الفساد بين الممارسة والاستعداد !

16/09/2015 - 1:10:53

بقلم - رجائى عطية

لست أرى سببًا للصدمة، وإن كان هناك أسباب للأسى على أنباء الفساد الذى علينا الإقرار بأنه ـ للأسف ! ـ صار متجذرًا فى مصر، ومن السذاجة أن نظن أن القضاء عليه وتجفيفه يمكن أن يكون بقرار، أو بضربة واحدة، فمواجهته تحتاج إلى رؤية شاملة، صريحة وعريضة ومتعمقة، وأن توضع لمقاومة الفساد والقضاء عليه وتجفيف ينابيعه المتعددة خطة تفصيلية واعية متفطنة، لن تبتعد فى نظرى عن التخطيط الشامل للإصلاح.


ومن قصر النظر أن نصب اللوم ـ فقط ـ على اختيار من اختار، لماذا اختار، أو متابعة أو عدم متابعة سلوك هذا وذاك، فمع أهمية «الاختيار» و«المتابعة»، إلاَّ أنه يجب التنبه إلى أن «التعميم» بإطلاق، يغفل أن الفساد أنواع، وأن هذه الأنواع ترتد إلى نوعين رئيسيين: فساد «مُمَاَرْس» من مدة طالت أم قصرت، تشهد عليه صحيفة سوابق يجب رصدها واستقصاؤها أولاً بأول وقبل أى «اختيار»، وهناك «استعداد» للفساد أو الانحراف، كامن فى النفس، ولم يظهر، لأنه لم يتعرض بعد لامتحان، وتتفاوت قياسات السقوط فيه تبعا لحجم الإغراء أو كم الضغوط ومقدار «المناعة»، التى يمكن أن تقاوم، أو قدر «الاستعداد»، الذى يلتقط العرض أو الفرصة أو يبادر إليهما.


فى هذه الحالة لا شىء فى يد «الاختيار» إلاَّ الاستقصاء والدراسة وبذل الجهد «للتوقع»، وهو معرض للنجاح أو الإخفاق، لأنه مطالب أيضًا بألا ينجرف إلى «الرجم» فيظلم على غير بيّنة، ويحول دون اختيار من كان يمكن أن يصح ويستقيم اختياره !


حال «المستجد»، الذى سقط فجأة وانكشف فجأة أن لديه «استعدادًا» كامنًا للسقوط والانحراف، غير حال «المخضرم» صاحب السوابق الكاشفة أو المنذرة على الأقل، باحتمالات معاودة الفساد الذى اعتاد عليه، فمن الفطنة وجوب متابعة أمثال هؤلاء ولو من على بعد والتيقظ لتحركاتهم وسلوكياتهم سيما إذا اقتربوا من دوائر النشاط المثمر وأصحاب القرارات فيه أو بدا من أسلوب ومستوى معيشتهم أنهم على حال غير طبيعى من الثراء والإنفاق , يوريان بأن وراء الأكمة ما يتعين مراقبته واستكشافه.


التفطن الواجب


لست أحب أن أتناول أشخاصًا معروضًا أمرهم الآن على العدالة، ولكن أحدًا لن يخطئ ما تومئ إليه سطورى السابقة, ولا ما هو معروف من وجود سابقة قضى فيها بالإدانة والعقاب فى قضية فساد كبرى جَرَّت مسئولاً كبيرا وبمحافظة الجيزة إلى وهدة المستنقع الذى زينه له موظف صغير درج على التزيين والإغراء والتسهيل والتربح من وراء ذلك, فظهوره المفاجئ اللافت فى «إقامة فندقية» باهظة التكاليف جدا لا يقدر عليها إلاَّ سراة الأثرياء, واتصالات متعددة متنوعة تفوح بوضوح بين نفر من طلاب المصالح أو المغانم, وبين بعض من بيدهم الحل والربط ـ واقتران ذلك بقبوله ـ برغم ضحالته ـ ككاتب كبير فى صحف ربما أغلقت صفحاتها فى وجه الكتاب الكبار فعلاً ـ كل ذلك كان حريًّا بأن يوقظ «قرون الاستشعار» لدى كافة الأجهزة الرقابية المعنية بالأمن العام وبأمن الأعمال والوظائف وبالأمن القومى, وبأن تتابع متابعةً مبكرةً التحركات والاتصالات من قبل أن تتفاقم الأمور ويقع العديد من الجرائم والمحظورات!


من عناصر المواجهة لا تقتصر عناصر المتابعة على الالتفات الواجب إلى أصحاب السجلات الجنائية وصحف السوابق, وإنما يتوجب أن تميز بين أنواع الفساد وكذا صُنَّاعه وممارسيه والساقطين فيه أو المنجرفين إليه، لأن لكل حالة من هذه الحالات معالمها وأماراتها, ومن ثم أسلوب التصدى لها بل وعلاجها إن أردنا تجفيف أسباب الجرائم!


ولو أخذنا « الرشوة » مثالاً، لبدا لنا أن بواعثها هى الوصول إما إلى غير المستحق, أو إلى مستحق بأيسر وأسهل وأسرع طريق, وإما تحقيق نهمٍ لا يشبع ولا يرتوى للمال الحرام. وأن أشخاص مرتكبى هذه الجرائم ينحلون فى «مرتش» يطلب أو يقبل أو يأخذ ليبيع وظيفته أو قرارتها بعمل أو بامتناع أو بإخلال، وفى «راش» يتقدم ليغرى ويحرض ويوقع ويحث لينال، أو «راش» يرضخ فيقبل صاغرًا دفع ما قد عساه لا يرضى بدفعه، ولكنه لم يجد أمامه مفرًّا من المكروه لتيسير أعماله أو الوصول إلى حقوقه أو تجاوز عقبات مفتعلة توضع أمامه بفعل المرتشين أو بفعل الروتين اللعين . ثم «وسيط» انتهازى يصطنع الأسباب بالإغراء والتزيين والتسهيل والتوصيل، وغالبًا ما يخرج بفوائد من كل من الراشى والمرتشى، وسرعان ما يلوذ هو والراشى بالاعتراف إذا حَمَّ القضاء وصولاً إلى الإعفاء، وقد يكون ذلك فى كثير من الأحوال بالكذب أو بشىء من الكذب والافتراء !


مواجهة الرشوة تحتاج إلى رؤية شاملة ومميزة، تفرق بين «أشخاص» الجريمة ومراكزهم ودوافع وبواعث ومحركات كل منهم، فبغير هذا التمييز المتفطن تتعثر الرؤية والرصد والمتابعة والمواجهة، كما تستلزم هذه المواجهة رؤية شاملة ومميزة أيضًا لصور الأنشطة والأعمال والأغراض التى تتخذ الرشوة وسيلة إليها، لأن المواجهة ومهما سعت للإصلاح والتهذيب، لن تكون فاعلة ما لم تتوصل إلى «الحواجز» و«العقبات» المصطنعة أو المفروضة بالروتين، التى يستهدف بها المرتشى الضغط لتحقيق مأربه، أو يسعى الراشى أو يضطر لتجاوزها ببذل أو بقبول بذل ما يطلب منه أو يفرض عليه.


السهولة والشفافية أعدى أعداء الرشوة.. وحينما تتوفران تنقضى وتزول «بضاعة» المرتشى، وتنقشع «الضواغط» التى تفرض على الراشى أو تدعوه لتقديم الرشوة وصولاً إلى غاية سيستطيع الوصول إليها هيّنة ليّنة إذا ما شاعت السهولة والشفافية.. وهذه الشفافية هى السلاح الماضى لمقاومة صور النهم والجشع الذى لا يرتوى للمال الحرام، لأنها تلزم جميع الأطراف، الطالب والمطلوب، بإجراءات واضحة جلية وسوية توزع الحقوق على سواء معلوم ومعلن، ووفقًا لقواعد لا تميز ولا تعرقل وتعطى لكل ذى حق حقه، بلا متاجرة، وبلا بيع ولا شراء!


إزالة الروتين العقيم، وكفالة سهولة الإجراءات مع الشفافية، ليست قضية أمنية تستطيعها الأجهزة الرقابية والأمنية، وإنما هى قضية مجتمعية يجب أن تنهض بها الدولة بكافة وزاراتها وهيئاتها ومؤسساتها وسلطاتها، وأن ترعاها السلطة التشريعية أيضًا لتيسر لمرافق السلطة التنفيذية كفالة وتحقيق هذا اليسر وتلافى التعقيدات الروتينية التى يستغلها طلاب الرشوة ووسطاؤهم!


هذا بند واحد من بنود التصدى لصورة واحدة من صور الفساد، يرينا كيف يحتاج هذا التصدى لرؤية شاملة تكفل نجاح المواجهة وتجفيف منابع الفساد بالقضاء على أسبابه فى أى موضع لم يعد للإعفاء بشروطه محل!


وازى قانون العقوبات المصرى منذ كان، بين صعوبة الحصول على دليل فى جرائم الرشوة التى تتسم بالخفاء والسرية، وبين تيسير الوصول إلى الأدلة التى تعين على عقاب الجانى.. واعتبر القانون أن الجانى الرئيسى هو «المرتشى»، فقرر الإعفاء من العقوبة «للراشى» و«الوسيط» إذا أخبر بالجريمة قبل اكتشافها، أو إذا اعترف بها ولو بعد اكتشافها بل وضبطها، شريطة أن يكون اعترافه صادقًا يغطى وقائع الرشوة.


لا شك أن هذه السياسة ساعدت على تقوية الأدلة ضد «المرتشى» فى قضايا، ولكنها مع ما تفضى إليه من إفلات الراشى أو الوسيط وقد يكون هو المزين للجريمة والمحرك لها، فإنها قد أدت فى قضايا غير قليلة إلى مظالم تسببت فيها اعترافات «كاذبة» لشخصيات مجبولة بحكم دورها فى الرشوة ـ على «الانتهازية» و«الكذب والاحتيال»، فتؤثر استقصارًا للطريق، أو ضمانًا للإفلات ربما من جريمة عرض رشوة عرضت من أيهما ولم تقبل ـ تؤثر المبادرة إلى «اعتراف» غير صحيح أو غير أمين، لتفلت بنفسها مهما أدى ذلك إلى إيقاع المظالم وخلخلة الحكمة التى قرر المشرع «الإعفاء» من أجلها.


ودلت السوابق على أن النظرة القديمة فى التركيز على «المرتشى» لم تعد تصادف الأوضاع التى تكشفت، فقد رأينا ولا نزال نرى بل وفى آخر ما ضبط، أن دور الراشى والوسيط، لا يقل بل يزيد عن دور المرتشى، بتحريضه والإلحاح فى التزيين له حتى تنهار مقاومته إن لم يكـن هو الطـالب أو الساعى إلى الرشــوة، والنـاس تتفاوت فى مقدار «مناعتها» للخطأ مثلما تتفاوت فى مقدار «استعدادها» للانحراف، فيسهم هؤلاء فى إسقاط أسوار المناعة، كما يسهمون فى ترويج دوافع الانحراف، ثم إذا بهم يفلتون من العقاب تحت جناح الاعتراف والإعفاء، ولا تقتصر هذه النتيجة على «إفلات» مجرم، وإنما الأخطر أنها تشيع وقد أشاعت الفكرة لدى الساعين إلى الإرشاء، فطفقوا يُقْبلون عليها بلا أى خشية ولا محاذير تحت ضمان أنهم سيفيئون إلى «إعفاء» إذا وقعت الواقعة واكتشفت الجريمة!


ظنى أنه صار واجب وحتميًّا، إعادة النظر إِنْ لم يكن لنظرية الإعفاء من الأساس، فلشروطه على الأقل، بأن تقتصر على «الإخبار» بالجريمة قبل اكتشافها، واشتراط إِنْ كان بعد علم السلطات وقبل أن تبدأ فى إجراءات ضبطها أن يؤدى الإخبار إلى التعرف على الجناة وأبعاد وتفاصيل الوقائع بصورة تعنى تقديم خدمة حقيقية فعلية لازمة للعدالة ولولاها لما أمكن ضبط الجريمة أو توفير أدلتها، ويمكن إذا ما ريم منح «الإعفاء» للاعتراف بعد الضبط، أن يضاف شرط أن يثبت أنه الدليل الوحيد وأنه لولا هذا الاعتراف لما أمكن توفير أى أدلة ضد «المرتشى»، فيكون للاعتراف ثمرة جادة توازى ما سوف يمنح للجانى المعترف من إعفاء!


هذه بعض خواطر أكتبها فى عجالة لمحض التنبيه، مقررًا أيضًا أن مناقشة الفلسفة العميقة للتجريم والعقاب والإعفاء، ربما لن تصادف الكفاءات اللازمة للبحث والتمحيص والمناقشة فى مجلس النواب القادم الذى لا أرى من مقدمات الترشيح والمرشحين ما يبشر بخير أو بخير كثير، بيد أن الحياة لا تتوقف، وهى فى صيرورة مستمرة دائمة، علينا أن نتحرك بوعى وفهم لمسايرة مقتضياتها !