كمال بشر .. شيخ اللغويين العرب

20/09/2015 - 11:13:08

كمال بشر كمال بشر

مصطفى أبوعايد

 الناس صنفان: نكرات ومعارف .أما النكرات فهم كثر في كل زمان ومكان إذا ما جاءوا إلى الدنيا لا يشعر بهم أحد وهم كالزبد سرعان ما يذهبون جفاء كما جاءوا لا يؤثرون فيما حولهم سلبا ولا إيجابا كأعجاز نخل خاوية. أمثال هؤلاء لا يعنى بهم التاريخ ولا يقيم لهم وزنا.وأما الصنف الآخر فهم المعارف وهم الذين إذا تكلموا فكلامهم الحق وإن كانوا على باطل فهم من يؤثرون فيما وفيمن حولهم سلبا وإيجابا وهؤلاء من يصنعون التاريخ فهم العظماء حقا .تحدوا الصعاب وتجاوزوا العثرات ،هانت عليهم شهواتهم ،كبتوا رغباتهم ،صاموا عن كل دنية تثنيهم عن عزمهم ، ومن هؤلاء المعارف أستاذنا الراحل كمال بشر – طيب الله ثراه –والذي وإن رحل بجسمه إلا أنه باق بعلمه وأثره إلى أن يشاء الله. في هذا الرجل تتمثل معاني العظمة بكل معانيها فقد تحدى الصعاب حقا ،وجاء من عالم النكرات ووضع نفسه عن جدارة في مصاف العظماء وصار بحق معرفة تنسب إليه النكرات فتصير معرفة بالإضافة ، فيأتي إليه طلاب العلم من كل حدب وصوب ينسلون ..نعم جاءوه من كل فج عميق ، جاءوه رجالا وركبانا وجلسوا إليه ينهلون من فيضه فإذا ما تكلم صاروا وكأن على رءوسهم الطير، جبالا راسيات لا يعبئون بما وبمن حولهم فهم في حضرة جنابه وإذا ما خرج أحدهم وصار يعرف نفسه صاح بكل فخر "أنا تلميذ بشر" فنأى بنفسه عن عالم النكرات وصار معرفة بجانب أستاذه .         


 لم يأت الدكتور كمال محمد علي بشر من عالم القصور بل كان فلاحا مصريا أصيلا أشرقت علينا شمسه من محلة دياي مركز دسوق محافظة كفر الشيخ عام 1339هـ/ 1921م. حفظ القرآن وجوَّده بالكُتَّاب،  ثم التحق بمعهد دسوق الديني.وعندما أنهى المرحلة الابتدائية به قصد  المعهد الثانوي الأزهري بالإسكندرية وقضى به عامين، ومنه انتقل إلى معهد طنطا لينال منه الشهادة الثانوية. وبعد ذلك يمم وجهه شطر دار العلوم بجامعة القاهرة وحصل على ليسانس اللغة العربية والدراسات الإسلامية بتقدير ممتاز وكان أول فرقته عام 1946م. ثم حصل على دبلوم المعهد العالي للمعلمين في التربية وعلم النفس 1948م. بعد ذلك ذهب إلى إنجلترا للتخصص في علم اللغة، ومن جامعة لندن حصل على درجة الماجستير في علم اللغة المقارن 1953 وعلى درجة الدكتوراه في علم اللغة والأصوات 1956.والمتتبع لسيرته والتي ذكرها بنفسه كما جاء في مقاله بمجلة الهلال ( عدد يونيو 2001) سيرى مدى المعاناة التي مر بها في سني حياته الأولى تلك ولكنه كان مخلصا منذ بداياته فكثيرا ما أشاد بفضل أبيه عليه بقوله :(أبي رسخ لدي مبدأ الانتماء وحب التعليم ) وكذلك كثيرا ما ذكر زوج عمته الشيخ علي بكل خير منوها بفضله عليه حيث كان له الفضل في توجيهه تلك الوجهة التي سار فيها ألا وهي علوم القرآن واللغة.


ومن أكثر الأساتذة الذين تركوا فيه أثرا كبيرا العلامة علي حسب الله أستاذ الشريعة ،وكذلك الأستاذ علي السباعي مدرس النحو ومما يذكر لبشر أنه كان في طليعة الطلاب الذين وقفوا في وجه الحكومة ينادون بتحويل دار العلوم من مدرسة عليا إلى كلية تتمتع بما تتمتع به سائر الكليات .وبعد إضراب ومظاهرات وبوليس ونيابات صدر المرسوم الملكي بتحويل دار العلوم إلى كلية وضمها إلى جامعة فؤاد الأول بالقاهرة .
ومن أبرز تلاميذه الدكتور أحمد مختار عمر أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم رحمه الله .والدكتور محمد عيد أستاذ النحو والصرف بكلية دار العلوم رحمه الله والدكتور محمود الربيعي أستاذ النقد والبلاغة بكلية دار العلوم والدكتور محمد البلتاجي أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم وعميدها السابق رحمه الله والدكتور أحمد عبد العزيز كشك أستاذ النحو والصرف بكلية دار العلوم وعميدها السابق والدكتور عبد العزيز بن عبد الله تركي وزير التربية والتعليم بقطر سابقا .


  وترقى الدكتور بشر في مراتب التعليم الجامعي وغير الجامعي فعُيِّن مدرسًا بقسم علم اللغة بكلية دار العلوم 1956م، ثم أستاذًا مساعدًا 1962م، ثم أستاذًا 1970م. وكذلك عُيِّن رئيسًا لقسم علم اللغة والدراسات السامية والشرقية بكلية دار العلوم من 1969م حتى 1987م، ثم وكيلاً لها 1973م، ثم عميدًا 1973 – 1975م، ثم أستاذًا متفرغًا من 1978م. واختير عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1985م، ثم اختير لمنصب الأمين العام عام 2002م للمجمع، ونائبًا لرئيس مجمع اللغة العربية عام 2005م حتى عام 2013م. وأُعيد اختياره بعد ذلك ليكون الأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية حتى عام 2013.  وكان  عضوا بالمجلس القومي للتعليم، وعضوا بالمجلس القومي للثقافة والآداب، وعضوا بشعبة الثقافة ومقرر شعبة الآداب بالمجالس القومية المتخصصة. وعضوا بلجنة التعليم الأزهري، وعضوا بالمجمع العلمي المصري، ومستشار اللغة العربية بمعاهد التدريب الإذاعي والتليفزيوني ورئيس جمعية (حماة اللغة العربية)، وعضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية. وكان أول مقرر للجنة الثقافية بالمجمع فأشرف على عدة ندوات أقامتها اللجنة بدار المجمع، منها: ندوة عن الشاعر علي الجارم، وندوة عن الدكتور إبراهيم أنيس، وندوة عن قضايا الشعر المعاصر. وجمعت هذه الندوات في كتاب بعنوان "ندوات المجمع الثقافية".كما كان له دور بارز في لجنة اللهجات ولجنة الألفاظ والأساليب وهو المقرر لكلتيهما.


   ومن أبرز المؤتمرات التي شارك فيها بدور ملحوظ: مؤتمر خبراء اللغة العربية في تونس، ومؤتمر سيبويه بشيراز 1974م، ومؤتمر (الرصيد اللغوي) بتونس، ومؤتمر تعليم اللغة العربية لغير العرب بالرياض، ومؤتمر اللغة العربية في جامعات الخليج، وشارك في: الدورات التدريبية في اللغة العربية للمذيعين بمصر منذ 1966، والدورات التدريبية في اللغة العربية للمذيعين في السعودية وقطر والإمارات العربية، وتقديم المادة العلمية لبرنامج إذاعي خاص باسم (لغة الشعب) والمادة العلمية للموسوعة العالمية العربية بالسعودية. بالإضافة إلى إشرافه على ترجمة معجم المصطلحات اللغوية ومراجعته مراجعة نهائية 1983م.


  ويعتبر الدكتور كمال بشر من الرعيل الأول الذي نشر علم اللغة الحديث بالجامعات العربية، وكان شمولي الثقافة في تكوينه الفكري وعمل على بث ذلك بين طلابه في قاعات الدرس وقد ذكر أكثر من طالب ممن درسوا على يديه وشرفوا بأن ارتشفوا من معينه بأن ابتسامته كانت سباقة إلى طلابه قبل نطقه ولم يكن متجهما في وجه أحد ولا كاشر الوجه رغم كثرة مشاغله فقد حمل العلم رسالة لا وظيفة وأصحاب الرسالات أخلاقهم عليا،تحسبهم أغنياء من التعفف بل وتحسبهم أنبياء من التعقل. وقد جاب معظم الأقطار العربية وأفادوا منه فيها فقد درس بجامعة الملك سعود، وبكلية التربية وكلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بقطر، وبكلية الآداب بجامعة الإمارات وبجامعة الكويت، وبمعهد بورقيبة للغات، بالإضافة إلى تدريسه بكلية دار العلوم وبكلية الآداب والإعلام بجامعة القاهرة وبكلية البنات وكلية الألسن جامعة عين شمس وبمعهد البحوث والدراسات العربية بمعهد الفنون المسرحية وبمعهد الدراسات والبحوث الإفريقية.


وكان للدكتور بشر منهجه الخاص به في الدرس اللغوي ويسجل ذلك الصديق العزيز د.مصطفى يوسف الباحث المساعد بمجمع اللغة العربية وقد كان من تلاميذ الدكتور بشر المقربين  حيث يقول:(الدكتور بشر كان مدرسة وحده في إعداد الباحثين اللغويين: منهجيًّا وثقافيًّا) وكان يتسم منهجه بالوسطية والاعتدال فرغم تأثره بالثقافة الأجنبية إلا أنه لم يكن ذائبا فيها ذوبانا كاملا مثل غيره من الذين انسلخوا عن ثقافتهم وذابوا في الثقافة الأجنبية فصاروا مسوخا مشوهة، بل كان يأخذ منها النافع المفيد ففي حديث له بجريدة الوفد (بتاريخ 7-7-1992) ذكر أن المصطلحات الأجنبية واردة إلينا من ثقافة أجنبية وهذه المصطلحات هي مفاتيح العلوم فإذا أتقناها وأدركنا دلالاتها أمكننا الدخول إلى هذه العلوم والأخذ منها بنصيب والعلوم كما هو معروف هي دلائل الحضارة وسماتها الأساسية، وليس معنى ذلك أنه كان مهاجما للتراث العربي كما فعل غيره أيضا بل كان يحمل في أعماق نفسه التقدير والاعتزاز بجهود اللغويين العرب القدامى وكان منصفا لهم ، ومن باب الإنصاف أذكر ما قاله لي د.مصطفى عبد العليم الأستاذ المساعد بكلية دار العلوم عن الدكتور بشر بخصوص هذه الجزئية فقال:( نذكر عندما كنا طلابا في دار العلوم للدكتور بشر أنه كان يمجد ابن جني ويعظم من شأن الخليل وسيبويه وكثيرا ما كان يدعونا للقراءة في كتبهم ولكنه في الوقت نفسه كان حريصا على التجديد في هذا التراث وإعادة النظر فيه على ضوء النظريات اللغوية الحديثة وهو بذلك يعد من الرواد الأوائل من أساتذة علم اللغة الحديث الذين جمعوا بين التراث والمعاصرة).     


 ولقد أثرى العلامة كمال بشر المكتبة العربية واللغوية خاصة ثراء لا مثيل له حيث تعد كتبه مراجع لا غنى عنها لكل الدارسين والمتخصصين في الدراسات اللغوية خاصة والعربية عامة   ومن أبرز مؤلفاته: "قضايا لغوية" 1962م، و"علم الأصوات" نُشر عدة مرات وأُعيد تنقيحه وطبعه 1999م، و"دراسات في علم اللغة" 1996م، و"دور الكلمة في اللغة"، وهو ترجمة لكتاب: words and their uses ، وقد نُشر أول مرة سنة 1962م، وأُعيد طبعه أكثر من خمس عشرة مرة، و"علم اللغة الاجتماعي"، نشر أول مرة سنة 1992م، وأعيد طبعه (منقحًا) سنوات 93، 94، 1995م، و"خاطرات مؤتلفات في اللغة والثقافة"1995م، و"اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم"، نشر سنة 2000م، و"فن الكلام" 2003م، و"صفحات من كتاب اللغة" 2004م، و"مجمعيات" 2004م، و"إذاعيات لغوية" 2005م، و"التفكير اللغوي بين القديم والجديد" 2005م.


  وله كذلك العديد والعديد من البحوث والدراسات القيمة في الشأن اللغوي وقد نشرت وألقي بعضها في مؤتمرات علمية ( ومن باب الواجب والأمانة أشكر صديقي د.مصطفى يوسف الذي بذل جهدا مشكورا في توثيق هذه المعلومات بإصدارات المجمع ومنتدى المجمع اللغوي على الإنترنت وأمدني بالكثير منها) ومنها: "كتاب العين للخليل بن أحمد وموقعه في الدراسات اللغوية"، نشر في حوليات كلية دار العلوم، 1973م، و"كتاب محاضرات في علم اللغة العام للعالم السويسري  (دي سوسير) وموقعه في الدراسات اللغوية"، وقد نشر بمجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1973م، و"نوعية اللغة التي يتعلمها التلاميذ في المرحلة الأولى ووسائل التقريب بينها وبين اللغة الفصيحة"، وقد نشرته جامعة الدول العربية ضمن بحوث قدمت إلى مؤتمر اللغة العربية بعمان بالأردن 1974م، و"الأخطاء الشائعة في نظام الجملة بين طلاب جامعات دول الخليج" نشرته جامعة الكويت ضمن بحوث مؤتمر عقد بالكويت 1979، و"مشكلات اللغة في العصر الحديث"، ونشر ضمن بحوث أخرى في كتاب بعنوان "حصاد الموسم الثقافي" بوزارة التعليم بقطر، و"جهود العرب في الدراسات الصوتية" مجلة الثقافة العربية الليبية، 1975م، و"الأصوات عند سيبويه" مجلة الثقافة المصرية سنة 1975م، و"عوامل التوحيد اللغوي" بحث نشر ضمن بحوث في كتاب بعنوان " من ثمار الفكر " بإشراف كلية التربية بقطر سنة 1975م، و"مجموعة بحوث بعنوان "السيمانتيك أو علم المعنى"، مجلة الأزهر 1961 – 1962م، ثلاثة بحوث في مفهوم الصواب والخطأ في اللغة "مجلة الفن الإذاعي"، و"العقاد في الدراسات اللغوية" مجلة الأزهر سنة 1964م، و"مناهج البحث اللغوي عند العرب" بحث ألقي في ندوة التراث التي عُقدت بالقاهرة سنة 1976م تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، ونشر مع غيره من البحوث في كتاب بعنوان "ندوة التراث اللغوي"، و"اللغة بين التطور وفكرة الصواب والخطأ" بحث ألقي في مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1988م ونشر بمجلة المجمع، و"اللغة العربية والحاسوب"، بحث ألقي في ندوة بالكويت سنة 1989م، ونشر مع غيره من البحوث، و"التعريب بين التفكير والتعبير" نشر بمجلة "الدارة" السعودية سنة 1993م، و"الأصوات المتوسطة والأصوات الذُّلْق" نشر بمجلة معهد البحوث والدراسات العربية سنة 1996م، و"الأدب ودوره في التلاقي العربي وتأكيد الانتماء" نشر بمجلة معهد البحوث والدراسات العربية.


 أما إذا جئنا إلى جانب التكريم الذي ناله الدكتور كمال بشر فقد حصل على جائزة الدولة التقديرية 1991م، وكذلك وسام العلوم والفنون من الطبقتين الثانية والأولى، كما نال جائزة العراق في الدراسات اللغوية عام 1987م. والملاحظ لتواريخ هذه الجوائز يجد أنها جاءت متأخرة جدا عن وقتها ، فقد حصل عليها من هم أقل منه قيمة وقامة بل هم من كانوا تلاميذا له وهذا يعد إجحافا له، والسبب في ذلك ليس لعيب فيه بل السبب هو أنه كان من أصحاب المبادئ كما يذكر الأستاذ الدكتور أيمن محمد ميدان وكيل كلية دار العلوم للدراسات العليا وأحد تلاميذ الدكتور بشر ولم يكن من الذين يسكتون عل باطل فكانت حياته كلها معارك في ساحة الكرامة دفاعا عن اللغة العربية ودفاعا عن مبادئه التي جاء محملا بها من قريته وتعلمها في الكتاب على يد الشيخ محمود ومن قبله على يد أبيه وعلى يد أساتذته في الأزهر ودار العلوم ،ولكن التكريم الحقيقي الذي لم يحزه الكثيرون من أصحاب الجوائز وحازه العلماء حقا من أمثال بشر هو الحب والامتنان والتقدير الذي نحمله له في قلوبنا.