حصاد السنين للدكتور زكي نجيب محمود

20/09/2015 - 11:10:14

حصاد السنين للدكتور زكي نجيب محمود حصاد السنين للدكتور زكي نجيب محمود

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

كتب الدكتور زكي نجيب محمود في مقدمة آخر كتبه "حصاد السنين" أنه أحس وقد بلغ الخامسة والثمانين من عمره وانتابته عوامل الضعف والمرض أن سيرته الثقافية اقتربت من ختامها، مما أوحى له أن يكتب هذا الكتاب ليقدم إلى قارئه صورة للحياة الثقافية كما عاشها أخذاً وعطاء منذ عام 1930 حتى نهاية 1990.


ستون عاماً عاشها الرجل كاتباً ومترجماً وأديباً وناقداً وعضواً بالعديد من لجان المجلس الأعلى للثقافة وأستاذاً بالجامعة ومؤلفاً لكتابين عن سيرته ومفكراً يطرح همومه الفكرية على القراء في كتبه ومقالاته الأسبوعية. ترى أي جديد يضيفه كتابه الأخير إلى حياته الحافلة ومؤلفاته؟ هل الكتاب سيرة ذاتية تروى قصة نفس الكاتب وقصة عقله من منظور اجتماعي وتاريخي؟ هل هو شهادة على عصر عاشه المؤلف مفكراً يشارك أبناء جيله في اقتراح إجابات للأسئلة التي مازالت الأمة تطرحها على مفكريها منذ ارتطمت بجيوش نابليون عام 1798 حتى روعت بهزيمة سنة 1967؟ هل هو صفحة من كتاب انفعال مثقفي الشرق بحضارة الغرب انبهاراً بها وخوفاً منها وبحثاً عن نقطة التوازن المراوغة بين شعورين متناقضين: الاعتصام، والانجذاب؟ هل الكتاب تاريخ للحياة الثقافية في مصر يسرد علاقاتها المتوترة حيناً والمتأزمة في معظم الأحيان بالسلطة؟


في "حصاد السنين" ملامح من كل هذه الوجوه لكنه في التحليل الأخير تلخيص لمجموعة أفكار ورؤى ظل الدكتور زكي طوال عمره يبشر بها ويدعو إليها ويشرحها ويذود عنها، في هذا الكتاب يطرح علينا مرة أخرى وأخيرة كل التساؤلات التي تضمنتها كل مؤلفاته: كيف انتهى تاريخنا المجيد الطويل إلى هذا الحاضر العقيم؟ وكيف نرضى بالحياة خارج العصر وقد كانت الهزيمة هي الثمن الفادح لابتعادنا عنه؟ وإلى متى تلهث عقولنا خلف أوهام الجوهر الثابت الكامن وراء المتغيرات الزائلة ما الذى يكبل أقدامنا دون اللحاق بالعصر؟ هل هو الخوف المشروع من أن نفقد هويتنا وننسلخ من ماضينا فنتحول إلى أمة بلا جذور وبلا هوية؟ وهل قدر علينا أن نقف مشلولي الإرادة في منتصف المسافة بين ماض نألفه ونحن إليه ونقدس قيمه وننتمي لحضارته، وبين حاضر يهيب بنا أن نتسلح بعلومه وفكره وقيمه وأجهزته كي نكتسب من القوة ما يعيننا على مجابهة القوى الطامعة فيما نملك؟


وفي "حصاد السنين" يطرح علينا المؤلف الأفكار نفسها التي ظل يدعو إليها عبر كل سنين عمره.. كل شيء من الكون العظيم حتى أصغر كائناته يتطور ويتغير في صور تتلاحق عبر الزمن، العلوم الطبيعية هي وسيلة الإنسان الوحيدة للكشف عن القوانين الطبيعية بهدف الوصول إلى مزيد من الكشوف العلمية ومزيد من الأجهزة التكنولوجية المتطورة، كل مفكري وعلماء القرن الماضي تخلصوا من الرؤية الرياضية التي كانت ترى الحق في الثبات والدوام، وانطلقوا يبشرون بالتغير والتطور والنمو والإبداع.


العصر زمن آخر غير الزمن الموضوعي (زمن الساعة وأوراق التقاويم) وغير الزمن الذى نتوهم العيش فيه حين نستهلك منتجات الغرب وندرس علومه ونستخدم أجهزته، العصر هو مجموعة أفكار ورؤى تشيع في زمن ما فتصبح سياساته وتقاليده وأعرافه، وتسرى في فنونه وآدابه وتتجلى في عقائده وفلسفاته، إن هوة عميقة تفصل بين عصر يحياه الغربيون بروح تحطم الجمود وتقدس الحرية وتصنع من رؤى مبدعيها وابتكارات علمائها ملامح المستقبل، وبين عصر آخر يحياه الشرقيون بروح تمجد الثبات وتبحث عن أسرار الطبيعة في بطون الكتب القديمة، وتسافر إلى عصر ذهبي في الماضي البعيد صنعته أوهام الشعراء وشطحات الدراويش وألاعيب الذاكرة الجماعية.


العلم هو استخدام المنهج العلمي في رصد الظواهر وتحليلها واستنباط دلالاتها، والفلسفة المعاصرة هي تأمل للوقائع الجزئية وبحث عن قانونها العام وصولاً إلى المبدأ الذي يطوى تحت جناحيه هذه القوانين.


اللغة ليست وعاء للفكر ولكنها الفكر، واللغة النقية من شوائب الهوى فكر موضوعي كاشف ونافذ.


الحرية أصل وكل ما عداها فروع، الحرية هي الغريزة وهي الفطرة وهي الإرادة الإنسانية، الحرية الإيجابية انطلاق على ضوء المعرفة العلمية نحو تحقيق هدف.


ظل الدكتور زكي نجيب محمود يبشر بهذه الأفكار بإيمان وإخلاص وتجرد، وكان إصراره على غرسها عميقاً يتجلى في أسلوب عرضه لتلك الأفكار. ذلك الأسلوب التعليمي الذي يعتمد على التكرار والإلحاح وتقديم الأمثلة وتفصيل المجمل وإيضاح الغامض وتحليل المركب وتبسيط المعقد وتأصيل الشائع واستخلاص الأفكار من شوائب الانفعال والعاطفة لتصبح حركة في جدل العقل مع معطيات الواقع. كان بهذه الأفكار وبهذه السجايا جديراً بأن يكون في أمتنا العربية من رواد التنوير وإشاعة العقلانية وغرس الروح العلمية والتبشير بقيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكنه ظل رغم تعدد كتبه مشروعاً فكرياً حافلاً بمقدمات علمية وعقلانية وتقدمية دون أن تتحول هذه المقدمات إلى لبنات في بناء فكري يتسم بالعمق والتكامل والشمول، لقد توقف بهذه المقدمات في منتصف الطريق، وحاد بها أحياناً عن اتجاهها الطبيعي، وتردد بين الإقدام والنكوص، واكتفى أحياناً بمواقع الدفاع أو مواقف رد الفعل.


والآن ما الذى حال دون اكتمال هذا المشروع ولماذا لم يحقق كل ما يحفل به من وعود؟


أول ما يلاحظه قارئ "حصاد السنين" أن الدكتور زكي عاش حياته بكل مراحلها في عالم من أفكار: أفكار تقود العقل إلى الهدى أو الضلال وتقود النفس إلى الفضيلة أو إلى الرذيلة، وتعيد الوئام أو الخصام إلى الفرق المتناحرة. أفكار تلون العصور وتصنع للمجتمع حالات الفقر والغنى، والقوة والضعف، والصحة والمرض، والتخلف والتقدم، والحرب والسلام، أفكار هائمة فى سماء اللغة والمنطق والبلاغة، لا تلامس الأرض /الواقع / المتغيرات / التحولات، إلخ.


وأظن أن الدكتور زكي تعثر فيما يمكن تسميته بميتافيزيقا جديدة حين تعامل مع الأفكار (متأملاً ومحللاً ومفسراً وباحثاً عن أخطاء التعريف وفساد الاستدلال وعيوب البرهنة والتعسف في استخلاص النتائج، إلخ) دون أن يرد هذه الأفكار إلى سياقها التاريخي (الاقتصادي الاجتماعي السياسي) باعتبارها جدلاً بين قوى اجتماعية ذات مصالح متناقضة.


إن الحروب الأهلية والدولية لا تنشأ عنده بسبب الصراع بين قوى اجتماعية أو دولية تناقضت مصالحها، بل تنشأ عنده بين الفرق المتخاصمة لاختلافها على مبدإ لفظي معين استخلص منه فريق نتائج مختلفة عما استخلصه خصمه، أو تنشأ حين تختلف صورة الفكر النظري عن حقيقة الحياة في واقعها اليومي، وهذا عنده هو سر اندلاع الحرب العالمية الأولي والثانية.


لقد ظن الدكتور زكي أن الصراعات تنشأ بين الدول والجماعات والأفراد بسبب غموض المفاهيم والخلط بين المعاني وترهل اللغة وعيوب الترجمة ولذا كان يكفي عنده كي يحل السلام بدلاً من الصراع أن تتحدد الألفاظ والمفاهيم وتتغير المسميات فنسمى الصراع الطبقي صراعاً فئوياً وتسمى الاشتراكية المذهب الاجتماعي، وندعو إلى الفردية الاجتماعية بدلاً من الاختلاف حول أولوية الفرد أو المجتمع وبنفس هذا الأسلوب في تحليل الموضوعات المختلفة تحليلاً لغوياً ومنطقياً. لم ير الدكتور زكي في قرار تقسيم فلسطين بين مواطنيها الفلسطينيين والدخلاء من اليهود أمراً يتنافى مع منطق العقل طالما أن القرار اشترط ألا يضار أحد من أهل البلاد. إن المشكلة الفلسطينية عنده نشأت لسبب وحيد هو زيادة أعداد المهاجرين اليهود عن الحد الذي يمكن استيعابه في مساحة الوطن اليهودي المحددة بقرار التقسيم.


كانت الثقافة عند الدكتور زكي قيمة تعلو فوق السياسة ولذا كان يؤمن بأن من واجب المثقفين أن يوجهوا السياسيين، وكأن الثقافة قيمة مجردة تهيم فوق الكيانات الاجتماعية وليست جزءاً من إستراتيجية كل كيان يصيغه الصيغة التى تحقق أهدافه وتحمى مصالحه وتكفل له القوة والنمو.


ولكن هل ننتظر من الدكتور أن يوافق على هذا التصور لعلاقة الثقافة بالسياسة هو الذي يصرح بأنه لا يفهم كيف يشارك في حوار سياسي، لكنه قد يشارك في حوار حول التعليم أو الصحة أو الجمارك، إلخ، وهو الذى يرى السياسة مهارة يتمكن بها الأقوى من قهر الأضعف وإخراج هذا القهر في صورة مقبولة شكلاً.


كان الدكتور زكي نجيب محمود يبشر بالعلم ويهيب بنا استخدام المنهج العلمي في مواجهة مشكلاتنا اليومية، لكن العلم عنده لم يتجاوز دائرة العلوم الطبيعية إلى دائرة العلوم الإنسانية، والمنهج العلمي عنده لم يتجاوز ظواهر الطبيعة إلى ظواهر المجتمع تحليلاً لها وتأصيلاً وبحثاً عن جذورها الاقتصادية والسياسية والثقافية والتاريخية.


لقد آمن الدكتور زكي بفكرة التطور التي ينطوي في ظلها كل الكون والتى تتجلي في النبات والحيوان والإنسان (فرداً ومجتمعاً) وهذا يعني التسليم بتطور كل مستويات الحياة البيولوجية والعقلية والاجتماعية والحضارية، لكنه شاء أن يقصر التطور على العلوم فحسب أما الفنون والآداب والقيم فهي عنده لا تتطور، ومنطقه في ذلك أن الكشف العلمي الجديد ينسخ القديم ويلغيه في حين أن الآداب والفنون الجديدة لا تلغي القديمة بل قد تكون القديمة أفضل من الجديدة وأرقى وأجمل، وقد استخلص من ذلك أن المواطن العربي يمكنه أن يلاحق العصر دراسة للعلوم وانتفاعاً بالأجهزة الحديثة واستخداماً للمنهج العلمي في نفس الوقت الذي يتمسك فيه بتقاليده وقيمه وعاداته وبذلك يمكنه أن يلاحق العصر دون أن يخشى الانسلاخ من هويته وتراث ماضيه.


إن العلوم عند الدكتور زكي تخاطب عقل المواطن بينما الفنون والآداب والقيم تخاطب وجدانه، وكل ما يخاطب الوجدان لا يتطور: القيم مثلاً لا تتطور عنده لأن المؤمنين بالأمس قد يكونون أعمق إيماناً، والشعر مثلاً لا يتطور لأن شعراء الأمس قد يكونون أعظم موهبة وأرقي شاعرية من شعراء اليوم (يخلط الدكتور هنا بين القيم والمؤمنين بها والشعر والشعراء) إن الإيمان الحقيقي بفكرة التطور كان لا بد أن يقود المفكر المعاصر إلى شمول التطور لكل جوانب الحياة الطبيعية والإنسانية، تتطور العلوم نحو مزيد من الإحاطة بأسرار الطبيعة وقوانينها ونحو رؤية موضوعية للحياة أكثر عمقاً ووضوحاً وشمولاً، وتتطور الفنون والآداب نحو آفاق أكثر رحابة وقيم أكثر رقياً وإحاطة أكثر عمقاً بأسرار النفس الإنسانية، وكما ترقى الاكتشافات العلمية إلى دائرة أكثر اتساعاً أو أكثر عمقاً كذلك ترقى الفنون والآداب الجديدة على كل التراث الإنساني السابق عليها.


إن الصيغة التي اقترحها الدكتور زكي كى يجعل المواطن العربي يحيا عصره دون أن يفقد هويته أو يتنكر لماضيه تعتمد على تقسيم تعسفي للإنسان إلى عقل ووجدان وعلى تقسيم مماثل لحياته الروحية إلى علمية وثقافية.