أزمة تشكيل الحكومة وكيفية اختيار الوزراء!

16/09/2015 - 2:01:30

  د. عاطف صدقى د. عاطف صدقى

بقلم - عزت بدوى

تعد حكومة المهندس شريف إسماعيل التي انتهي من تشكيلها هذا الأسبوع الوزارة رقم ٩٨ في تاريخ الحكومات المصرية منذ تشكيل أول نظارة في عهد الخديو توفيق برئاسة نوبار باشا في ٢٨ أغسطس عام ١٨٧٨ والوزارة العاشرة منذ ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ والرابعة منذ قيام ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ .


وتعد عملية اختيار الوزراء من أصعب المهام الشاقة التي يتعرض لها رؤساء الحكومات عند تكليفهم بتشكيل حكوماتهم خاصة لمن لم يسبق لهم شغل مناصب وزارية من قبل.. فصناعة وزير عملية صعبة جداً، خاصة أن رئيس الجمهورية يطلب من يقع عليه الاختيار لتشكيل الحكومة مهلة زمنية محددة للانتهاء من تشكيلها وغالباً ما يتراوح ما بين أسبوع إلي عشرة أيام،


وإذا كان البعض يري أن هذه الفترة كافية لاختيار الوزراء المطلوبين خاصة أن وزراء الحقائب السيادية وهي الدفاع والداخلية والخارجية والعدل والإعلام قبل إلغائها بعد ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ يتم اختيارهم بمعرفة رئيس الجمهورية ذاته إلا أن رئيس الحكومة المكلف بتشكيل الحكومة يجد أنها فترة قصيرة وغير كافية رغم ما تضعه الأجهزة الأمنية والمعلوماتية أمامه من تقارير وتحريات تشمل كل كبيرة وصغيرة حول الأشخاص المرشحين للوزارات المختلفة ومؤهلاتهم العلمية وخبراتهم العملية وما حققوه من إنجازات ونجاحات في المواقع التي شغلوها من قبل بجانب فحص دقيق لسيرتهم الذاتية وأسرهم جنائياً وسياسياً.


ولقد أتيحت لي من قبل فرصة التعرف عن قرب علي المعاناة والصعوبات التي تواجه رؤساء الحكومات عند تكليفهم بتشكيل حكوماتهم عندما تم تكليف المرحوم الدكتور عاطف صدقي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بتشكيل حكومته الأولي في نوفمبر عام ١٩٨٦ حيث اتخذ الرجل من مبني جهاز المحاسبات بمدينة نصر مقراً لمقابلة المرشحين للمناصب الوزارية المختلفة في حكومته، وبحكم علاقتي القوية بالرجل في ذلك الوقت تابعت عن كثب عملية اختياره لوزرائه وعايشت معاناته وكواليس المشاورات التي أجراها مع العديد من الشخصيات العامة السياسية والاقتصادية وأساتذة الجامعات لسرعة الانتهاء من تشكيل حكومته تلك الكواليس التي نشرتها في حينها في مجلة “المصور” عام ١٩٨٦ لما تضمنته من مفارقات عجيبة وغريبة خاصة أن النهايات اختلفت تماماً عن البدايات في عملية الاختيار.


وأدركت في هذه التجربة أن استدعاء الشخصية المرشحة للمنصب الوزاري لا تتم إلا بعد طرح اسمه علي الأجهزة الرقابية خاصة هيئة الرقابة الإدارية التي تتولي إعداد تقرير شامل عن ذمته المالية وأسرته ومسلكه الوظيفي السابق ومدي صلاحيته للمنصب الوزاري المرشح له ويكمل هذا التقرير الرئيسي تقارير مماثلة من الأمن العام والمخابرات العامة وجهاز أمن الدولة “الأمن الوطني” حالياً، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتطلب الأمر إعداد تقارير مماثلة من هذه الجهات عن العديد من الشخصيات التي تصلح لهذا المنصب لتوفير أكبر قدر من البدائل أمام القيادة السياسية ورئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة للاختيار من بينها وكل ذلك دون أن يشعر الأشخاص الذين يتم التشاور معهم أنهم خضعوا لفحص وتحريات من العديد من الأجهزة الأمنية والرقابية قبل استدعائهم والعرض علي من يصلح منهم المنصب المرشحين له.


والأخطر من ذلك أن رئيس الوزراء المكلف كثيراً ما يفاجأ بالرفض من جانب الأشخاص المرشحين وقد حدث ذلك بالفعل في التجربة التي عايشتها علي أرض الواقع حينما قام المرحوم الدكتور صدقي باستدعاء المرحوم علي نجم والذي كان يشغل منصب محافظ البنك المركزي في ذلك الوقت ليعرض عليه تولي الحقيبة الوزارية لمنصب وزير الاقتصاد حيث كانت الأزمة الاقتصادية في ذلك الوقت بلغت أشدها وتعاني البلاد من ندرة في النقد الأجنبي بعد سيطرة شركات توظيف الأموال في تلك الفترة علي تحويلات المصريين في الخارج من المنبع في دول الخليج وحرمت منها البنوك المصرية كما انتعشت تجارة العملة في السوق السوداء ويوجد صعوبة شديدة في استيراد مستلزمات البلاد من السلع الاستراتيجية من الخارج.


لكن كانت المفاجأة بعد انتهاء مقابلة محافظ البنك المركزي في ذلك الوقت مع رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة هو رفضه بشدة ترك منصب محافظ البنك المركزي وشغل أي منصب وزاري سواء وزيراً للاقتصاد أو غيره ليجد الدكتور عاطف صدقي نفسه في مأزق شديد خاصة أنه كان يعول كثيراً علي محافظ البنك المركزي في شغل هذا المنصب وكان المفروض أن تؤدي الحكومة اليمين أمام رئيس الجمهورية في صباح اليوم التالي ليؤجل انتهاء التشكيل بالكامل وتكرر نفس السيناريو مع منصب وزير المالية وأمام الاعتذارات الكثيرة من الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار يلجأ رئيس الوزراء المكلف إلي أصدقائه الموثوق بهم الذين يصلحون لهذه المهمة يطلب من الأجهزة الأمنية فحصهم جنائياً وسياسياً على عجل بعد تكرار الاعتذارات ويتم اختيار رئيس المجموعة الاقتصادية بجهاز المحاسبات فى ذلك الوقت الدكتور يسرى على مصطفى والذى كان يعمل فى الجهاز بجانب رئيس الوزراء المكلف لشغل منصب وزير الاقتصاد، كما يتم اختيار الدكتور محمد الرزاز أستاذ المالية العامة بجامعة القاهرة لشغل حقيبة وزير المالية والذى حقق نجاحا بارز اً فى منصبه الوزارى بعد ذلك بما فرضه من ضرائب ورسوم أرهقت جيوب المصريين وبما استنه من فرض ضريبة على المبيعات لأول مرة فى مصر حققت فى عامها الأول ٧ مليارات جنيه مصري ونجح فى زيادة إيرادات الدولة بما أهلها لتوقيع برنامج الإصلاح الاقتصادى مع صندوق النقد الدولى رغم أن اختياره لمنصبه الوزارى جاء بمحض المصادفة حينما جاء بعد منتصف الليل لجهاز المحاسبات ليأخذ صورة تذكارية وأسرته مع رئيس الوزراء الجديد وتهنئته بمنصبه الوزاري حيث كانت السيدة زوجته تعمل بجهاز الحاسبات فعرض عليه الدكتور عاطف صدقى شغل منصب وزير المالية ولاسيما أنه كان يعانى فى اختيار من يشغله .


وقد كشف لى رئيس الوزراء فى ذلك الوقت أنه أمام ضيق الوقت المحدد لتشكيل الحكومة ومسئولية رئيس الحكومة المكلف عن نجاح وفشل من يختارهم فى حكومته أمام القيادة السياسية والشعب فلابد أن يلجأ رئيس الحكومة المكلف بتشكيلها إلى من يثق فيهم ويعرفهم ويثق فى أدائهم من قبل للاختيار من بينهم لأنهم إذا نجحوا فى مهمتهم فسيكون النجاح لهم ولصالح الشعب .


أما إذا فشلوا فإنه وحده الذي يتحمل مسئولية فشلهم لذلك عندما صدر قرار تكليفه بتشكيل الحكومة طرح على الأجهزة الرقابية أسماء من يثق فى آدائهم ويعرفهم والذين تعامل معهم من قبل سواء أثناء عمله فى السفارة المصرية فى باريس أو فى جهاز المحاسبات والتى عرفت «بشلة الطاولة» فى ذلك الوقت حيث كانوا يتجمعون جميعا حول لعبة الطاولة فى بعثتهم فى باريس .


لم يكن ما قام به المرحوم د. عاطف صدقى فى منتصف الثمانينيات سوى سنة يتبعها رؤساء الحكومات وأعتقد أنها مازالت سارية بصورة أو أخرى لكيفية اختيار الوزراء فى حكوماتهم حيث يلجأ كل رئيس حكومة إلى اختيار معاونيه إما من الجهة التى يعمل بها أو أصدقائه فى المواقع المختلفة الذين يثق فى آدائهم لأنه سيحاسب عليهم.