غرف للإيجار في وزارة الثقافة .. مواطن يهزم ثورة 25 يناير

20/09/2015 - 11:07:35

عبد الواحد النبوى عبد الواحد النبوى

علي عفيفي - شاعر ومخرج مصرى

 إنها قصة قصيرة لكنها طويلة، وأحداثها تتطابق مع الواقع تطابقا تاما، ويبدو أن ما تربينا عليه من حب جارف للوطن، وتطلع لمستقبل أفضل، وقناعة بعظمة مصر وتاريخها ومكانتها، وما قيل لنا عن عبقرية الشعب، كل ذلك جعلنا لا نصدق المهازل التى كانت تحيط بنا، ولا تزال، حتى أصبح الحلم حقيقة، واكتشفنا أن ما عشناه كان هزليا، وأن ما نعيشه اليوم هو التطور الطبيعى للهزل، ويبقى الخلاف حول المصطلح، أهو انحطاط أم اضمحلال، أم كلاهما؟


بدأت الحكاية منذ حوالى 37 سنة عندما استطاع طبيب الحصول على توقيع عبد المنعم الصاوى أيام كان وزيرا للثقافة بمنحه غرفة من غرف قصر السينما التابع لوزارة الثقافة، والكائن في شارع السلاملك بجاردن سيتى، لكى يشهر عليها جمعية أهلية، ونظرا لبراعته فقد حصل على توقيع ممدوح سالم وزير الداخلية آنذاك بتركيب تليفون فى هذه الجمعية. وبحصوله على الغرفة وفواتير التليفون التى تثبت وجوده رسميا فى موقع حكومى من مواقع وزارة الثقافة، استطاع أن يحصل على ما يشاء من إعلانات لإصداراته التى لا تمت للثقافة والأدب بصلة، وتحصل على أموال طائلة باستخدام مقر حكومى، وهو لا يمتلك صفة حكومية أو قانونية. ولك أن تتخيل مقدار الثقة التى يحظى بها مقر حكومى فى فيلا بجاردن سيتى، عبقرى!


    عندما تم ندبى للعمل مديرا عاما للثقافة السينمائية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وفور قيامى بالعمل اكتشفت أن المخصص للإدارة هو عبارة عن غرفتين بالبدروم، غرفة للعاملين وغرفة للمدير، ووجدت أنه من غير اللائق أن يعمل ثلاثون موظفا فى غرفة واحدة، إذ لا يليق هذا بحظائر الدجاج، ولا حظيرة فاروق حسنى، وكان الطبيعى ولا يزال، أن تجد نصف العاملين بالإدارة أو أكثر يتجولون فى الطرقات، أو نائمين فى إحدى قاعات قصر السينما، فطلبت من سعد عبد الرحمن رئيس الهيئة وقتها أن يخصص غرفة أخرى على الأقل للعاملين بالإدارة، وتفتق ذهنه العبقرى عن منح الإدارة "غرفة الطبيب"، ووقتها لم يكن لدى أدنى فكرة عن هذه الغرفة، وببراءة الأطفال وافقت على تسلم الغرفة، فشكل سعد عبد الرحمن لجنة من الشؤون القانونية وغيرها، لجرد محتويات الغرفة، وإخلائها، ثم تسليمها لإدارة السينما، بعد أن استصدر قرارا من وزير الثقافة وقتها، الدكتور عماد أبو غازى، باسترداد الغرفة.


    وقامت اللجنة بفتح الغرفة وجرد محتوياتها، وطلبوا منى استلامها والتوقيع على المحتويات التى كانت عددا من الكراسى وطاولة، وخزنة قديمة فى عمق الحائط حتى لا يستطيع أحد اقتلاعها، وبالطبع رفضت استلام الغرفة بمحتوياتها، وأعلنت أننى سوف أتسلمها فارغة، وقمت بنفسى بمساعدة بعض العاملين بالإدارة بإخراج المحتويات.


يعمل بعض الموظفين ورجال الأمن بقصر السينما لصالح الطبيب الذي أصبح رئيس حزب، فاتصلوا به، وخلال ساعة أرسل رجلا وامرأة راحا يسبان ويصيحان، فى استفزاز للعاملين بالقصر وإدارة السينما، ولم يحرك أحد ساكنا، فنزلت لهما وسألتهما عن صفتيهما، وطلبت منهما مغادرة الغرفة ثلاث مرات، ولما رفضا، أغلقت عليهما الغرفة بقفل، وطلبت شرطة النجدة، قائلا إننى مدير عام السينما وأحتجز اثنين من اللصوص فى الإدارة، وحضر الضابط سريعا إلى الإدارة حيث لا يبعد قسم شرطة قصر النيل كثيرا عنا.


    فتحت الغرفة وطلبت من الضابط القبض على الرجل والسيدة، فقال لى: لا تخبرنى بما يجب على أن أفعل، "إنت حتعرفنى شغلى، أنا ماشى"، فقلت له: أنا آسف قم بعملك بالطريقة التى تشاء. ويبدو أن كثيرا من المكالمات والأحداث كانت تجرى فى الكواليس، ولم أكن على علم بها.


    كان ذلك فى الشهور الأولى من 2011 بعد اندلاع مقدمات ثورة يناير، وكنت أبلغ سعد عبد الرحمن لحظة بلحظة بما يحدث، وطلبت منه مرارا وتكرارا أن يأتى إلى قصر السينما، حيث يمكنه أن يتخذ قرارات وأن يتصل بالمسئولين، لكنه لم يفعل، وطلبت منه أن يرسل رئيس الإدارة المركزية للشئون الفنية ومدير عام الشئون القانونية، فلم يفعل، ووجدت نفسى وحدى فى مواجهة الطبيب رئيس الحزب.


طلب منى سعد عبد الرحمن رئيس الهيئة التوجه لوزير الثقافة عماد أبو غازى، وبعد نصف ساعة كنت جالسا مع الوزير، وبصحبته حسن خلاف الذى كان يعمل مديرا لمكتبه، وبالمناسبة هو ضابط سابق، وأخبرنى الدكتور عماد أننا سوف نمهل "ساكن الغرفة" أسبوعا، لكى يتمكن من نقل محتويات الغرفة، فقلت له: أنا سأقوم بنفسى بتأجير سيارة ونقل المحتويات حيث يشاء، فاضطر الوزير إلى إخبارى بأن سامى عنان توسط فى منح المهلة، وكان سامى عنان هو الرجل الثانى فى مصر الثائرة آنذاك، وكان ردى على الوزير: أنت الذى أصدرت قرارا باسترداد الغرفة، وأنا كنت أحاول تنفيذ قرارك، ولك أن تقرر الآن ما تشاء، لكننى أنبهك أننا إن لم نسترد الغرفة اليوم، فلن نستردها أبدا. وتفضل السيد حسن خلاف بتوجيهى شفويا بالذهاب إلى قصر السينما ومنح "ساكن الغرفة" أسبوعا مهلة، فقلت له إن الوزير يكتب ما يشاء وأنا سأقوم بالتنفيذ، فهذه الغرفة لا تخصنى شخصيا، ولكنها تخص وزارة الثقافة، وفعلا حرر حسن خلاف ما يفيد السماح له بمهلة أسبوعا، ما زلت أحتفظ بها حفظا لوثائق المهازل التاريخية فى مصر.


المهم عدت بخفى حنين إلى قصر السينما لأجد "ساكن الغرفة" واقفا أمام الغرفة، وحوله أكثر من 20 شخصا من أتباعه، وحاول بعض الزملاء فى الهيئة منعى من دخول القصر ودخول مكتبى خوفا عليّ، ولكني توجهت لمكتبى، وسط ذهوله ومن معه من البلطجية!


والغريب أن مدير عام الشئون القانونية بالهيئة العامة لقصور الثقافة لم يرفع قضية لاسترداد الغرفة، ولم يسلمها "ساكن الغرفة" بعد أسبوع، ولا بعد أربع سنوات، ولم يفتح سعد عبد الرحمن الموضوع مرة أخرى، كما لم يفتحه أحد من الوزراء اللاحقين، وكأنه مدعوم من التحالف الغربى والعربى، وكأنه أقوى من الحكومة ومن الدولة، الدولة التى منحته غرفة فى مقر لها فى سابقة تاريخية فريدة من نوعها.


ليكن هذا بلاغا إلى وزير الثقافة الدكتور عبد الواحد النبوى، أملا في تحرير الغرفة التى تم الاستيلاء عليها دون سند من قانون أو منطق، اللهم إلا إذا كانت وزارة الثقافة تسهم عمليا فى كتابة فصول واقعية من أدب اللامعقول، أو الواقعية السحرية!


    وفى حالة التقاعس عن استرداد الغرفة، أطلب من الوزير تخصيص غرفة لنا فى المجلس الأعلى للثقافة مطلة على النيل، أسوة بالمواطن الذى خصصت له وزارة الثقافة غرفة فى قصر السينما بجاردن سيتى منذ 37 سنة، لم يدفع خلالها إيجارا، ولا فاتورة كهرباء، ولا فاتورة مياه، أو عوائد، ودون سند قانونى، من وزير فرط فى حق الدولة بهذه المهزلة، ووزراء بعده، لم يستطيعوا استرجاع غرفة مغتصبة بالتدليس، كما أهيب بالمواطنين المصريين الذين لا يجدون مأوى لهم، تقديم طلبات إلى الوزارات المختلفة لتخصيص غرف لهم فى وزارات الداخلية والخارجية والثقافة والزراعة وغيرها، والمقرات التابعة لها فى المحافظات، دون إيجار أو رسوم، أو تحصيل مبالغ نظير خدمات الكهرباء والمياه والمجارى، أسوة بهذا المواطن. كما يطيب لى أن أنبه السيد مالك العقار رقم 4 شارع السلاملك بجاردن سيتى أنه يستطيع طرد الهيئة العامة لقصور الثقافة من العقار، لأنها قامت بمنح العقار لشخص غير ذى صفة بالوزارة أو الحكومة، وأنه تم استخدام الغرفة لأكثر من 37 سنة فى أغراض غير التى ينص عليها عقد الإيجار مع الهيئة، فربما يفلح صاحب العقار فى استرجاع الغرفة بعد أن فشلت حكومات 37 سنة.