تصفية وزارة الثقافة تمهيدا لبناء المستقبل

20/09/2015 - 11:08:39

مبنى وزارة الثقافة فى الزمالك مبنى وزارة الثقافة فى الزمالك

سمير فريد - ناقد سينمائي مصري

حتى نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918) لم يعرف العالم وزارات للإعلام أو الفنون. كل تراث الفنون منذ الحضارات القديمة كان ينتج بدعم من كهنة المعابد، أو الملوك والأمراء، أو عشاق الفن. والمقصود بالفنون هنا الأدب والمسرح والموسيقى والرسم والنحت والرقص، ثم السينما في القرن العشرين الميلادي.


وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وفي الفترة التي اعتبرت بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) فترة ما بين الحربين، عرف العالم وزارات الإعلام والفنون في الأنظمة الشمولية، الشيوعية في روسيا والنازية في ألمانية والفاشية في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال. وذلك بقصد توجيه الفنون لتكون وسائل دعاية لهذه الأنظمة والترويج لأفكارها. وكان النموذج والمثل الأعلى جوبلز وزير الدعاية في ألمانيا النازية، واسمها الرسمي وزارة الإرشاد القومي. وكان هذا هو اسم أول وزارة تعنى بالإعلام والفنون في مصر بعد ثورة الجيش في 23 يوليو 1952، وكان فتحي رضوان (1911-1988) أول وزير لها. ومن المعروف أنه من مؤسسي الحزب الفاشي المصري "مصر الفتاة"، والذي كان شبابه يقومون باستعراضات في شوارع القاهرة بالملابس السوداء للحزب الأم في إيطاليا.


وقد عرفت مصر في الفترة الليبرالية من تاريخها الحديث (1923-1953) دعم الفنون والآداب عن طريق الحكومة ممثلة في وزارة المعارف ووزارة الشؤون الاجتماعية، وعن طريق جوائز عشاق الأدب والفن مثل "جائزة قوت القلوب الدمرداشية" التي كانت أول جائزة يفوز بها نجيب محفوظ (1911-2006) عام 1948. وعندما اقترح رئيس حزب "مصر الفتاة" إنشاء وزارة للثقافة عام 1936، كان العقاد (1889-1964) عضواً في البرلمان ووقف يهاجم الاقتراح عدة ساعات حتى أسقطه. ومما قاله في تلك الجلسة أن المثقفين أكبر من أن يتحولوا إلى موظفين يتصارعون على المناصب الحكومية.


وبعد ثورة يوليو، وعلى النقيض من فتحي رضوان، عمل يحيى حقي (1905-1992) على أن تكون هناك جهة حكومية لإنتاج ودعم الفنون باسم "مصلحة الفنون". وتم حسم الصراع بين المنهجين بإنشاء ثروت عكاشة (1921-2012) وزارة الثقافة، وإنشاء عبد القادر حاتم (1918-2015) وزارة الإعلام، وكلاهما من ضباط الثورة، وتوارى فتحي رضوان ويحيى حقي معاً. كما أنشأ يوسف السباعي (1917-1978) المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وهو الضابط الثالث في المجال إلى جانب عكاشة وحاتم. وبقدر وضوح مفهوم وزارة الإعلام، وكان حاتم يقدر جوبلز، وهذا ما يذكره في رسالته للدكتوراه التي طبعت في كتاب، بقدر غموض وزارة الثقافة، وهو غامض حتى في فرنسا التي ابتكرت هذه الوزارة بعد الحرب العالمية الثانية.


وأكبر دليل على غموض مفهوم الثقافة، الدمج الذي حدث عدة مرات بين الوزارتين، بل وبينهما وبين وزارة السياحة أحياناً. والدمج والفصل الذي حدث في فرنسا أيضاً مع وزارة التعليم تارة، ووزارة الاتصالات تارة أخرى. ولايزال هناك حتى الآن من يفكر في دمج الإعلام مع الثقافة أو دمج الثقافة مع الآثار بعد أن أصبحت وزارة. وهذا يؤكد غياب المفهوم الواضح للإعلام والثقافة والسياحة والآثار معاً. وقد انتهى العالم الديمقراطي إلى عدم ضرورة وجود وزارة للإعلام أو للسياحة، وضرورة وجود وزارة للفنون لدعم الإنتاج في الحاضر، ووزارة للتراث الوطني لحماية إنتاج الماضي. وهناك كليات وعلوم وأصول للدعم، وكليات وعلوم وأصول لحماية التراث. والعلاقة الوحيدة بين الوزارتين علاقة أدبية خالصة، وهي أنهما يتكاملان لصنع مستقبل أفضل.


إذا أردنا صنع مستقبل أفضل يجب تغيير اسم وزارة الثقافة إلى وزارة الفنون، واسم وزارة الآثار إلى وزارة التراث الوطني. ويصاحب ذلك تحديد مفهوم الثقافة، وأنها ليست مسئولية وزارة، وإنما مسئولية مجموعة وزارات يمكن أن نطلق عليها "المجموعة الثقافية" على غرار "المجموعة الاقتصادية"، وهي وزارات التعليم والتعليم العالي والشؤون الاجتماعية والشباب والأوقاف، أي وزارات صنع الوعي. ولا شك أن للفنون دورا في صنع الوعي، ولكنه محدود للغاية. فمن الضروري أن تكون الفنون حرة من دون توجيه حكومي، حتى لو كانت تدعم من الحكومة.


انظر إلى وزارة الثقافة الآن وتأمل. لقد ألغيت الوزارة عام 1980 وأصبحت وزارة دولة، وألغي المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وبدلا منهما أنشئ المجلس الأعلى للثقافة. وبعد فترة وجيزة عادت الوزارة كما كانت، ومع ذلك استمر المجلس، وبذلك أصبح هناك وزارتان للثقافة. ثم جاء وزير الثقافة فاروق حسني وأنشأ صندوق التنمية الثقافية، فأصبحت هناك ثلاث وزارات للثقافة، وفي كل منها مكتب للوزير.


انظر إلى وزارة الثقافة وتأمل، ففيها إدارة للعلاقات الثقافية الخارجية أنشأها عكاشة من أجل صديقه مجدي وهبة (1925-1991)، ورغم أن هناك إدارة مماثلة في وزارة الخارجية. وفيها جهاز للتنسيق الحضاري أنشأه فاروق حسني من أجل صديقه سمير غريب، وهناك إدارة تقوم بالمهمة نفسها في كل محافظة من محافظات مصر. وفيها مركز قومي للترجمة أنشأه حسني من أجل صديقه جابر عصفور، رغم أنه نفسه أصدر ألف كتاب مترجم في المجلس الأعلى للثقافة قبل إنشاء المركز، ولكنه بلغ سن التقاعد، وأراد أن يستمر في العمل الحكومي في وضع خاص.


وتدير وزارة الثقافة الأكاديمية المصرية في روما، والصحيح أن تكون تابعة للسفارة المصرية، أي لوزارة الخارجية. ولكن كيف وهي منتجع لوزير الثقافة وكبار موظفي الوزارة؟


انظر إلى وزارة الثقافة وتأمل، فقد أنشأت وزارة المعارف عام 1938 إدارة الثقافة الشعبية لإنشاء بيوت للثقافة في كل المحافظات لكسر مركزية القاهرة. وكانت هذه البيوت تتبع المحافظات، فثقافة محافظة صحراوية غير ثقافة محافظة بحرية على سبيل المثال، وهذا هو المفهوم العلمي الصحيح. ولكن مع الاشتراكية تم إنشاء هيئة مركزية في القاهرة تتبعها كل البيوت في كل المحافظات، وذلك بغرض التوجيه السياسي. فلم تعد لكسر مركزية القاهرة، وإنما لتأكيدها. وانتهى النظام الاشتراكي، ولكن بقيت الهيئة المركزية.


انظر إلى وزارة الثقافة وتأمل، ففيها أكاديمية تعلم فنون المسرح والسينما والموسيقى، بينما الصحيح أن تتبع وزارة التعليم العالي باعتبارها جامعة مثل كل الجامعات، وخاصة أنها تطبق لائحة الجامعات من الناحية الإدارية والمالية. ولكن كيف تخضع للتعليم العالي، وأين يذهب أصحاب المجاميع الضئيلة من أبناء الفنانين إذا انتقلت تبعيتها من وزارة الثقافة.


انظر إلى وزارة الثقافة وتأمل كيف أن للموسيقى مركزا قوميا تعليميا وللسينما مركزا قوميا وللمسرح بيتا وللكتاب هيئة وللفنون التشكيلية قطاعا. وهل هناك وزارة في العالم لكل اختصاص من اختصاصاتها شكل إداري مختلف؟


هل تعلم أن جريدة القاهرة التي تصدرها وزارة الثقافة تحولت إلى مؤسسة صحفية مثل "الأهرام" و"الأخبار". وهل تعلم أن هذه المؤسسة تصدر مجلة فصلية للفنون يتكلف العدد الواحد منها عشرات الألوف، وربما لا توزع أكثر من مائة نسخة؟


يتحدثون كثيراً عن إهدار المال العام وعن إعادة الهيكلة، ولكن لا شيء يتغير في الواقع. الخطوات التي يجب اتخاذها لوقف إهدار المال العام حقا هي تصفية المجلس الأعلى للثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، وجهاز التنسيق الحضاري، والمركز القومي للترجمة، وإدارة العلاقات الثقافية الخارجية، ومؤسسة القاهرة الصحفية، وتصدر الجريدة عن طريق هيئة الكتاب. وتصفية هيئة قصور الثقافة، وإعادة تبعية القصور إلى المحافظات، ونقل أكاديمية الفنون إلى وزارة التعليم العالي، ونقل الأكاديمية المصرية في روما إلى وزارة الخارجية.


أما وزارة الفنون فتتكون من خمس هيئات للكتاب والموسيقى والمسرح والسينما والفنون التشكيلية، ويكون لكل منها مجلس إدارة موسع يمثل فيه المثقفون بكل اتجاهاتهم ومدارسهم، وذلك بدلاً من اللجان القائمة حالياً في المجلس الأعلى للثقافة. وأن تقوم هذه المجالس كل على حدة باختيار الفائزين بجوائز الدولة. وأما وزارة التراث الوطني فتتولى إدارة كل متاحف مصر بما في ذلك المتاحف التابعة لوزارة الثقافة أو المحافظات حاليا، وتعمل على إنشاء المزيد منها، وإدارة دار الكتب ودار الوثائق القومية إلى جانب حماية الآثار واكتشاف المزيد منها.


أقول قولي هذا وقد بح صوتي وجف قلمي من كثرة ترديده منذ سنوات وعقود، ولكن لا بد أن أقوله.