فؤاد حداد .. مسحراتى الوطن العاشق!

20/09/2015 - 11:11:38

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد رضوان

فؤاد حداد أحد أبرز شعراء العامية فى مصر الذى ترك بصمة واضحة فى شعر العامية المصرية لا ينافسه فيها أحد ، وقد صنعت موهبته عدة عوامل لم تتوفر لغيره، فهو صاحب الثقافتين العربية والفرنسية، وهو نصير الفقراء رغم نشأته الأرستقراطية ، وهو المسلم الصادق الإيمان الذى تحول إليه عن اقتناع وهو الاشتراكى الثورى الذى جمع بين عقيدته الإسلامية الصافية والماركسية ، وهو العاشق لتراب مصر الذائب فى حبها رغم أرومته اللبنانية وهو شاعر العامية المسكون بلغة البسطاء فى مصر رغم بداياته كشاعر عمودى يكتب شعر الفصحى، وهو الشاعر الذى ذاق مرارة السجن مرتين فى عصر عبد الناصر، ورغم ذلك أحب عبد الناصر ورثاه بدموع قلبه يوم مات.


ان حقا مسحراتى الوطن رغم كل ما مر به من تجارب مخفقة وأحزان كبرى.


 ولد فؤاد سليم أمين حداد فى 28 أكتوبر 1927 بحى الظاهر بالقاهرة لأب مسيحى لبنانى متمصر يكتب شعراً عمودياً رصينا رغم دراسته العلمية وعمله كأستاذ للرياضيات ، وكانت مكتبة الأب الثرية بدواوين الشعر العربى وكتب التراث الأدبى زادا وفيرا للابن فؤاد لكى ينهل منها خاصة دواوين المتنبى والمعرى وحافظ إبراهيم وأحمد شوقى.


قرأ كثيرا من دواوين الشعر واكتشف فى نفسه موهبة كتابة الشعر بالفصحى.


أما أم فؤاد ، فكانت من أسرة لبنانية أرستقراطية هى أسرة بولاد، وكان من أخوالها إميل بولاد المحامى الشهير وفريد بولاد المهندس الشهير الذى درس فى فرنسا وهو الذى صمم كوبرى “كفر الزيات” وكانت مثقفة تتكلم الفرنسية بطلاقة وتحب مصر حبا كبيرا.


وكان لفؤاد شقيقان أصغر منه وكان الأب حريصا على أن يتعلم أبناؤه العربية على أصولها رغم دراستهم الفرنسية فى مدرسة الفرير ثم الليسيه وكان هذا الأب العاشق للثقافة العربية يواظب على سماع القرآن الكريم فى المذياع مستمتعا بجمال آيات الذكر الحكيم وبلاغة كلماته وعمق معانيه، بعد أن قرأ فؤاد حداد عشرات من دواوين الشعر العربى قديمه وحديثه وكتب التراث العربى واستوعب هذا التراث بدأ يكتشف موهبته الشعرية فبدأ يكتب قصائد بالفصحى ولكن بعد قراءة الكثير من شعر العامية خاصة شعر بيرم ومحمود رمزى نظيم وعبدالله النديم وحسين شفيق المصرى وغيرهم بدأ يلتفت إلى قدرة شعر العامية على التعبير عن الوجدان الشعبى خاصة أن فؤاد قد اندمج مع مختلف طبقات الشعب فى حى الظاهر والأحياء المجاورة مثل حى العباسية وحى الأزهر وحى السيدة زينب وغيرها من الأحياء الشعبية بالقاهرة ويتفاعل مع أبناء الشعب ويجد فى الحارة الشعبية وفى أبناء الشعب البسطاء الجمال والتلقائية والعذوبة ويجد فى المرأة المصرية بنت البلد الجميلة الرائعة.


وقد عبر عن ذلك بقوله:


فى كل حى ولد عتره


وصبية جنان


وكلنا جيره وعشره


 وأهل وخلان


أميره عاقله وفى الجمله


العقل يطير


وعندما اشتدت أوار الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) ووصلت نيرانها إلى مصر ولما كان منزلهم فى حى الظاهر غير بعيد عن معسكرات الإنجليز فى العباسية اضطر رب الأسرة سليم حداد إلى الانتقال إلى وسط القاهرة والتحق فؤاد بمدرسة الليسيه بباب اللوق وفى تلك الفترة انغمس فى السياسة وتعرف التيارات السياسية التى كانت تموج بها مصر يومئذ وراح يجوب القاهرة شرقا وغربا، ويتعرف حواريها وأزقتها ومقاهيها وموالدها وفى نفس الوقت يقرأ ما تحويه مكتبة أبيه من روائع كتب الأدب خاصة كتب التراث ودواوين الشعر وفتن بالمتنبى بصفة خاصة، كما فتن بالشاعر الفرنسى “أراجون” والذى كان شاعرا ثوريا يعتنق المذهب الشيوعى وكان لذلك تأثير فى حياة فؤاد وشعره فى مطلع حياته، فاعتنق الشيوعية والتحق فى تنظيمها المصرى وشارك فى التنظيمات الثورية المصرية الداعية إلى استقلال مصر وحريتها والنضال من أجل الطبقات المقهورة.


وكان ديوانه الأول “أحرار وراء القضبان” الذى أصدره سنة 1947 يعكس دعوته لحرية الوطن والمواطن:


السجن مبنى من حجر


السجن مبنى من عيون السجانين


قضبان بتمنع النور والشجر


زى العبيد مترصصين


وإذا كان فؤاد حداد قد ارتبط اسمه وشعره بالحركة الوطنية، فقد ارتبط أكثر باليسار المصرى ودفع ضريبة موقفه والتزامه الفكرى حين خاض تجربة الاعتقال وراء القضبان للمرة الأولى فى سنة 1953 حتى سنة 1955 وفى المعتقل الثانى من سنة 1959 حتى سنة 1964 تحولت كلمات فؤاد حداد من السياسة الخالصة إلى الإنسانية الممزوجة بالسياسة فذكر أنه التقى فى المعتقل بشعب مصر الحقيقى من كل ربوع مصر ومحافظاتها تعرف حكاياتهم وأغانيهم فحمد الله على هذه الفرصة التى سنحت له :


أشكر إللى سجنونى


وبنيل وطمى عجنونى


وفى مطالع الستينيات حدث تحول فى حياة فؤاد حداد وفى فكره وعقيدته وفى شعره حين انغمس فى قراءة القرآن الكريم فتسللت إلى قلبه أنوار روحانية ، فتحول إسلامه إلى صوفية وحب وصفاء ، فاستوحى من أجواء شهر رمضان سنة 1964 ديوانه “المسحراتى” الذى لحنه وغناه سيد مكاوى وكان يذاع فى الإذاعة المصرية طيلة شهر رمضان المبارك حيث حول فؤاد المسحراتى إلى مسحراتى لإيقاظ الوطن والضمائر والهمم لصنع مستقبل أفضل لمصر:


مسحراتى


منقراتى منجراتى دواليب زمان


جت فى الأوان


المشى طاب لى


والدق على طبلى


ناس كانوا قبلى


قالوا فى الأمثال : الرجل تدب


مطرح ما تحب


وأنا صنعتى مسحراتى


فى البلد جوال


حبيت ودبيت كما العاشق


ليالى طوال


وكل شبر وحته من بلدى


حته من كبدى .. حته من موال


أحب فؤاد بيرم (1893-1961) وأنشد له مناجيا:


يا عم بيرم أقول


وانشد على حنيك .. مين إللى زيك


صاحب الكنز الأصيل


القافية بتطاوع معاه.. والنيل


كما ارتبط بصداقة مع الشاعر صلاح جاهين ويشاء القدر أن يتزوج ابنه الشاعر أمين حداد من السيدة أمينة ابنة صلاح جاهين.


أصدر فؤاد حداد العديد من دواوين الشعر بالعامية منها “الأرض بتتكلم عربى” و “الحضرة الزكية” و “نور الخيال وصنعة الأجيال” و “كلمة مصر والأراجوز” وغيرها.


استغرق حب فؤاد حداد لشيئين هما : حب الإسلام وما يتصل به من أجواء روحية تتمثل عنده فى رمضان والحضرة الزكية والرسول الكريم:


أول ما نبدى القول


نصلى على النبى المصطفى


سيد ولد عدنان


والحب الثانى : حبه لمصر حب انتماء ومحبة وفداء وذوبان فى ترابها وجذورها وأجوائها حيث غنى لمصر أعذب أناشيده الوطنية وأصدقها بالحب الحقيقى:


أول كلامى سلام


وتزققينى الكلام


أيام فى حضنك أنام


القلب الأبيض هنا


يا مصر يا أمنا


واطلع فى نور الأدان


إذا دعا الوالدان


المدرسة والميدان


والإنسانية هنا


يا مصر يا أمنا


كان ارتباط فؤاد حداد بإسلامه ارتباطا روحيا صوفيا صادقا ارتبط بنفس القوة بوطنه مصر حبا رومانسيا صوفيا وثيقا.


وكان لانتقال فؤاد حداد فى مسكنه بين أحياء القاهرة من حى الظاهر إلى حى الحلمية الجديدة إلى حى الإمام الشافعى دور فى تشربه لروح شعب مصر وانغماسه فى الحياة الشعبية وتعبيره عن وجدان الشعب المصرى والحارة المصرية وابن البلد الأصيل.


وقد تغنى الموسيقار سيد مكاوى بعدد من أجمل قصائد فؤاد حداد منها الأرض بتتكلم عربى التى كانت طلقة المقاومة بعد هزيمة 1967 وكانت بالفعل النبوءة الأولى لانتصار أكتوبر 1973 كما غنى له سيد مكاوى - دخلت مرة حى الأزهر - طلعت أدب..


كان فؤاد حداد يحب مصر حبا عميقا بلا حدود ملك عليه قلبه ووجدانه هو الذى ناجاها بقوله:


أنده عليك كأن الدنيا نادهالك


قولة يا ليلى ليالى العمر قادها لك


يا عينى بالمواويل الحمر قادها لك


غنى الأمل والشهــــــامة والـــفرح والنصر


ولولاكى يا مصر كان قلبه رقد هالك


بجانب شعر فؤاد بالعامية كان شاعراً مجيداً بالفصحى ومن أعماله ديوانه “أم نبات” و “يوميات العمر الثانى” الذى صدر سنة 1999 بعد رحيله مستخدما حيلة فنية بأنه من تحقيقه والحقيقة هو مبدعه وكان هذا الديوان بحق بمثابة مزيج حدادى العربى المصرى غير المسبوق فى حلاوته وتضفيراته التى تجمع بين جزالة الفصحى وعذوبتها وتلقائية العامية وبساطتها حيث استفاد فؤاد حداد من السجع التراثى فى لغة الأدب العربى ومن الأمثال الشعبية العامية ليقدم لنا إبداعا يكون السجع فيه أعلى موسيقية وأكثر جمالا وصهر فؤاد كل ذلك في بوتقة موهبته العريضة فانتحل الديوان كله على حد تعبير د. هشام السلامونى فى تقديمه للديوان .


من بين أبياته بالفصحى التى تفصح عن شاعر عمودى متمكن:


فيا اورد يانشوان فى سامر الندى


هديت ملاكى لهفة وأناة


ويا قمح يا إنسان يوم وليلة


ويا حلما حيا أحب حياتى


تطامنت واستعليت وأختال وأنثنى


رفيف جناح طيب الفدوات


ومن قصائده التى يتغنى بها


بمعشوقته مصر :


أنفاسها بحر ليل لا قرار له


من الليالى وفجر الصيف والعيد


زغرودتان ذراعاها إذا جلست


تغربلان أسابيع المواليد


وتسترد شعاع الشمس بسمتها


على السوالف والخدين والجيد


وربما نظرت فاستغرقت أمما


من الموانئ والأرياف والبيد


مصر التى امتثلت للدهر فامتثلا


ليــلـين صبحـين راحــت تضــرب المثلا


لدى أبى الهول سمار الجلاميد


لدى المدارس والدنيا تلامذة


وطالبات هنيات الأناشيد


لدى المياه مفداة مباركة


أرض وسقف يغنى بالعناقيد


إنى كأنى عريس قد أحل له


من كل حب قديم حب تجديد


يا نور عينى إذا غنيت كان فمى


مصعلكا ملكا بار المواعيد


شعرى المنــارات فــى دمــع الندى أبدا


والديك حيا ورسما فى السجاجيد


أنا الذى يتمنى أن يقول غداً


لدى سماء أقيمت بالعواميد


هكذا ظل فؤاد حداد حتى آخر نسمة فى حياته قيثارة حب تغنى لمصر وللعروبة وللإسلام وللإنسانية أعذب أناشيده الصافية المفعمة بالصدق والحرارة وعاش حتي فرح قلبه بنصر أكتوبر 1973 فغنى لمصر وجيش مصر :


أجمل ما فى الدنيا أكتوبر اللى انتقم ليونيه - وبدر من بدر وتمام البدور - أرضك يا سينا لما تكتب كتاب - العاشق المصرى إللى عمره ما تاب - وأما أجمل كلمة .. كلمة عبور - والمشي طاب لى - والدق على طبلى - الناس كانوا قبلى - قالوا فى الأمثال - الرجل تدب مطرح ما تحب - وأنا صنعتي مسحراتى فى البلد جوال


حبيت ودبيت كما العاشق ليالى طوال


وكل شبر وحتة من بلدى


حته من كبدى


حته من موال


لكن هذا القلب العاشق المضنى الذى عذبه الحب والقهر والسجن والمعاناة الوجدانية تعب وأصابته جلطة بدأت سنة 1979 .


وهذه الجلطة كما يذكر ابنه الشاعر أمين حداد كانت نهاية فترة عصيبة فى حياته، ففى منتصف السبعينيات أصيب بمرض “الدوخة” فكان يشعر وهو يسير فى الشارع بالدوار ، ونصحه صلاح جاهين بأن يعرض حالته على د. يحيى الرخاوى الذى قال له إن الدوخة ما هى إلا حالة نفسية ونصحه بعدم الجلوس فى البيت كثيرا فبدأ يذهب إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط ويجلس بها لعدة ساعات يوميا، وبدأ يتعاطى أدوية مضادة للاكتئاب ، لكن حالته النفسية ساءت خاصة بعد وفاة صديقه الفنان حسن فؤاد الذى رثاه فى قصيدة شجية، ثم كان رحيل فؤاد حداد فى الأول من نوفمبر 1985 وهو يهمس بتراتيل الحب والوفاء لمحبوبته مصر ويودعها الوداع الأخير قبل الرحيل:


أدق كل البيبان : لا تنهروا السائل


تارك لقلبى العـنان فــى الــحب من عاقل


على أرض مصر بحنان وعلى الأثر ناقل


أمشى ولا يمشى معايا الكبر


حبيت على أرض الوطن كل شبر


كان بالدهب والتبر يتاقل!


رحل فؤاد حداد عن الحياة بعد أن ترك تراثاً شعرياً رائعاً من شعر العامية والفصحى يعبر عن زمانه وعصره وعن حبه لمصر والعروبة والإسلام، قام أبناؤه الأوفياء أمين وحسن بجمع تراثه وتنسيقه ونشره كاملاً فى عدة مجلدات تقدم لنا سجلاً لأعمال هذا الشاعر المصرى الصميم الذى استطاع أن يجمع في شعره الكثير من المعانى والمدلولات والأضداد، جمع بين الشام ومصر وبين المسيحية والإسلام وبين الشيوعية والتصوف فكان بحق شاعر مصر والعروبة والإنسانية!.