنى قصيدة له يقول في مطلعها:


الصب تفضحه عيونه   وتنم عن وجد شــئونه


إنا تكتمنا الهوى والداء أقـتله دَفـينه


وكانت المفاجأة أن الشيخ أبو العلا محمد أعطى القصيدة لمطربة قروية ناشئة حطت رحالها من طماى الزهايرة - مركز السنبلاوين بالدقهلية علها تشق لنفسها طريقا وسط مطربات ذلك العصر،  فلم يكد يرجع من بعثته - 1924 – حتى انطلق إلى الشيخ أبو العلا محمد كي يسمع منه ما لحنه ويسأل عن تلك المطربة المنطلقة نحو المجد.. وكانت  تشدو بها في حديقة الأزبكية؛ حيث انطلق رامى بصحبة الشيخ ليسمع للمرة الأولى.. أم كلثوم..


وانطبق عليه المثل القائل (رب نظرة أورثت فى القلب ألف حسرة).. فما سمعها حتى انقلب حاله إلى حال عاشق يذوب غراما ولوعة..


حتى أنه قال عن تلك الحال في مذكراته بعد ما سمع:" دخلت القصيدة المرنمة أذنى، ودخلت فى ركابها أم كلثوم قلبى".


 بعدما فُتن تلك الليلة؛ طلبت منه أم كلثوم أن يكتب لها زجلا تغنيه بلغة دارجة، فقال لها إنه لم ينظم الزجل في حياته، ليس كرها فيه ولكن لأنه لم يحاول قط.. وكان وقتها قد أصدر ثلاثة دواوين وترجم الرباعيات عن الفارسية، ولم يخطر بباله أن يخط قلمه زجلا، فحاولت أم كلثوم إقناعه قائلة:" ما الذي يمنعك من أن تضع معانيك الشعرية في كلام دارج يكون أقرب إلى فهم الجمهور؟ " وكان رامى في قرارة نفسه مؤمنا برأيها موقنا من ابتذال وهزال معظم أغنيات ذلك الوقت. ناهيك عن أن سلطان الهوى له في القلب سحر وعلى العقل سطوة، فكتب لها الأغنية الأولى التى سمعها الناس فطربوا، وأقبلوا على سماعها ووجدوا فيها لونا جديدا لم يكن معروفا وقتها، وكانت أغنية (خايف يكون حبك فيا شفقه عليا) والتى لحنها طبيب الأسنان الفنان د. أحمد صبرى النجريدى.. وقال رامى عن تلك الأغنية: " كان ذلك في عام 1925 عقب عودتي من فرنسا، حيث قضيت عامين في باريس ولم أكن أعرف أم كلثوم بعد، والذي دفعني إلى نظمها إعجابي الشديد بصوت أم كلثوم، ورغبتي في المساهمة في وضع أغان عاطفية نزيهة في وسط ذلك البحر من الأغاني الإباحية التي كانت تغمر البلد في ذلك الوقت. وقد غنت أم كلثوم هذه الأغنية في مسرح البسفور، ولم أتقاض عنها شيئا، وأذكر أن الناس كانوا يلومونني على ذلك حين نظمت الكثير من الأغاني دون أن أتقاضى شيئا عنها، فقد ظللت مدة أربع سنوات أنظم الأغاني دون أن آخذ شيئا، هذا ولم يسبق لي أن نظمت الزجل قبل هذه الأغنية، مع أني كنت قد طبعت ثلاثة دواوين من الشعر، وقد كان لهذه الأغنية أثر في نفسي فحين رأيت الجمهور قد استقبل أغنيتي بشيء من الرضا والإقبال أقبلت على نظم أخوات لها كثيرات".


وأخواتها بلغن ما يقرب من 250 أغنية حسب ما قاله رامي نفسه..


ورغم العامية التى نظم رامى بها أغنياته إلا أنها كانت إلى الشعر الفصيح أقرب .. أقرب بتراكيبها ومعانيها وصورها والخيال الجامح فيها، فارتفع بالأغنية ليجعلها في مكانة تموج بالعذوبة والرقة والسمو والتهذيب.. حتى أنه في بعض أغنياته ترجم ما كان قد نظمه فصيحا إلى عامية راقية تسمو بالذوق وتهذب الوجدان، ففى إحدى قصائده كان يقول:


هجرتك علني أسلو فأنسى   وأطوى صفحة العهد القديم


وغالبت التناسي فيك حتى   غدا من فرط ذكراه همومي


ذكرتك ناسيا ونسيت أني    أريد البراء للقلب الكليم


وكنت أحاول النسيان جهدي    فصرت أحن للحب المقيم


ترجم نفس الإحساس إلى عامية راقية تصل إلى قلوب جماهير كانت تتوق إلى السماع، فقال في رائعته ( هجرتك ):


هجرتك يمكن انسى هواك    واودع قلبك القاسى


وقلت اقدر فى يوم أسلاك   وافضي م الهوى كاسي


وبعد (خايف يكون حبك فيا شفقه عليا) انهمر سيل من الأغنيات التى كتبها رامي لتشدو بها أم كلثوم - وقليل جدا لغيرها – فكتب بعدها (إن حالي في هواها عجب - بحبك وانت مش داري - زارنى طيفك - صدق وحبّك من يقول - البعد طال - خلّي الدموع لعينيا - على عيني الهجر - سكتّ والدمع اتكلم - إنتي فاكراني والا ناسياني.... ) وغيرها من الأغنيات التي صاغ أنغامها العديد من الملحنين وعلى رأسهم محمد القصبجى – زكريا أحمد – داود حسنى – أحمد صبرى النجريدى – وأم كلثوم نفسها .. إلى أن لاح فى أفق النغم أميره.. رياض السنباطى.


ورياض ابن الشيخ محمد السنباطي، (30 نوفمبر 1906 - 10 سبتمبر1981)، المولود فى فارسكور بالمنصورة، كان منذ الطفولة نسيجا وحده، فقد تهذبت أذناه على دندنات عود أبيه؛ الذى كان قارئا للقرآن ومطربا أصيل الطابع والمعدن، فتتلمذ الصبي على يد أبيه، مصاحبا إياه إلى ما يرتاده من أفراح وموالد واحتفالات دينية في قريته والقرى المجاورة، وكان الصبى لبيبا سريع التعلم، مقبلا على الموسيقى والغناء حتى لقب بـبلبل المنصورة؛ لما يترقرق في حنجرته من عذب النغمات التي تفصح عن مطرب ينتظره الإشراق في قابل الأيام، فتشرب من أبيه الموسيقى والغناء، مترنما بتراث عبده الحامولي، سيد الصفتي، يوسف المنيلاوي وأبو العلا محمد وسيد درويش.. وغيرهم من أساطين الغناء. وعهد به أبوه إلى صديق له يعلمه أصول العزف على العود فبرع وأتقن.


ولما كانت القاهرة قبلة المواهب فى زمنها الذهبى الجميل.. انتقل الأب وابنه إلى رحابها فى 1928 متلمسا الطريق إلى الخلود.. ولكي يتم صقل الموهبة المتوهجة تقدم إلى معهد الموسيقى العربية ليمثُل أمام أساتذة وخبراء كى يتم تقييمه تمهيدا للقبول.. وانتهت المقابلة برفض طلبه أن يكون تلميذا فى المعهد.. وقبوله عوضا عن ذلك أستاذا لآلة العود والأداء الغنائي! فلم تكن تلك القدرات التي أبرزها تتفق مع كونه طالبا، بل مع أستاذ نابغ خبير.. وبدأ اسمه يسطع بعدما تسللت ألحانه إلى الآذان المتعطشة إلى حلو النغم.. فلحن لكبار المطربين وقتها أجمل أغانيهم، فقدم  رائعة "ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين" ليشدو بها صالح عبد الحى، و" لا دمعي كفى وطفى النار" لعبد الغني السيد، "يا لايمين في الهوى" لنجاة علي التى كان عازف عود في فرقتها.. وكذلك فتحية أحمد ومحمد عبد المطلب وغيرهم.. وأيضا لحن أغنيات من روائع النغم ليغنيها بنفسه..


فصنع لنفسه بصمة بنغمات لا تخطئها الأذن؛ تنسرب منها الرقة المضفرة بالقوة والتمرد، وريشة ترسل خليطا متجانسا من المشاعر الإنسانية، مع كل نغمة يعطى درسا مجانيا جديدا في الموسيقى الشرقية المفعمة بالأصالة.. ورغم الحزن العميق الذى يطل بين ثنايا النغم إلا أن البهجة والفرح تجد طريقها إلى أذن (السميع) ووجدانه.


كان يعيش الكلمات، يتصورها، يتجسدها، يفرزها نغما يفيض عذوبة وشجنا، مما جعل أم كلثوم تنتقيه، على صغر سنه، ليبدأ معها مسيرة عطاء امتدت إلى ما يزيد على 30 سنة قدم خلالها ما يقرب من  110 ألحان من أروع ما حوت المكتبة الموسيقية على الإطلاق.. الأمر الذى حدا به لأن يقول: " قصة حياتي هي أم كلثوم".


وكانت "على بلد المحبوب وديني"، 1935، أول ألحانه لأم كلثوم، وهي اللقاء الأول مع كلمات أحمد رامي؛ لتمتد العلاقة بينهما بعدها على مدى 40 لحنا لأم كلثوم وحدها. وباقتران ألحان السنباطي بما أفرزته قريحة رامي مجدولا بصوت أم كلثوم سمعنا أغنيات سكنت قلوبنا وتركت بصمتها على أرواحنا لتموج بهجة وأنسا..


فسمعنا " النوم يداعب عيون حبيبي"، "كيف مرت على هواك القلوب"، "لما انتي ناويه تهاجريني" وغيرها من الأغنيات القصيرة التى ما لبث رامي والسنباطي أن تحولا بها إلى الأغنيات الطويلة التى بدأ السنباطي يدخل عليها المقدمات الموسيقية الطويلة، فصدحت أم كلثوم بأغنية " ياطول عذابي واشتياقي مابين بعادك والتلاقى" التى صب فيها رامي كمّا هائلا من المشاعر المتأرجحة ما بين الحنين والأنين والاشتياق الملتاع، وصاغها السنباطي نغما على مقام النهاوند؛ وهو ذلك المقام الشجي الذى يحمل سلمه مزيجا مختلطا من الفرح والألم، والحنين والتوق إلى الأمل، فخرجت الأغنية تحفة موسيقية بديعة تلتها روائع كل منها مدرسة شعرية وموسيقية ارتقت بالذوق العام لجمهور فنان يتعطش لمثل هذا الرقي في الكلمة والنغم.. تلتها "هلت ليالي القمر" و"غلبت أصالح في روحي"؛ ثم كانت "رباعيات الخيام" التي ترجمها رامي عن فارسيتها شعرا غاية فى الرقة والسمو والعمق فى آن معا، فحملت ترجمته فلسفة إنسانية حفلت بالصور والجماليات الأسلوبية التى تمثلها السنباطي وتفهمها واستوعب أبعادها ومراميها فترجمها نغما مهيبا على مقام الراست الوقور.. لتفيض صفاء ونصوعا وإشراقا.


قدم رامي والسنباطي بعدها أغنيات كان الخلود قدرها، ومتعة سماعها قدرنا، وكان ما يحمله رامي لأم كلثوم من حب هو النبع الذي ينهمر منه هذا السيل الجارف من مشاعر صدق تتلقفها ريشة السنباطي لتشرق فجرا جديدا في دنيا النغم.. فانسابت فى نهرهما أغنيات من مثل: أغار من نسمة الجنوب، ذكرياتي، أقبل الليل، عودت عيني، دليلي احتار، جددت حبك ليه، هجرتك، حيرت قلبي، انت الحب، يا ظالمني، ياللي كان يشجيك أنيني...


وصدقا أقول إن الغوص فى ما قدمه رامي والسنباطي لأم كلثوم من رائعات الأغاني يحتاج بدلا عن أسطر معدودة صفحات كثيرات.. ولن تكفي.


ولم تكن أم كلثوم وحدها هى من جمعت بين رامي والسنباطي – وإن كانت صاحبة النصيب الأوفر من أعمالهما – فقد تلاقت كلمات رامي وريشة السنباطي مع أسمهان في "أيها النائم عن ليلي سلاما.. لم يكن عهد الهوى إلا مناما" و"أنا بنت النيل أخت الهرم.. قد صحبت الدهر منذ القدم"، والتقتا أيضا مع ليلى مراد في "مين يشتري الورد مني" و"مين يعطف على حالي"، ومع نجاة الصغيرة في "أمي – يا ملاك الحب" و غنت نجاة جزءا آخر من الرباعيات يختلف عما شدت به أم كلثوم، يقول مطلعها: "طوت يد الفجر ستار الظلام.. فانهض وبادلني حديث الغرام".


وكتب رامي لأم كلثوم ما يقرب من 250 أغنية لحن منها السنباطي 40 أغنية، وما تبقى لحنه آخرون لعل أكثرهم كان محمد القصبجى الذى لحن لأم كلثوم من كلمات رامي ما يربو على 60 أغنية معظمها من الأغنيات القصيرة فيما عدا القليل مثل رائعة "رق الحبيب" - حوالي 1941- التى تفوق فيها القصبجي على ذاته، وصاغ منها لحنا على سُلم النهاوند، فصعد بأرواحنا إلى آفاق من العذوبة تحس ولا توصف، وكذلك "يامسهرني" التى أطلق لحنها العبقري الجميل سيد مكاوى..


وإذا كانت أم كلثوم هى صاحبة نصيب الأسد من أعمال رامي، ومن أجلها في الأصل كتب الزجل، فإنه لم يحرم آخرين من كلماته، وإن كان شحيحا مع الآخرين كريما كل الكرم مع أم كلثوم، فكتب ما غنته أسمهان "أين الليالي"،من ألحان محمد القصبجي، وغنت له أيضا رائعة "ليالي الأنس في فيينا" من ألحان أخيها فريد الأطرش، وغنى له محمد عبد الوهاب من ألحانه "قالوا لي هان الود عليه" و"يادي النعيم اللي انت فيه ياقلبي" و"يا وابور قول لي رايح على فين"، وغنت له أسمهان، ليلى مراد، نجاة علي، نجاة الصغيرة، سعاد محمد، وكذلك فريد الأطرش وغيرهم.. وكان صاحب النصيب الأكبر بعد أم كلثوم هو محمد عبد الوهاب حيث غنى له 35 أغنية!


وكذلك كانت ألحان السنباطي الذى صاغ لأم كلثوم ما يقرب من 110 ألحان توزعت على 23 شاعرا كان النصيب الأوفر فيها لرامي، فكان مما لحنه لها من غير كلمات رامي -بلا ترتيب أو حصر- قنبلة الأطلال التى هزت عرش تلحين القصيدة ليتربع عليه السنباطي بلا منازع من كلمات إبراهيم ناجى، ورائعة أحمد فتحي "قصة الأمس"، ثورة الشك لعبد الله الفيصل، سلوا كئوس الطلا لأحمد شوقى، أغدا ألقاك للهادي آدم، حديث الروح لمحمد إقبال، الثلاثية المقدسة لصالح جودت، القلب يعشق كل جميل لبيرم التونسي...


ولحن السنباطي لغير أم كلثوم ألحانا حلوة كثيرة، تحمل في كل نغمة منها بصمة سنباطية تصل بالسامع إلى حدود مغرقة في الطرب ولذته، فلحن لليلى مراد، نجاة الصغيرة، شادية، هدى سلطان، ميادة الحناوي، سعاد محمد، وردة، صباح، عزيزة جلال، عبد الحليم حافظ، ومحمد عبد المطلب... ومن روائع ألحان السنباطي التي لحنها لغير أم كلثوم أغنية يا ناسيني التى أغضبت أم كلثوم.. حيث حفظت لحنها وكادت تغنيها لولا اختيار السنباطي لصوت شهرزاد ليؤدي تلك الأغنية، ولا أعرف حقيقة السر وراء التحول عن أم كلثوم هنا، وإن كانت شهرزاد قد غنتها باقتدار الواثق المتمكن.


كما غنى السنباطي من ألحانه أغنيات لم تنتشر انتشار ألحانه لغير نفسه، على الرغم من أنها غاية في روعة النغم وحلاوة الكلمات، فغنى بمصاحبة العود "فجر" من كلمات أحمد فتحي، و"آه لو تدري بحالي" من كلمات عبد الوهاب محمد؛ والتى يصور فيها الكلمات والانفعالات النفسية التى تكمن في منظار الشاعر تصويرا مجسدا، وكأن السامع يرى بأذنيه.


وكان قد لحن لفيروز لحنين لم تغنهما، هما "أمشي إليك" التى يقول مطلعها "أصـابـعـي  مـنك في أطرافها قُبل.. قبلتهن فهن الجمر يشــــتعل" و"بيني وبينك خمرة وأغان.. فاسكب فعمري في يديك ثوان" وكلمات القصيدتين لجوزيف حرب، فغناهما هو بنفسه، وله غير ذلك من الأغنيات والقصائد، بخلاف المقطوعات الموسيقية البحتة والتى أشهرها "لونجا رياض".


وبعد، فإن رشاقة القلم أو براعة اللسان لا تجدي بغير سماع، ومهما طالت أسطر الكتابة عن مثل هذين العملاقين فإنها لا توفي ما يموج في القلب، فلأعمالهما ملامح تسكن قلوبا، وتختزل ثقافات.. وكلما سمعنا زدنا طربا، كما العطر الأصيل كلما قلبته فاح عبقه وامتلأت ثنايا الروح بأريجه..