حتى لا يتكرر فساد صلاح هلال

16/09/2015 - 1:24:41

عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

كتب -عبد اللطيف حامد

يخطئ من يتخيل أن قضية فساد وزير الزراعة «صلاح هلال» ستكون الأخيرة فى مجال تقنين أراضي وضع اليد أو الأراضى المستصلحة طالما منظومة تخصيصها مليئة بالثغرات والثقوب أمام الفاسدين، خصوصا مافيا الأراضى من أصحاب المعارف وشبكة العلاقات بالمسئولين فى الدولة، ويستطيعون زغللة عيونهم بالرشاوى من شتى الأنواع، وبمختلف الحيل حتى يسيل لعابهم، ويجرى ريقهم عندما يسمعون أرقام مبالغ التسهيلات من الجنيه إلى المليون وصولا للمليار لو لزم الأمر.


حكاية قضية الفساد الكبرى بوزارة الزراعة الأخيرة لا يجب أن تمر على الدولة مرور الكرام، ودون تدبر قائمة من العبر والدروس من أجل إصلاح حال هذه المنظومة لتكون منبعا جديدا لزيادة الرقعة الزراعية، ودعم موازنة الدولة بمليارات الجنيهات، وفى الوقت نفسه تحقيق رضا عام من الفلاحين على النظام الحاكم، ورفع معدل انتمائهم للوطن عن قناعة وليس مجرد كلام وشعارات جوفاء لا طائل منها؛ لأنهم الأكثر أحقية بالحصول على قطعة أرض يأكلون منها العيش بالكد والعرق .. لا بالتسقيع والبيع، وقبل كل هذا إغلاق منافذ الفساد التى تزكم الأنوف بطول البلاد وعرضها، ولا تطال يد القانون من حيتانها إلا القليل.


وعلى سبيل المثال وليس الحصر:


أولا: سرعة توحيد جهة الولاية على كافة أراضى الدولة، خصوصا الصالحة للزراعة حتى يستطيع من يريد الاستصلاح أو من استصلح بالفعل أى مساحة أن يحصل على التراخيص اللازمة دون الدخول فى دوامة ما يقرب من عشر جهات منها الزراعة والرى والمحاجر والقوات المسلحة والمحافظات، وكل جهة تدعى أن هذه المساحات تقع ضمن اختصاصها، وأحيانا تلقى كل جهة المسئولية على الأخرى، ويدوخ المواطن السبع دوخات طبعا لو كان من البسطاء والمزارعين الغلابة الجادين، أما حيتان الأراضى لهم طريق سالك لتخليص المصالح.


ثانيا: ضرورة أن تحدد الدولة من خلال هذه الجهة المناطق الصالحة والمسموح بزراعتها بشكل واضح للراغبين فى كل محافظة أو مركز ليكون الجميع على بينة من أمرهم دون حاجة للمسارعة فى وضع اليد، ثم البحث عن التقنين.


ثالثا: وضع ضوابط وشروط واضحة لا تنازل عن توافرها فيمن يتقدم لشراء أو تقنين مساحة معينة منها وجود زراعات فعلية ومنتجة، وعلى مدى عدة سنوات، وعدم تحويلها أبدا إلى مبان، حتى لو مجرد بيت ريفى؛ لأنه سيكون بابا لإقامة عزبة أونجع بمرور الوقت على حساب الزراعة، ثم يقوم المالك بالبيع لأهالى القرى المجاورة بالمتر والقيراط مستغلا ضيقها بمن فيها ليجمع ملايين من ناحية، ويصبح صاحب عزبة من ناحية أخرى يمارس فيها السطوة والجبروت على الغلابة وكأنها وسية ورثها كابرا عن كابر، ولدى عدة حكايات فى هذا الشأن فى محيط بلدتى بمحافظة بنى سويف منهم الطبيب المشهور الذى استطاع قبل ثورة يناير الحصول على مساحة شاسعة من الأراضى، وتملك قرابة ستين فدانا منها بمبلغ زهيد فى حضور لجنة كاملة من العاصمة ذهبت خصيصا لإنهاء كافة الإجراءات فى الحال، بل تولى هو شخصيا تحديد الطول والعرض لها بخطوات رجليه وليس شريط القياس وفقا لتأكيدات الجيران.


رابعا: على الدولة أن تدرك أن الأراضى الزراعية فى كل الدول لها قيمة اجتماعية، وبيعها لمن يدفع أكثر أو فى المزادات جريمة فى حق الوطن والمواطنين؛ لأن المفترض أنها ـ الأرض ـ من عوامل الاستقرار فى المجتمع، ومن أهم وسائل تقليل الفجوة الغذائية، وبالتالى من يشتريها عليه مراعاة هذه الاعتبارات وليس اتخاذها مدخلا للثراء السريع، فلا يمكن هنا أن تبرر الغاية الوسيلة على غرار السياسة السائدة خلال السنوات الأخيرة.


خامسا: تسهيل الإجراءات أمام المزارعين الجادين فى كل المناطق والمحافظات لتقنين وضع أراضيهم التى تقع خارج الزمام، وعانوا «الأمرين» فى استصلاحها وزراعتها فى شمس الصيف الحارقة وبرد الشتاء القارص، وباعوا فى سبيلها حتى مصوغات الزوجات والأمهات، ومازالوا ينتظرون منذ سنوات طويلة لتملكها بسعر معقول يتناسب مع حجم ما انفقوه، ويضطرون لقلة حيلتهم للوقوع فى براثن شبكة الفساد متعددة الحلقات لإنجاز هذه الرغبة صعبة المنال دون جدوى.


فساد هلال ورفاقه ـ رغم فظاعته ـ لا يجب أن ينسى الدولة وفى مقدمتها الرئيس عبدالفتاح السيسى ورئيس الوزراء الجديد المهندس شريف إسماعيل وخليفته بعد البرلمان الجديد أن تبنى سياسة جادة وشفافة فى التعامل مع ملف أراضى تقنين وضع اليد مع صغار المزارعين قبل الكبار لن يقل أهمية عن مشروع المليون فدان، وسيفتح باب الإنتاج على مصراعيه لزيادة الإنتاج الزراعى دون تحميل موازنة الدولة مليما جديدا، بل دعمها بعدة مليارات، وتجفيف منابع الفساد نهائيا، فهل من مجيب؟ .. والله أعلى وأعلم.