حــق الشهيد.. عملية حاسمة فى الوقت المناسب

16/09/2015 - 3:33:47

تحليل إخبارى يكتبه: أحمد أيوب

بالمعايير العسكرية تستحق عملية «حق الشهيد» أن توصف بغير المسبوقة، فهى العملية الأشمل والأكبر والأكثر ردعا وحسما فى مواجهة العناصر الإرهابية وبتكتيك جديد لم يسبق استخدامه فى مواجهة عناصر إرهابية تتخذ من مناطق سكنية مأوى لها، فالعملية مثلما تميزت بالقوة اتسمت أيضا بالدقة والذكاء الشديد، الذى ترتب عليه التعامل مع الإرهابيين وفى مناطق تواجدهم دون أن يطال المدنيين الأبرياء سوء من المواجهات، معادلة لم تستطع كثير من جيوش العالم المتقدمة تحقيقها عندما تعاملت داخل مدن ومناطق سكنية وسقطت فى مواجهة تنظيمات إرهابية، لكن رجال الجيش المصرى وبسبب الخبرة، التى اكتسبوها على مدار العامين الماضيين فى حربهم على الإرهاب داخل سيناء نجحوا فى وضع خطة محكمة ومتكاملة تستهدف الحصار الكامل وتضييق الخناق على العناصر الإرهابية وفصلهم تمامًا عن المدنيين بحرفية قتالية، وبتحركات تتميز بالعقلانية والحسم فى الوقت نفسه، لا مجال للعشوائية، التعامل يتم بحساب، والضربات لا توجه متسرعة، فالعملية تعتمد منذ بدايتها على المعلومات الدقيقة، والتى يتم تأكيدها بكل الطرق، فلا تكتفى القوات بإرشاد أهالى المنطقة عن وجود بؤرة إرهابية، وإنما توثق المعلومات بوسائلها وعبر مصادر الخدمة السرية، وبناءً على ذلك تتحرك القوات للقبض على العناصر المرصودة،


فى كل العمليات تقريبا كانت البداية بتوجه القوات للقبض على العناصر لكنها فوجئت بإطلاق النيران من قبل الإرهابيين، مما اضطرها للتعامل معهم بمنطق حق الدفاع الشرعى عن النفس الذى تعرف القوات المسلحة حدوده تمامًا.


العملية تتميز أيضًا هذه المرة بأنها لا تتجاهل مناطق ولا تنحصر فى مكان محدد، فالخيارات مفتوحة أمام القوات حسب ما تتطلبه الأوضاع الميدانية وتقودها إليه المعلومات، التى ترصد تواجد العناصر الإرهابية فى مناطق مكافحة النشاط الإرهابى وهى تحديدا مثلث الشيخ زويد العريش رفح.


ليس هذا فحسب، فالعملية التى تم الإعداد لها منذ فترة وبإشراف ومتابعة مباشرة من القائد العام الفريق أول صدقى صبحى تشارك فيها ولأول مرة كل الأسلحة تقريبا لتحقيق الحصار الشامل والحسم، فالمدفعية الخفيفة عنصر أساسى فى التعامل مع الأهداف الكبيرة، وقصفها عندما تتطلب الضرورة ذلك، والقوات البحرية بقواتها الخاصة ذات التسليح العالى تفرض الحصار البحرى من خلال احتلالها المناطق الحاكمة والسيطرة الكاملة على شاطئ المتوسط المواجه لمنطقة المكافحة لمنع تسلل أو هروب الإرهابيين عبر البحر أو وصول أى إمدادات بحرية لهم، كما أن الضفادع البشرية التى تستخدم اللنشات السريعة تشارك فى العملية كوسيلة إنزال ومعاونة نيرانية والتعامل مع أى أهداف أو عناصر تظهر فى هذه المناطق وبالفعل تعاملت القوات البحرية بنجاح مع بعض الأهداف الإرهابية التى ظهرت على الشاطئ.


وفى الوقت نفسه القوات الجوية تشارك فى رصد إحداثيات مناطق تواجد العناصر الإرهابية وتوفير الغطاء الجوى للقوات أثناء تحركها وتنفيذ عمليات الاقتحام للأوكار والعشش والملاجئ الإرهابية، إضافة إلى مشاركتها فى قصف تجمعاتهم بالذخائر الذكية، التى توجه إلى أهداف محددة فى مناطق بعينها.


وقوات الانتشار السريع تتعامل بقوة ومهارة قتالية رائعة مع أى عناصر تظهر على مسرح العمليات فى منطقة المكافحة، كما تشارك القوات الخاصة والصاعقة فى تمشيط مناطق تواجد الإرهابيين واقتحام أوكارهم والقبض على بعض العناصر.


وكل هذا يتم بينما سلاح المهندسين العسكريين ينفذ أكبر عملية تطهير وتأمين لطرق ومناطق تحرك القوات من العبوات الناسفة التى أصبحت هى العدو الحقيقى الآن للقوات، فالإرهابيون وبسبب حالة الذعر التى سيطرت عليهم من قوة الضربات لجأوا إلى الفرار واستخدموا العبوات الناسفة وزرعوها فى طرق القوات، لكن ولأن العملية هذه المرة شاملة ولم تترك احتمالًا إلا وتعاملت معه، فقد تكفل المهندسون العسكريون بتلك العبوات الإرهابية وتفجيرها بأحدث الأجهزة، وبالفعل منذ بدء العمليات تمكنت من تفجير ما يزيد على ٢٣٠ عبوة ناسفة كانت تستهدف القوات فى تحركاتها، وعدد قليل من العبوات انفجرت واستشهد فيها بعض رجال القوات المسلحة وأصيب آخرون.


كل المعلومات تؤكد أن العملية جاءت فى الوقت المناسب، فالإرهابيون الذين تم التعامل معهم من قبل قوات إنفاذ القانون من الجيش والشرطة وتصفية ما يربو على ٣٦٠ عنصرًا منهم كانوا يتحصنون فى مواقع ومخابئ فى مناطق مختلفة، تمهيدا للتحرك وتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف القوات المنتشرة فى سيناء، وكثير من العناصر جاءت من خارج مصر عبر الأنفاق ومن جنسيات مختلفة بهدف توجيه عمليات كبيرة فى محاولة للرد على الضربة القاضية، التى وجهتها لهم القوات المسلحة فى بداية يوليو الماضى، ولهذا فتوقيت بدء عملية «حق الشهيد» كان مدروسًا بعناية لاصطياد أكبر عدد ممكن من الإرهابيين وفى الوقت نفسه إفساد مخطط العمليات التى كانوا يجهزون لها، فالعمليات حتى الآن تمكنت من اقتحام أكثر من ٧٧ وكرا و٣٥٥ عشة كان يستخدمها الإرهابيون كمناطق انطلاق إضافة إلى عشرة ملاجئ كانوا يتخفون فيها فى حال تعرضهم لمداهمات من الجيش والشرطة، وضبطت ألف مفجر كهربائى كما دمرت القوات ١٣ مخزنا كانت بها أنواع مختلفة من الأسلحة، وأكثر من ثلاثة أطنان ونصف الطن من المواد المُعدّة للتفجير التى كانت ستستخدم فى تفجير مواقع وكمائن أمنية بسيناء، بجانب ١١٣ دراجة وعديد من سيارات الدفع الرباعى التى كانت مجهزة لعمليات ستنفذ.


حماية أبناء سيناء الأبرياء فى منطقة المكافحة كان من البداية أحد أهم أهداف العملية، فالقوات تتعامل بحذر شديد وبدقة من أجل عدم تعريض هؤلاء الأبرياء لأى خطر بسبب العمليات، ولذلك ففى حالة التعامل مع مناطق يتحصن بها الإرهابيون ويتواجد بها سكان لا علاقة لهم بالإرهاب لا تتعامل عناصر إنفاذ القانون إلا بعد توجيه إنذار واضح لخروج الأبرياء وحمايتهم، كما أن التوجيهات الواضحة من القيادة العامة لرجال القوات المسلحة المشاركين فى العملية أكدت على ضرورة تحديد الأهداف الإرهابية بدقة شديدة واستخدام الذخائر بذكاء بما لا يهدد الأبرياء، وتأكيدا لهذا المعنى وعدم الإضرار بالأبرياء كان جزءًا من تحرك القوات المسلحة عدم تجاهل البعد الاجتماعى فكان توجيه القائد العام الفريق أول صدقى صبحى بتعويض أبناء منطقة العمليات المضارين والذين تركوا منازلهم للبعد عن الخطر، وبالفعل تم تقديم مساعدات عينية ومادية لنحو ١٤٢٨ أسرة سيناوية، بل وكانت القوات المسلحة حريصة على أن تتضمن المساعدات الأدوات والمتطلبات المدرسية لأبناء تلك الأسر من الطلبة.


ويرتبط بهذا الهدف أيضًا حرص القوات المسلحة على فصل منطقة العمليات عن باقى سيناء، من خلال قيام رجال الجيشين الثانى والثالث بتنفيذ خطة محكمة لعمل طوق أمنى حول هذه المناطق وتنظيم العديد من الكمائن الثابتة والمتحركة بالدروب والطرق والمدكات التى يحتمل أن تستخدمها العناصر الإرهابية للهروب إلى مناطق أخرى، فضلا عن أن استمرار العمليات بلا توقف ليلا ونهارا طوال الأربع وعشرين ساعة حتى لا تعطى الإرهابيين فرصة لالتقاط الأنفاس أو الإفلات من القوات التى تصر على أنه لا راحة ولا هدوء ولا توقف قبل أن تحقق العملية أهدافها وتخلص سيناء تماما من العناصر الإرهابية أو على الأقل تشل حركة الإرهابيين وتقطع كل سبل الإمداد عنهم وإجبارهم على الاستسلام لتبدأ سيناء مرحلة التنمية التى تعطلت طويلا بسبب هؤلاء المجرمين، ولهذا ورغم أن القيادة العامة لم تحدد موعدًا لانتهاء «حق الشهيد» وتركته مفتوحا حسب ما تفرضه ظروف التعامل مع الأهداف الإرهابية إلا أن القوات المشاركة فى العملية حريصة على سرعة إنجاز المهمة لعودة الحياة هناك إلى طبيعتها وتقليل معاناة أهل المنطقة وعودتهم إلى بيوتهم وبدء خطة التنمية.


وربما يرتبط بهذا أيضا ويؤكد تمسك القوات المسلحة بقصر العمليات على المتورطين فى الإرهاب فقط دون المساس بالأبرياء أن من يتم القبض عليهم من المشتبه بهم تتولى الجهات الأمنية المختصة دراسة حالاتهم سريعا والإفراج عن كل من يثبت عدم تورطه فى الإرهاب ولا تربطه علاقة بأى عناصر أو تنظيمات إرهابية، وبالفعل من بين نحو ٣٠٠ شخص تم القبض عليهم أفرجت القوات المسلحة عن أكثر من ٨٠ شخصًا بعد أن تأكد من عدم ثبوت أى اتهامات فى حقهم. ولأن العملية شاملة فلا تقتصر فقط على الإرهابيين، وإنما تتصدى وتتعامل أيضًا مع كل الخارجين عن القانون سواء تجار المخدرات أو المهربين، وبمجرد القبض عليهم تتم إحالتهم للجهات الأمنية للتعامل معهم وفقا للقانون.


الأكيد أن قوة العملية أربكت الإرهابيين فلم يجدوا من وسيلة أمامهم إلا اللجوء إلى أى محاولات مجنونة لإثبات وجودهم أو إحراج القوات المسلحة وإيقاع الفتنة بينها وبين أبناء سيناء من خلال تنفيذ عمليات انتحارية عشوائية تستهدف من يتواجد فى طريقها دون تفرقة بين مدنيين أو عسكريين، فقد شهدت الأيام الماضية بالفعل قيام عناصر إرهابية بعدد من المحاولات الانتحارية فشلت أغلبها، إحداها استشهدت فيها سيدة ، وأخرى استهدفت كمينًا أمنيًا لكن قوة الكمين نجحت فى التعامل معها وتفجير السيارة خارجه، كما ضبطت سيارة مفخخة فى أحد الطرق كان مخططًا لتفجيرها أثناء مرور القوات، والتعامل بنجاح مع سيارة أخرى كان بها إرهابيون فى طريقهم لتنفيذ عملية انتحارية، لكنهم اضطروا للفرار بسبب قوة القصف.


لكن كل هذه العمليات الخسيسة لم تؤثر فى قناعة أبناء سيناء وتأكدهم من وقوف القوات المسلحة بجانبهم وأنها تستهدف بالأساس اقتلاع جذور الإرهاب لتمكنهم من مساكنهم وأراضيهم وليس الإضرار بهم، ولم يكن هذا مجرد شعور وإنما واقع عبر عنه أبناء تلك المناطق، التى تخوض فيها القوات المسلحة عملياتها لمكافحة النشاط الإرهابى، بل وكان التعبير الأهم عن دعم أبناء سيناء الوطنيين للقوات المسلحة إيجابياتهم فى دعم القوات بكل ما يتوافر لهم من معلومات تساعد على الوصول للبؤر الإرهابية أو رصد تحركات العناصر المسلحة، فكما يقول أحد العسكريين كان للمعلومات، التى قدمها أبناء سيناء دور كبير فى نجاح العملية وتحقيقها الأهداف المرجوة منها.


خلاصة الأمر أن العملية التى لم تجد القوات المسلحة اسمًا وعنوانا لها خير من «حق الشهيد» تكريما لكل شهداء الواجب، وتأكيدا على أن المؤسسة العسكرية لا تتنازل عن حق أبنائها والثأر لهم، لن تتوقف إلا بعد أن تتأكد القيادة العامة من أن سيناء بالكامل وتحديدا مثلث العمليات (الشيخ زويد والعريش ورفح) مستقرة أمنيا ولا تهددها أى عناصر إرهابية وجاهزة تماما للخطط التنموية.


هذا وعد قطعه أبناء القوات المسلحة فى سيناء للقيادة العامة وهم قادرون على تحقيقه وتأكيد سيطرتهم على كل شبر من أرض سيناء كرسالة تأتى فى وقتها وترد بقوة على من يحاولون من جديد إعادة مخططاتهم الفاشلة لجعل سيناء حلًا بديلًا للدولة الفلسطينية.


 



آخر الأخبار