مَنْ يخاف الإسلام السياسي؟

20/09/2015 - 11:14:47

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود الورداني - روائي مصري

للباحث والكاتب الفلسطيني سلامة كيلة عدد كبير من الكتب ذات الطابع التحليلي للثورات العربية الراهنة، وفي نقد تجربة الحركة السياسية في العقود السابقة، كما احتلت الثورة السورية مكانة مهمة بين مؤلفاته، أما ثورات الربيع العربي فقد خصص لها أيضا العديد من أعماله، ومن بينها كتابه الأخير "زمن الثورة" الذي يسعى للإجابة عن أهم الأسئلة بعد مرور ما يزيد على أربع سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي.


    وعلى عكس كثير من الكتاب والمحللين، بل وقطاعات متزايدة من الشباب العربي، ممن شعروا بالإحباط والشك والتراجع إزاء الثورات العربية، خصوصا بعد صعود قوى الإسلام السياسي بل واستيلائها على السلطة في عدد من بلدان الربيع، على عكس هؤلاء وأولئك، يبدو مؤلف الكتاب متفائلا بالمستقبل، ولا ترعبه فزاعة الإسلام السياسي، لكنه ليس تفاؤلا من النوع "التاريخي" أي الذي يثق في حركة التاريخ ذات النمط الماركسي، رغم أن منطلقات الكاتب وتحليلاته ماركسية صرفة، بل تفاؤلا يستند لمعطيات الواقع.


    من جانب آخر يؤكد المؤلف في مدخل الكتاب أنه بعد مرور وقت قصير من الانتصارات الكاسحة للثورة في أكثر من بلد، تحول الربيع إلى خريف بسرعة لا مثيل لها، بل بدأت تتردد عبارة واحدة:


   إن ما جرى لم يكن ثورة بل مؤامرة، وبدأنا – بعد أربع سنوات – نعيش لحظات الندب والعويل والخوف من الأصولية، وبالتالي علينا القبول بعودة الاستقرار.


    هذه الموجة من اليأس والتخبط وسوء الفهم هي تحديدا ما يواجهها الكتاب الذي يرى أن ماجرى هو "مفتتح" -على حد تعبير المؤلف- لمسار ثوري قد يطول أو يقصر، إلا أنه مستمر. والعفوية الجبارة التي أظهرها الشعب لم تجد في طريقها قوى تستطيع تحديد مسارها، ووضعها في سياق يفرض "إسقاط النظام"، وليس إضعاف النظام. كانت الثورات عفوية بكل معنى الكلمة، وحاول شباب الطبقة الوسطى إدارتها، دون أن يكون قد امتلك وعيا سياسيا وفكريا.


    من جانب آخر فإن الأحزاب القائمة، والتي من المفترض أن تتصدى لمعركة تنظيم الحشود الهائلة كانت ميتة أو تشارف على الموت، بعد أن حصرت نفسها في قضايا حقوق الإنسان والحريات.


   ورغم أهمية تلك القضايا إلا أنها تبتعد عما يعانيه الشعب بضراوة، أي الأزمة المعيشية التي وصلت إلى حد العجز عن الحياة، مجرد الحياة، وهو ما أدى إلى كسر حالة الخوف التي فرضتها النظم البوليسية الحاكمة.


    لحظة المفاجأة إذن لم تصب النظم وحدها، والحشود التي خرجت بالملايين عجزت الأحزاب والنخبة المشتغلة بالسياسة عن التعامل معها، فالأخيرة كانت قد أقامت استراتيجيتها على أساس تحقيق الديمقراطية باعتباره منتهى الأمل، بينما الثورة التي اندلعت بدأت ولن تتوقف، ولم يعد ممكنا التراجع قبل أن يتحقق ما قامت من أجله أصلا وهو العيش بكرامة وانتزاع الحقوق الأساسية.


    من جانب آخر يرى كيلة أن انتصار الإسلاميين كان طبيعيا، حيث جرى الاعتراف بهم من قِبل السلطة الجديدة في كل من مصر وتونس على سبيل المثال، بمجرد إزاحة الرئيسين، والولايات المتحدة سهّلت دخولهم إلى السلطة وقررت التعاون معهم، وبدا أن السلطة تجدد ذاتها من خلال إدماج الإسلاميين فيها لتوسيع قاعدتها السياسية.


    والسبب في هذا القبول والتسهيلات بالغة الوضوح، فهم ليسوا في تناقض مع النمط الاقتصادي الذي أنتج التهميش والإفقار اللذين أديا إلى الثورة، ولا في تناقض مع السياسة الخارجية، وهناك علاقة تاريخية طويلة مع الغرب قامت على التحالف ضد الشيوعية والحداثة والتقدم.


    والحال أن وصول الإسلاميين للسلطة لم يكن، بالنسبة لكل الأطراف واللاعبين الأساسيين في الداخل والخارج، يعني تغييرا ، لا في النمط الاقتصادي أو السياسة الخارجية أو مجمل العلاقات مع اللاعبين الدوليين، وحسب تعبير المؤلف "ورث الإسلام السياسي ثورة كانت مشاركتهم ضعيفة فيها في أيامها الأولى، وتركت قيادة الإخوان المسلمين لأعضائها حرية المشاركة أو عدم المشاركة، فضلا عن هرولتهم نحو التفاوض مع عمر سليمان للحصول على أية قطعة من الكعكة مهما كان حجمها.


    وبين القوى السياسية المختلفة التي كانت موجودة قبل الثورة ، استفاد الإسلاميون من الضعف والهزال الذي أصاب اليسار، والأهم أنهم تبنوا سياسات ذات بريق شعبي، وساعدتهم بنيتهم التنظيمية ودعم الأموال النفطية الواردة من دول الخليج منذ عدة عقود. لكل هذا كان فوز الإسلاميين في الانتخابات أمرا لا يعكس الواقع السياسي على نحو دقيق، وانتهى حكمهم في مصر مثلا بثورة شعبية، وفي تونس تراجعت حركة النهضة".


     من جانب آخر فإن قوة الإسلاميين لم تستمد من الدين في ذاته، بل نتيجة صراعات سياسية كانت توحي بأنهم "في صف الشعب" على حد تعبير كيلة، ونتيجة تنافس بين فئات تجارية مالية، الأمر إذن لا يتعلق بالعقيدة، بل بالحياة الدنيا، وهو مالم تفهمه النخبة بما في ذلك اليسار، الذي كان مفترضا أن يعي تلك الحقيقة بسبب انطلاقه من التحليل المادي الاقتصادي.


    هناك خوف ورعب يصل إلى حد "الرهاب" من الإسلاميين، ومواجهتهم ليست أبدا على المستوى العقيدي، وهو مستوى يجب أن يبقى خارج الصراع، بل في المستوى الخاص بكونهم حزبا سياسيا له مصالحه السياسية والاقتصادية المناهضة لمصالح الشعب.


   وأخيرا ينتهي المؤلف إلى أن الخوف والتخويف من قوة الإسلاميين وتوقع مقدرتهم على الهيمنة ليس خاطئا على المستوى الأيديولوجي فقط، بل يزيدهم قوة أيضا. المشكلة في نهاية الأمر في النخب التي يجب أن يتجاوزها المد الثوري للربيع العربي.