من البطل: الشعب أم الزعيم؟ .. مرايا الثورة العرابية

20/09/2015 - 11:15:51

لوحة للزعيم أحمد عرابى لوحة للزعيم أحمد عرابى

د. محمد عفيفي - كاتب مصري

تربى جيلي على العديد من المسلمات التاريخية التي تلقاها من خلال كتب التاريخ المدرسية، وأصبحت هذه المسلمات بعد ذلك بمثابة عقيدة ذهنية لدينا غير قابلة للجدل أو النقاش، بل وتطور الأمر ليصبح مجرد الخروج عليها بمثابة الخروج على الوطنية المصرية!!


وسيتبدل الأمر بعد ذلك نتيجة دراستي وتخصصي الأكاديمي في تاريخ مصر الحديثة والمعاصرة، والاطلاع على الاتجاهات الحديثة في الدراسات التاريخية في الشرق والغرب، ويتطور الأمر عندي بعد ذلك عندما اكتشف أن المهمة الأولى للمؤرخ هي مناقشة ما يسمى المسلمات التاريخية!!


وتعتبر الثورة العرابية خير نموذج لهذا الأمر، لقد تشبعنا ونحن في مقتبل العمر بفكرة "البطل" أحمد عرابي، قائد الثورة، وزعيم الفلاحين، ولم يقدم لنا صورة أخرى لهذا "البطل"، أو مناقشة موضوعية لدوره، حتى من منظور أن البطل هو "الشعب" وليس "الزعيم".


وجاء التغيير الأساسي في نمط تفكيرنا التاريخي عندما اكتشفنا أن هناك "سيناريوهات" متعددة للثورة العرابية، وأن الصورة ليست أحادية الجانب، وأن التباين هو سيد الموقف.


بدايةً نكتشف أن هذه الثورة الوحيدة التي أخذت اسمها من "زعيمها" ونُسبت إليه؛ الثورة العرابية. بينما لم تُنسب ثورة 1919 إلى سعد زغلول، على الرغم من الكاريزما الطاغية لسعد "زعيم الأمة"، وكذلك الحال مع ثورة يوليو، لم نقل يومًا "الثورة الناصرية" على الرغم من شعبية ناصر "الزعيم الخالد". فلماذا تفردت الثورة العرابية دون غيرها بالانتساب إلى زعيمها؟!


مع التبحر في التاريخ، ولا سيما في النقد التاريخي، نكتشف أن نسبة الحدث إلى صاحبه ليست بالضرورة مصدر فخر وعزة، بل هو في أغلب الأحايين مصدر إهانة واستهانة بالحدث وأصحابه، والتقليل من شأنه، بل وأن من يطلق ذلك الأمر هو الأعداء في محاولة لتصوير محدودية الأثر.


وربما يتضح الأمر إذا أخذنا المثال الفج على ذلك لا سيما من تاريخ الإسلام، حيث تم الحرص منذ البداية على النسب إلى العقيدة وليس الفرد، حتى لو كان الفرد هو النبيّ-  صلى الله عليه وسلم-  فيقال "المسلمون" بينما المصادر الغربية والاستشراقية تفضل مصطلح "المحمديون" أي أتباع محمد! وهناك العديد من الأمثلة في التاريخ على ذلك.


ولكن فلنعد الآن إلى الثورة العرابية لنكتشف أن من قام بنسبها إلى عرابي ليس هو أو أتباعه ولكن أعداؤه، وكانت البداية بإطلاق مصطلح "هوجة عرابي" على الحدث كناية عن التقليل من شأنه "هوجة" وأيضًا نسبته إلى عرابي وأتباعه دلالةً على محدودية الحدث الذي لم يشمل جموع الشعب المصري.


وربما يدهشنا أن عرابي نفسه كان يدرك ذلك، بل ويرفض نسبة الثورة إليه، ليس من باب التواضع، ولكن لعلمه أن ذلك الأمر المقصود به إهانة الثورة الشعبية ونسبتها إلى أهواء فرد. ويتضح ذلك من إصرار عرابي على بيان ذلك الأمر عند كتابة مذكراته عن الثورة، إذ يختار لها عرابي الاسم الصحيح من وجهة نظره ويرد على أعدائه معنونًا مذكراته:


"كشف الستار عن سر الأسرار، في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية"


هكذا يفضل عرابي مصطلح النهضة المصرية على المصطلح الذي ذاعت شهرته وهو الثورة العرابية.


ثورة؟ انتفاضة؟ هوجة؟


هل يجوز لنا أن نطرح هذا السؤال على مائدة البحث، هل الثورة العرابية ثورة أم انتفاضة أم هوجة؟ أليس مجرد طرح السؤال على هذا النحو يعد تطاولاً على وقائع التاريخ الوطني؟


بطبيعة الحال حاشا لله أن يكون هذا هو هدفنا، ومن يعرفنا جيدًا يدرك ذلك، ولكننا هنا نناقش قضية مهمة في تاريخنا المعاصر وهو الاستخدام المفرط لمصطلح ثورة، حتى أصبحنا نطلقه على أحداث ووقائع غريبة في تاريخنا، ألم يطلق السادات على حركته ضد خصومه في 15 مايو 1971 "ثورة التصحيح"! وأفرطنا في استخدام مصطلح ثورة لدرجة أننا كثيرًا ما استخدمنا مصطلحات مثل الثورة الإدارية والثورة الخضراء، وثورة الفاتح من سبتمبر! وغيره.


في الحقيقة لم نقدم نقاشًا علميًا موضوعيًا عن مفهوم الثورة واستخدامه في التاريخ المصري. وكان من الاكتشافات بالنسبة لي في هذا المجال التعرف على دراسة مهمة في هذا الشأن، أي دراسة الثورة العرابية، للمؤرخ الألماني ألكسندر شولش والتي نشرها تحت عنوان ذي دلالات مهمة في هذا الصدد هو "مصر للمصريين: أزمة مصر الاجتماعية والسياسية 1878ـ 1882"، وقام بترجمة هذا العمل المهم المؤرخ الراحل الكبير رءوف عباس.


بدايةً ومن العنوان يذهب بنا شولش بعيدًا بعض الشيء ليوضح لنا أن الثورة العرابية لم تبدأ عام 1881 مع وقفة عرابي الشهيرة في ميدان عابدين، لكن بداياتها الحقيقية تعود لعدة سنوات سابقة، وجهود العديد من السياسيين والمفكرين والصحفيين، وأن ما حدث عام 1881 هو مرحلة من مراحل تطور الأحداث، وأن الحدث التاريخي سابق على دخول عرابي مسرح الأحداث. وفي الحقيقة يتفق ذلك مع ما ذكرناه سابقًا من حرص عرابي نفسه على تسمية الحدث بـ"النهضة المصرية".


لكن الأهم في هذا الشأن ما يقدمه شولش من مناقشة أكاديمية لمصطلح الثورة ومدى انطباقه على الأحداث:


"مصطلح الثورة يستخدم في مصر بشكلٍ فضفاض يختلف عنه في المفهوم الألماني الذي يعني بالثورة تحول كامل للنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد بصورة أساسية وثابتة. لذلك تؤكد هذه الدراسة على الظواهر الإصلاحية للثورة العرابية أكثر من تأكيدها على الظواهر الثورية".


بل والأكثر من ذلك يدخلنا ذلك إلى ميدان البحث الاجتماعي إذ لا نستطيع أن نطلق مصطلح ثورة على حدث لم ينجح ولم يكتمل، بل لا بد من نجاح الحدث واكتماله ليُحدِث المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حتى نطلق عليه أكاديميًا مصطلح "ثورة". هكذا لا يفضل شولش والمدرسة الغربية بشكلٍ عام إطلاق مصطلح الثورة على الأحداث.


عرابي زعيم الفلاحين:


درسنا أيضًا في مدارسنا أن عرابي زعيم الفلاحين، البطل الآتي من صفوفهم، ليصبح قائدًا وزعيمًا للثورة وهي حقيقة، لكننا لم ندرس أن هزيمة عرابي عام 1882 كان لها دور كبير وتأثير عظيم على كتابة تاريخ عرابي، بل وتاريخ الثورة العرابية، فالتاريخ يكتبه المنتصرون... للأسف!


لم ندرس ما وجهه المؤرخ عبد الرحمن الرافعي من انتقاداتٍ حادة لعرابي، واتهامه له بتواضع مستواه الثقافي، فضلاً عن غرور الزعامة. وإن كان البعض يُرجع ذلك إلى الانتماء السياسي لعبد الرحمن الرافعي إلى الحزب الوطني، حزب مصطفى كامل، وكان لمصطفى كامل نظرة سلبية في أحمد عرابي ودوره، ورأى أنه كان السبب الرئيسي وراء الاحتلال الإنجليزي.


ويرصد لنا المؤرخ آرثر جولد شميت الصورة السلبية التي رُسمت لعرابي ودوره في أوساط أغلبية الساسة والمفكرين المصريين في أعقاب هزيمة عرابي والاحتلال البريطاني، وأن هذه الصورة استمرت هي الصورة النمطية السائدة حتى قيام ثور 1952، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه على الدوافع الوطنية لدى عرابي.


ويقدم المؤرخ المصري الكبير محمد صبري السربوني صورة أكثر واقعية عن عرابي وشخصيته ودوره قائلاً:


"على أننا نقرر من جهةٍ أخرى أن عرابي كزعيم سياسي كان يتحلى بالإخلاص والصراحة المتناهية في بعض الأحايين، ولكن كانت تعوزه الحنكة السياسية التي تزن الأقوال والأفعال بميزان وتحسب حسابًا للعواقب".


ثورة يوليو واستدعاء تاريخ الثورة العرابية


أعادت ثورة 23 يوليو إحياء روح الثورة العرابية وذكرى عرابي من جديد، وذهب بعض المؤرخين إلى دراسة العديد من الروابط والمؤثرات وأوجه التشابه بين الثورتين.


وما يهمنا هنا هو فكرة استدعاء التاريخ والربط بين الثورتين، الثورة العرابية وثورة يوليو. وقد بدأ ذلك مبكرًا جدًا ففي فبراير 1953، وبعد مرور أشهر قليلة على ثورة يوليو أصدرت دار الهلال مذكرات عرابي التي سبق الإشارة إليها، وهو حدث مهم سيغير بطبيعة الحال من الصورة النمطية السلبية السائدة عن عرابي منذ عام 1882.


لكن المثير هنا أن يكتب اللواء محمد نجيب تقديمًا لهذه المذكرات، هو عبارة عن استدعاءٍ للتاريخ وأخذ مشروعية تاريخية للثورة الوليدة من الثورة الأم ـ من وجهة نظره ـ عبر صلة الرحم بين الحدثين، إذ كان عنوان التقديم:


"زعيم الثورة المصرية الحديثة يقدم مذكرات زعيم الثورة العرابية"


والعنوان دال ومؤثر، فها هو زعيم ثورة يوليو ـ آنذاك ـ اللواء محمد نجيب يكتب المقدمة لمذكرات زعيم الثورة العرابية المغضوب عليه طيلة الفترة الملكية. والأكثر من ذلك أن نجيب يرى مدى أهمية هذا العمل ونشره الآن ـ 1953 ـ في هذه اللحظة التاريخية:


"على أن مذكرات عرابي هذه ليست درسًا من دروس الوطنية الخالدة فحسب، بل سجلت فيما سجلته حادثًا تاريخيًا جليلاً من أجل حوادث الكفاح والتضحية والبذل والفداء في سبيل حرية الوطن وكرامته وسعادته، وهي لذلك يجب أن يستوعبها المواطنون عامةً والشُبان خاصةً، ليترسموا خطاه في خدمة البلاد ولينسجوا على منواله في الإقدام والإباء والإخلاص".


كما يشيد محمد نجيب بعرابي قائلاً:


"هو إلى هذا وذاك جندي باسل يعرف حق بلاده عليه، ويعرف متى وكيف يؤدي واجبه كاملاً غير منقوص، لكي يرفع لواء الكرامة الوطنية، ولكي يدفع عن الوطن وأهليه عادية المستعمرين ومن يلوذ بهم من الطغاة والمستبدين ومن النفعيين الفاسدين".


هكذا ستدخل عملية التأريخ للثورة العرابية مرحلة جديدة بعد ثورة يوليو، وهكذا ستُلقى الأضواء على هذه الثورة، ربما أكثر كثيرًا من ثورة 1919، ولهذا حديثٌ آخر.


على أية حال، أتاحت لنا ذكرى الثورة العرابية الفرصة لمناقشة عملية كتابة التاريخ المصري المعاصر، وأهمية دراسة السيناريوهات المختلفة للحدث التاريخي، ومن يكتب التاريخ، فضلاً عن السؤال التقليدي الخالد:


من هو البطل، الشعب أم الزعيم؟